المغربي محمد فتح الله عاشور ومتعة الذائقة البصرية بالألوان**
قاطع تذاكر يرسم مخلوقاتً عجيبة**
فيصل عبد الحسن – الرباط
أفتتح في قاعة النادرة وسط مدينة الرباط يوم 7 يوليوز تموز 2012 ولغاية 14 منه معرض الفنان التشكيلي محمد فتح الله عاشور، تحت عنوان متعة الألوان .
والفنان المغربي الذي دخل قبل سنتين موسوعة غينيس بعد رسمه لأكبر لوحة طولها عشرة أمتار وعرضها متر ونصف المتر، وأستمر عاشور يرسمها لفترة عام كامل، والفنان من مواليد مدينة مراكش عام 1955 وقد مارس الرسم التشكيلي منذ كان عمره ستة عشر عاما، وقد وضع في لوحاته الأخيرة في المعرض الجديد في قاعة النادرة مهاراته، التي أكتسبها خلال أكثر من أربعة عقود من الرسم، وأقامة المعارض في المغرب وفرنسا وسويسرا، والفنان عضو جمعية قوس قزح الفرنسية وجمعية شروق المغربية.
حين كان الفنان في سن الخامسة، وما تلا ذلك العمرمن سنوات الطفولة المبكرة، كانت تذهله أنامل أمه وهي تضع التطريزات الجميلة على الألبسة والأفرشة، وكان يتابع غرزات أبرتها، وتجذب عينيه ألوان الخيوط المستعملة وخطوط أمه على القماش بقلم الرصاص قبل ان تباشر تطريزاتها الأنيقة، التي تُجمل بها القماشات الخرساء والتي حالما تطرز تصير قماشات ناطقة بالجمال والأفكار والصور المذهلة والألوان البهيجة، فترات التطريز تلك كانت تمتد في العادة إلى آخر الليل، وخصوصا قبل الأعياد، عيد الفطر وعيد الأضحى وفي ذكرى مولد رسول الهدى محمد صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك الجمال الذي أبهره في طفولته، وأسهده حاول أن يستعيده حين كبر في رسم لوحاته، فتجد الكثير مما رسمه في معرضه الحالي يعود باصدائه وألوانه وأفكاره وخطوطه، لتلك المرحلة المبكرة من حياته، والفنان يطلق على رسمه هذا الذي يتفرد به عن غيره من الفنانين المغاربة الفطريين برسم العاشورية نسبة إلى عائلته آل عاشور .
رموز وغموض
من يصف تأثر الفنان عاشور بفن التطريز وحده يظلم الفنان، لأن الكثير مما جاء في لوحاته جاء في الحقيقة مما يرسمه الصانعون التقليديون على الزربيات وما تنقشه النكافات اللاتي يجملن العرائس في المغرب عادة على أكف العرائس وأيديهن من نقوش الحناء، والغريب أن الفنان يستعمل في تلوين لوحاته ألوانا من الطبيعة فهو يستخدم النيلة وصباغة الماء والزيت والحناء والزعفران والقهوة، وأوراق الخشب، ليلون بكل تلك اللألوان الطبيعية لوحاته، وكأنه يستعيد أرث الفنانين الأجداد الذين رسموا أجمل النقوش، والرسومات والخطوط فيما تركوه من مخطوطات أو نقوش في المساجد، وأضرحة الأولياء، ولكل لوحة من لوحاته الجديدة تعكس هواجس الماضي، وتعطي أنطباعات مباشرة للمتلقي أنه يرى ما صنعته البيئة المغربية، وما فعله الفنان أنه أخذ من هذه الأرض المعطاء وشكل منها ما يبهر النفس، ويجعلها أمام الجمال الحقيقي الذي يريح العيون ولا يستفز المشاعر، أنه يطمئن الروح بالوجوه الريفية المغربية، وبعكسه معتقداتها حول الحسد والعيون الشريرة والسحر ورسم التعويذات التي تمنع تأثير الأعمال الشريرة على الناس، فهو يخاطب العقل الجمعي لمشاهدي لوحاته بما أمتلك ذلك العقل من مناطق فيها رموز وغموض لا يعرف تفسيره أحد، أنه يدخل برسوماته وخطوطه تلك المناطق المظلمة من الوعي الإنساني لينقل للمتلقي أصالته، وأنتماءه للمغرب ومحبته لناسه وشجر وطنه وارضه وطقوس أهله ومعتقداتهم.
قاطع تذاكر
تجربة غزيرة نهلها الفنان عاشور من عمله لعدة سنوات كقاطع تذاكر في السكك الحديدية المغربية، لقد أعطته فترة عمله تلك رؤية بصرية واسعة لوطنه المغرب، فقد كان يرحل بخياله عبر ترحاله المستمر في قطارات السكك الحديدية عبر القرى والمداشر والهضاب والجبال والمناطق السهلية الخصبة، فيرى القرويات ويميز بين نقوش الحناء التي تضعها كل واحدة منهن، فسيدة من هذه القرية أو تلك المدينة الصغيرة المنزوية في جبال أطلس تختلف بنقوش حنائها ووشمها الذي وضعته أسفل حنكها، أو حملته على ذراعيها، عن تلك التي تعيش في الصحراء، كذلك تختلف الكثير من الأزياء التي يرتديها الناس في المناطق المختلفة وتختلف الألوان التي تؤطر الثياب، والأوشحة وأغطية الرأس، وكل تلك الأشكال المختلفة نراها مرسومة بدقة في اللوحات التي يرسمها الفنان عاشور وليس غريبا أن تحلق به خيالات السفر الليلية بالقطارات تلك، فيشترك الحلم بما يراه في الطبيعة المتحركة أمامه من خلال حركة القطار المستمرة، فيرسم مخلوقات عجيبة لم نرها من قبل ولا نستطيع حتى تخيلها أو وصفها.
والغريب انه يمتلك رؤية روحية عميقة في كل لوحة من لوحاته، فهو رسم خطوطه ولونها مرة على القماش وأخرى على الجلود بما يقود المتلقي إلى ينابيع الفطرة، وربما يستعين في رسم بعض لوحاته عن البحر بالرمل والصدف والمحار وأشواك وزعانف الأسماك، وهو قال أكثر من مرة أنه يرسم في عتمة الليل، وتحت أضواء خافتة عادة إلا أن العجيب أن ألوان لوحاته تأتي مشرقة ومشعة، فيشعر المتلقي بأطرافه تتنمل، وهو يتذكر الله تعالى وهو يخلق هذا الكون العظيم، ويبث فيه من كل دابة وحياة من كل لون وشكل، ويقدر فيه أرزاقه ويخلق الليل والنهار والشموس والنجوم، والكواكب والمجرات، أن اللوحات التي يحطيها الفنان عاشور بمربعات ثم يؤطر تلك اللوحات الصغيرة بآطار واحد لتشمل رسومات الطير والمآذن والخيل والنساء والفلك والأسماك، والرجال والبيوت، تذكرك بطوفان نوح عليه، وعلى نبينا المصطفى أفضل سلام، ورحلته في عباب أمواج الطوفان في سفينته، لأنقاذ ماتبقى من المخلوقات من الغرق، وبدء الحياة من جديد في عالم يسوده الإيمان بالله تعالى وعبادته والطهر وحب الخير والعيش المرفه السعيد في ظل العدل والمحبة والنور، كل تلك الأفكار يعيدها الفنان مرة تلو أخرى في أغلب لوحاته في معرضه الأخير لينبه الغافلين عما فاتهم، وليغترفوا من سعادة الحياة وطهرها وجمالها ما أتاحه الخالق تعالى لعباده.
/7/2012 Issue 4261 – Date 26 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4261 التاريخ 26»7»2012
AZP09
























