المغربية رؤى المرابط تستعيد الفضاء البابلي في لوحاتها

المغربية رؤى المرابط تستعيد الفضاء البابلي في لوحاتها
لوحتي قصيدة صامتة
فيصل عبد الحسن
تتنتابك الكثير من الأفكار حول تاثير التأريخ على الفنان، وأنت تتملى لوحات الفنانة رؤى المرابط، في المعارض التي اقامتها، أبتداء من عام 2000 مع فنانين آخرين، آخرها كان قبل تخرجها من كلية الهندسة المعمارية، وكان معرضها ذاك مشتركا في المركز الثقافي المصري في الرباط، والفنانة نقلتنا في كل لوحة من لوحات ذاك المعرض إلى أهتمامها بنقل تأثيرات جمال المرآة وفضلها على الحياة، وهي تصنع الفرح في كل مكان تظهر فيه، وكذلك نقل تأثيرات التأريخ على رسمها، وتناغم فرشاتها مع حضارات كالحضارة الفرعونية، والحضارات العراقية القديمة، فشعر كل من تأمل لوحاتها، انه امام فنانة تمثلت التأريخ، وحملت في ضميرها مشاعر عميقة من الألفة نحو حضارات نشأت، وأندثرت وتركت وراءها أرثا طيبا من الفنون، والأنجازات في المعمار، وأساليب الحياة.
بابل
وقد حملت إحدى لوحاتها، إرثا بابليا، وفي تفصيلاتها ما يشير إلى حضارة وادي الرافدين، من خلال رسمها للملك البابلي حمورابي، وهو يستلم قوانينه، والتي عرفت ب قوانين حمورابي واللوحة من القياس الكبير، فهي بأبعاد 1.2م في .9 م وتظهر فيها خارطة العراق على شكل صخرة عظيمة، وقد رسم في داخلها الملك حمورابي وهو يستلم القوانين، والعراق بشكله الجغرافي الحديث ينغرز في قلب آسيا كحجر ناتىء ضخم، وكأنما تؤكد الفنانة تكالب الأعداء على هذا البلد من الشرق والغرب، لأزالته من الجغرافيا، ولكن العراق يظهر كصخرة صلدة نابتة لا تتزحزح عن مكانها، نابتة في جذر الأرض، بحضاراته، المختلفة، وتذكرنا البناية المتعددة الطوابق بنباتاتها المتسلقة بالجنائن البابلية المعلقة القديمة، التي روى عنها المؤرخ اليوناني هيرودتس الكثير عندما صاحب الحملة التي قادها الأسكندر المقدوني لأحتلال بابل عام 323 ق.م، ومات الأسكندر فيها بعد أحتلالها وتخريبها، وبعد أن تزوج من سبية بابلية، ويعتقد أنها ثأرت منه لبلادها، فقدمت له السم في كوز الجعة، الذي أعتاد أن يشرب منه، وحين شعر بدنو أجله طلب من جيشه أن يمر كل جنوده من أمام مضجعه، ليسلموا عليه واحدا واحدا، ويطل من جانب تلك البناية وجه فتاة، هو ذاته وجه الفنانة، وكل مارسمته في اعلى اللوحة يحمله الغمام ويصعد به إلى الأعلى.
الشعر والرسم
وفي لوحة أخرى من قياس 1.1 م في 0.9 م ويبدو للرائي فيها، أن الفنانة مسحورة بنهر النيل واهرامات مصر، التي ترسمها لتبدو شاهقة إلى الجانب الآخر من النهر، لكنها لا تتناسب مع أرتفاعات اشجار النخيل، التي تبدو أقرب حسب أطوالها من الاهرامات وأبعد عن النهر، وتبدو المرأة التي تقف وسط قارب فرعوني، وهي جذلى بالنهر، والريح التي تطير غلالتها الحمراء، وكذلك خصلات شعرها الذهبية، وتصير غلالتها الحمراء وساريتان من العصي شراعا لهذا الزورق، المتهادي وسط النيل، ويتحد اللون الفيروزي للسماء بلون مياه النيل، وتحتفظ الأكمات الخضراء الممتدة على ضفة النهر المرئية بعتمة، تذكرنا بالعتمة التي تأتي بعد غروب الشمس بقليل، واللوحة تذكرنا بالشعر، وحساسيته، الذي قالت عنه الفنانة في كلمتها عن لوحاتها في المعرض الآخير، لتوضيح رؤاها الفنية لقد حظي الشعر بأهمية كبيرة، ومكانة عظيمة بالتراث العالمي، و ذلك لما يحفل به من آثار جمالية، وأوصاف رقيقة لأغراض وتجارب حياتية عديدة، وما يزخر به من أحاسيس وعواطف مختلفة في شتى المجالات في قالب لغوي وتصويري جذاب، كان الشعر شفويا ثم صار كتابيا وأصبح أغنية، ولم لا يجسد من خلال الصورة أواللوحة تصديقا لمقولة الفيلسوف الإغريقي سيمونيدس ألكيوسي الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد الشعر صورة ناطقة أو رسم ناطق وإن الرسم أو التصوير شعر صامت، وهذا ما حاولت أن أجسده من خلال أعمالي الفنية مستمدة مجمل التعبيرات والتشكيلات للوحاتي من خلال بيت شعري، أو معني لقصيدة، و بمعنى آخر وجدت في التراث الأدبي بحرا لا ينضب، ومدادا لا يجف أغرف منه مجمل لوحاتي، ومن خلال تجربتي الحالية تم تركيزي بالأساس على القصيدة الغزلية، لما تزخر به من وصف لجمالية المرأة وسحرها وعشقها مرورا بالشعر الجاهلي، وصولا للشعر الحديث.
تذكرنا بالجنة
وفي لوحة من قياس 1.3م في 1.1 م وهي من أجمل لوحات الفنانة رؤى المرابط، وهي تذكر بما ورد عن الجنة في الذكر الحكيم، يقول الله تعالى في سورة ق واصفا الجنة وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ 31 هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ 32 مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ 33 ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ 34 لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ 35 فالوجه الأنثوي التام الصفات الذي يذكر بحور العين، والكأس التي تبدو شفافة حد الأمتزاج بما حولها، والأفق الذهبي الذي يمتزج بوجه الغادة الجميلة، وعنقود العنب الذي يميل إلى السواد، وغصن الكرمة الذي حمل عناقيد العنب، وأوراقه الخضراء التي تشف عن عروقها وأنصالها، وتلك الأغصان الرقيقة التي تمدها شجيرة العنب، لتلتف حول كل شيء، بمنتهى اللطف، وتبدو لنا، وكأنها لمسات أنثى رقيقة، وقد نبتت وسط الكأس وردة جوري بلون وردي، وتكاد أن تتمزق وريقاتها لأي نفثة نفس في تلك الكأس، وقد أضفى اللون الذهبي على اللوحة جوا من السحر، والقداسة والأسطورية، فاللوحة تمثل متع الإنسان الكاملة، التي عادة لا تكتمل على الأرض، مهما بذل من الجهود لأتمامها، وهي موجودة فقط كالذي أظهرته اللوحة، لدى ملك مقتدر وعد المؤمنين بها، وفوقها المزيد في جنات الخلد، التي أزلفت للمتقين.
جمال المرآة
ومن اللوحات الأخرى الكبيرة التي تذكرنا بفرح الحياة، واللوحة من قياس 1.5 م في 1.2 م وهي تمثل سيدة تتمرأى أمام مرآة، ولكن زجاج المرآة لا يعكس إلا صورة وردة حمراء طويلة الساق، من نوع ورد التيسيمو المتسلق، والسيدة تتمايل مع غصن الوردة، كأنما الوردة وأغصانها ووريقاتها تنقل لنا حركات المرآة المحتفية بجمال ثوبها الأحمر الطويل، انها لوحة كاملة عن احتفال الفنانة وهي ترسم جمال الأنثى، وفرح الحياة، وتذكرنا بالجمال، الذي تغدقه الأنثى على الحياة من ألوان البهجة والسرور، وموضوع هذه اللوحة من أرق الموضوعات التي تطرحها الفنانة في لوحة من لوحاتها من الحجم الكبير، وقد بدت فيها كل حركة من حركات فرشاة الفنانة على قماش الرسم محسوبة، وكذلك كل مزج لوني فيها يعبر عن مزاج الفرح الذي كانت تشعره الفنانة وقت رسمها للمرآة الوردة، التي تطير فوق بقعة خضراء من النباتات النامية، أنها لوحة احتفالية تتغنى بجمال الأنثى وفضلها على الحياة، وتثيرالبهجة والأمل في نفوس من يراها، ويتأمل معانيها العميقة.
بيلوجرافيا
ولدت الفنانة الشابة عام 1987
عام 2000 شاركت في أول معرض جماعي لطلاب المدارس الثانوية في قاعة علال الفاسي في مدينة الرباط.
حصلت عام 2000 على الجائزة الثالثة في مسابقة نظمتها جمعية أنعام للفنون بتكليف من وزارة البيئة.
عام 2003 شاركت في معرض جماعي بمناسبة اليوم العالمي لعلم الفلك في المركز الثقافي في الرباط.
فازت عام 2004 بتصميم أفضل صحيفة مدرسية.
عام 2005 شاركت بمعرض جماعي في المركز الثقافي في أكدال بمدينة الرباط مع الفنانين غربال، هراتي، و عابد جواد.
عام 2009 شاركت بمعرض جماعي في مسرح محمد الخامس مع الفنانين غربال، تونسي، هراتي، وميجري.
عام 2010شاركت في معرض ثنائي مع الفنانة العراقية علياء العزي في المركز الثقافي المصري تحت عنوان التراث العربي وجمالية المرآة .
حصلت الفنانة على شهادة الهندسة المعمارية عام 2011

/7/2012 Issue 4241 – Date 3 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4241 التاريخ 3»7»2012
AZP09