المطرقة وبراءة الأطفال
بدأت صباحها بقليلٍ من الضجر وهي جالسة لاتتزحزح تبحث عن وسادتها وقد تفتلت اهدابها ببريق دمعةٍ!!!
حبيبتي دمعكِ لايجدي نفعاً.. بعد ان ادركت أن من ايقظها هي امُّها ، واستوعبت سبب الازعاج لسكينتها ونومها العميق، بدأت كلامها الصباحي الجميل .. ماذا تعملين ؟ ماهو عملك ؟
أجبتها بأنني محامية.
وماذا تعمل المحامية ؟!
انها من تدافع عن حقوق الناس.. صمتت ثم قالت : تعملين بالمكان الذي يستعمل(الجاكوج)!
يالعقلها البسيط .. لقد رسمت بمخيلتها الطفولية على ما أظن ، مخططاً وضحت فيه لنفسها قوة (الجاكوج) وعلاقته بالدفاع عن الحق . وجعلتهما شيئا واحداً.
لقد ايقظت الطفلة بداخلي افكارا لاتهدأ الا بتوضيح الامر لها ، ولكن ضيق الوقت الصباحي والتهيؤ للدوام يجهدني كثيرا!
سُرعان ماافقتُ على رنين افكاري المبرمجة ليوم العمل واكتفيتُ بالنظر الى وجهها الجميل الذي طالما يؤنسني ولعينيها التي تخلبُ البابي ،وبعد ان توالت الافكار عُدتُ الى طفولتي ! كنتُ أظنُ فيها بأن البشر هم مجرد ابتسامة تُرسم على الشفتين والسعادة هي من ممتلكات الجميع لايجوز تخريبها ،أعيشُ في عالمي الوردي عالمُ الخيال .. مرت السنين وتوالت الاحداث غمرتني الحياة بألوان الطيف الشمسي مع تداخلات البني والرمادي والاسود مُستلذةً طعمها .كنا نلهو ونلهو لوقتٍ متأخرٍ من الليل لا يوجد بيننا ممتلئٌ بالمكر والخديعة والمراوغة.
هي الحياة نقف امامها متحدين ضوءُ النهار وظلمةُ الليل لايرد عنا حرٌ شديد ولا برد قاس ، لكن ما ان كبرنا حتى تعلمتُ بأن واقع حياتنا يختلف!!
تغيرت بسماتنا فأصبحت مصطنعة!!!! وكلماتنا مقنعة!!!وتواصلنا لهدفٍ ومادة وليس لحبٍ وصلة رحمٍ!!!الانسان بثيابهِ بعد ان كان بآدابهِ!! يصون مالهِ بعرضهِ بعد ان كان يصون عرضهُ بمالهِ!!
الأرضُ تتأوه تحتَ اقدامنا من ثقل خطواتنا بعد ان كانت ترقصُ على لحن تلك الخطوات ، اقتربنا من الزحام والضجيج بعيداً عن الصمت والسكون، استشعرتُ خوفاً!!على طفلتي لما نسجتهُ من شباكٍ رقيقة ملؤها الهمة والحماس .فهي ظنت بأن (الجاكوج) أداةٌ للدفاع عن الحق!! وأنا مع الحق لاعليهِ. أنا أدركُ حقيقة (الجاكوج) بلغة الطفولة و(مطرقةُ القاضي) بلغتي فهي تلكَ الأداة التي تُسكت الفوضى في قاعة المحكمة ما ان طرقها القاضي طرقةً واحدة ساد بعدها الصمت! كأنها أداةٌ سحرية!!!ياليتني أملكُ واحدة ! فطفلتي بحاجةٍ ماسة لها لأسكات كلُّ من يُزعجها في هذا العالم الغريب ولأحافظ على فطرتها ونقاوة قلبها فهيَّ ليست (بالساذجة) وأنا لستُ (بالغبية)لكنني فضلتُ الأبتعادُ عنها فكرياً لأفسحَ المجال أمامها لتدخل معترك الحياة ولتجد أجوبةً لاستفهاماتها الذكية، فالبراءة في الأطفال لاتحرمهم من التفكير والفراسة بل تُنمي وتُجمل ذكائهم وتقوي قدرتهم على البحث وتقصي الحقائق .
حياتنا يلفها الغموض !لكنهم قصةُ حلم وقصيدةُ أمل وخاطرةٌ عذبة بأنفاسهم الطاهرة…صافيةٌ نقيةٌ صادقةٌ هي حياتهم ،هم النسيم المتبقي بعد عواصف البشر فهل ياترى كم من هذا البشر من أمثال هذا المخلوق ؟
وهل سيرتقي الانسان البالغ ببراءته الى مرتبة الأطفال؟
وَجْد كفاح القصاب
























