
المخطوطات العربية.. رؤية جمالية وفكرية
الترميم تشخيص وعلاج بين لوحي زجاج
قيس كاظم الجنابي
لمحة
لا يمكن ان نفصل تحقيق المخطوطات عن الجانب الجمالي فيهاو وعن كونها ثروة قومية ووطنية واسلامية وعالمية، وقيمة عليا من قيم الاعتزاز بالموروث قديمه وحديثه؛ فهي وان جرى تحقيقها واخراجها الى كتب مطبوعة تبقى رمزا اعتباريا لجوهر تراث وثقافة الامة، ورمز من رموزها حضاريا في مختلف العصور، وفد برز الجانب الجمالي في الخط العربي بوقت مبكر ، فهو مرتبط بنشأة الكتابة ذاتها ، فان الخط والمخطوط ارتبط بالكتابة بوصفها عملا ثقافيا ، بعد ان كانت ترتبط بالفكر الديني و وسرا من الاسرار التي يستحسن عدم الكشف عنها الا لمن يعرفها، فأصبحت فكا للرموز واستنطاقا للصمت ، وحثا في ارض بكر ،لأنها تخلق حالة من الارتباط بالواقع ،وبعد الاسلام ارتبطت الكتابة بتدوين القرآن الكريم، والامور ذات العلاقة بالدين وادارة الدولة؛ أي بالسلطتين الدينية والدنيوية و لكنها تحاول ان تكون جزء من السلطة الالهية المخوِّلة للسلطان.
الكتابة
الكتابة نظام تصنيفي ثانوي، يعتمد على نظام اولي سابق له هو اللغة المنطوقة، وهي احدى ادوات القوة السرية والسحرية (1) فإنها ارتبطت بالخط و لذا قال الشماخ:
كما خط عبرانية بيمينهِ
بتيماء حَبّرَ ثم عَرَّض اسطرُ (2)
وقد ارتبطت الكتابة بالخط والترقيش ، حتى سمى العرب الكتابة ترقيشاً، وبها سمي المرقش الاكبر، حين قال:
الدار قفر والرسوم كما
رقش في ظهر الاديم قَلمُ3
أنها مختصة بعدد قليل من الناس، فإنها ارتبطت بشئ من التحريم او الحظر، بسبب سيادة الثقافة الشفاهية، الشفاهية ،حتى كان بعض الناس يميلون الى حفظ بعض ما يجدونه في المخطوطات عن ظهر قلب. ولم يكن من السهل دائما تحديد مكان المادة في المخطوط. (4)
ومن هنا ارتبطت الكتابة بالرقش الذي اصبح وسيلة تربط بين الخط العربي والتصوير ، ذلك ان الخط هو تحديد في رسم الحروف والكلمات التي تحمل معان معينة. اما التصوير فهو رسم اشكال ووجوه تمثل حدثا او مشهدا واقعيا او خياليا بينما الرقش هو رسم لا يحمل معنى بيانيا او لفظيا ،وانما ينقل الشكل الهيولي والجوهر لأشياء كانت واقعية ؛فاتجه الخط العربي من شكله البدائي الى شكل فني لم يعد له حد في التفنن والتغيير.(5 ) فبدأت بعض المخطوطات تجمع بين فن الخط وصور الحيوانات والنباتات، كما في مخطوطات كليلة ودمنة، و الف ليلة وليلة، ومرزبان نامة ،والمقامات للحريري ،و عجائب المخلوقات للقزويني ،و كشف الاسرار لابن غانم المقدسي ..وغيرها.(6)
وقد اسهم العراقي في نواحي الفن الاسلامي ،فقد ولد الرقش الارابسك في العراق وتطور ونضج على ايدي اهل العراق في سامراء والموصل ،وكذلك نضج الخط العربي الكوفي منه والنسخ الفني في الكوفة والنسخ الفني في الكوفة وبغداد وكما اصبح على اختلال صوره مضروبا مشتركا في نواحي الفن الاسلامي.(7)
ثم انتقل الرقش بالتدريج الى ما عرف بفن المنمنمات للتعبير عن التصوير ،وخاصة الصور الشخصية البورتريه بتأثيرات فارسية وتركية ورومية وصينية ومغولية.. وغيرها. (8) مما يشير الى المدرسة العربية استفادت من جيرانها، ثم شقت طريقها مستقلة عبر الاستفادة من جماليات الكتابة بكل صورها، سواء عبر توظيف الخط او عبر توظيف العنصر الجمالي في المخطوطات ، او في الفسيفساء على الجدران في المساجد والقصور والتكايا والحمامات ..وغيرها.
الخط
بدأ الخط العربي اساسا كوسيلة من وسائل التدوين، لكنه بمرور الزمن تحول الى طاقة معرفية وجمالية، وتسربت الى تفاصيله الابعاد الزخرفية، من خلال الابعاد الظاهرية للخط ، والعلامات والحركات التي تؤدي واجبا لغويا، تؤدي مهمة ثقافية وتوصيلية؛ فضلا عن الجانب الجمالي/ الزخرفي، فقد تمثل الخط العربي منذ نشأته الاولى وبصورة داخلية الكثير من القيم الجمالية التي تخص شخصية عبر التاريخ ولم يقتصر في طبيعة الانسيابية التعبير عن المحور الزماني – المكاني، فتجاوزه الى طبيعة تكرارية التعبير عن المحور المكاني – الزماني وكل التجليات الشكلية الاخرى التي تنف لحساب كل هاتين الطبيعتين.(9) ومن هذا المنطلق يمكن رصد الخط من عدة جوانب: (10)
1- الشكل الظاهري للخط العربي، كوسيلة اتصال لغوي وجمالي.
2- الجوانب الداخلية – الجمالية للشكل الظاهري، لا كمجرد حروف واشكال تدوينية ورموز لغوية.
3- الرؤية الجمالية للأساليب الكتابية والخط و بوصفها حصيلة ثقافية ومنظور تنجر بموجبه الكتابات.
وتصبح هذه القدرة الجمالية اكثر غرابة حين تتعدد الخطوط ، وتتعدد فنون الخط ، ويتعدد الوراقون والخطاطون، ومن هنا تتطور المسالة نحو تجلياتها الفنية، و عبقريتها التراثية، اذا علمنا ان الخط الكوفي وحده كان على اثنتي عشرة قاعدة،(11)فتأمل! وتعد البرديات والكاغد والاوراق من العناصر المادية المساعدة في انتشار الخط العربي، ورقيه الجمالي والهندسي ،من حيث سهولة الانتشار، وبساطة الاستخدام ، وخفة الحمل ، ويسر التداول، والاستجابة الفعلية والعميقة للتداول؛ مما ساهم في انتشار المخطوطات، وتداولها في العالم من الاندلس الى المغرب فالمشرق.. وهكذا في العكس. لقد تنبه حبيب الزيات الى القيمة الجمالية التي يمنحها المخطوط العربي، فقد كان يعمل بتجارة الفواكه المجففة وتصديرها الى جميع انحاء العالم ولكنه كان ينتهر كل دقيقة من اوقات فراغه ليبحث في المخطوطات .وقد كان عالما دقيقا ذواقا ومحبا للمخطوطات، وبكل هذه الموهبة اوتيها كان يختلس من المخطوطات القديمة صورا منسية من الحياة تتصل بالثقافة العربية ثم يعمل على احياء هذه الصور في مقالاته المتعددة التي طبعت فيما بعد (12) وبهذا اصبح لصورة المخطوط قيمة جمالية، وبعد تراثي ، ونزعة تأصيلية، تعبر عن افق ثقافي له ابعاده، جعلت من الزيات شخصية لها اهميتها التاريخية.
وتضفي البرديات المصرية على جمالية الخط خصيصة مهمة ، هي قوة التأثير المعنوي والنفسي ،لان البردي مادة متفردة للكتابة ، وخصة عند كتابة موضوعات ذات قيمة او رسائل مهمة من قبل ذوي الامر كالخلفاء والولاة والسلاطين وكبار رجال الدولة، حتى انها اصبحت في الوقت الحاضر دلالة على تكريم الشخصية ، من اجل كتابة شهادة تقدير ، وربما لإضفاء الجانب الجمالي والصبغة التاريخية.(13)
ويعمد الخطاطون الى كتابة القرآن الكريم وسائر الكتابات التذكارية بخط يتميز باستقامة خطوطه لما فيه من طابع هندسي، اما اعمال التدوين الاخرى فقد استعملت فيها الخطوط اللينة ، او المدورة. (14)ويعتقد انه وصل الى مدى من التقدم والرقي في العصر الاموي، من حيث مراعاة المسافات بين الكلمات وبين الاسطر و والمسافات بين الحروف ، مع الاهتمام بالطول والقصر والدقة والغلظ حتى اصبحت سطوره منتظمة متوازية وعلى مسافات متساوية.15 مما منحه لمسة جمالية، ورؤية تشكيلية ، بعد ان برزت بعض المدات التي اضافت الى الكتابة حسنا وتفخيما ،وبوادر زخرفية جديدة لم تكن مستعملة ؛ فضلا عن عناصر اخرى كالمثلثات الصغيرة في هامات بعض الحروف، والتي تمثلت في حرفي الام والهاء من كلمة الله. (15) هذا مع بعض الفروق التي تجلت في وجود النقط والشكل ،واستخدام بعض الالوان في نقط المصاحف.(16)
ويشير كراتشكوفسكي الى اهمية الخط الكوفي ، فيقول: يمثل القران الكوفي من القرنين الهجريين الاول والثاني، شيئا نادرا جدا في مجموعات المخطوطات ، وتعتبر النسخ الكاملة منه احادية في كل العالم. وكان زينة مكتبتنا العامة مدة طويلة والقران الذي يعرف بالعثماني او السمرقندي وقد حُمِل الى مدينتنا بأمر الجنرال فون كاوفمان كغنيمة حربية عند غزو آسيا الوسطى. (17) كما اشار الى وجود نسخة من كتاب اسامة ابن منقذ المنازل والديار بخط شخصي له، ولكنه في نهاية القرن السادس عشرالميلادي تشير الى ان آخر اوراقه قد فقدت. وفي القرن الثامن عشر الميلادي وقع هذا المخطوط في مركز الادب العربي في ذلك الوقت واعني به حلب، وهو ما تشير اليه حاشية اخرى، كتبها عام 1810م مالك جديد للمخطوط هو شاعر حلبي وشخصية اجتماعية . وكان صديقا لروسو الفرنسي المعروف لنا، وربما كان هذا الشاعر قد اهدى المخطوط نفسه الى روسو.(18)
عنوان مخطوط كتاب المنازل والديار
وكان كراتشكوفسكي معجبا بخط ابن البواب، حين راح يقرا به بإحدى المخطوطات التي تحتوي على اشعار للشاعر الجاهلي سلامة بن جندل موجودة في مكتبة الاسكندرية، والذي كان انموذجا خطيا رائعا يرجع تاريخه الى القرن السادس الهجري وهو يحتوي على كل الاثار الفنية لمدرسة ابن البواب في فن الخط، وصفحاته صغيرة وتحتوي كل على ثلاثة او اربعة ابيات من الشعر منسوجة بطريقة فنية جميلة وبحروف ضخمة مضبوطة الشكل وبكل الحركات وعلامات القراءة. وبتلك الطريقة الفنية الخاصة بمدرسة ابن البواب.(19 ) كتب كل بيت من الشعر ،لكن الصفحة كانت لا تتسع لكل البيت وعندئذ كان بمال بالسطر الى اعلى ليكتب باقي البيت بحروف صغيرة. ومع ان هذه الطريقة غير متناسبة فنيا الا انها تعطي حياة لكل الفني. وقد اللون الاساسي لهذه الاشكال الفنية هو اللون الاخضر الذي انطفأ بمرور الزمن ، والعين ترتاح لرؤيته. ولا شك في ان هذا المخطوط انما هو لأستاذ كبير في فنه وقد بكل تفصيلات الدقة بل وبحرية كاملة لفنان حقيقي.(20)
مخطوطة سلامة بن جندل
صفحة من مخطوطة كتاب توالي المنح
اللون والتصوير:
وجمعه الوان وهو لغة : ما فصل بينه وبين غيره. (21) وارتبطت دلالته في ذهن العربي بالجانب الصوري ،تشير الى تغير الانسان من حال الى حال. (22) ودخلت اولا في رسم الحركات ،ثم استخدم الرسامون العرب اللون الاسود ؛ فضلا من الوان اخرى في التصور والخط وكتابة العنوانات الداخلية، فبرز استخدم الالوان الاحمر والازرق ،مع الصور التي كانت لها اهمية خاصة في خدمة النص والموضوع. (23) هذا فضلا عن الزخارف التي هي نتيجة طبيعة لفن الترقيش العربيالارابسك.(24)
لقد حفلت المخطوطات العربية بالاهتمام بالألوان ، في تدوين العنوانات الرئيسية والفرعية، وفي احداث بعض التصويبات، وذلك باستخدام اللون الاحمر الى جانب اللون الاسود او الازرق. وقد لاحظت ان مخطوطة نخبة بهجة الزمان قد كتبت بعض عنواناتها بالحبر الاحمر، لغرض التمييز بين العنوان والنص المخطوط؛ فقد بدأ الخطاطون والنساخ يميزون عنوانات الفصول والعنوانات الفرعية بتفخيم الخط اولا ومغايرته لخط النص، ثم بعد ذلك استخدموا لونا مختلفا من الحبر لتمييز هذه العنوانات ،ولعل السبب في ذلك هو الرغبة في استغلال كل المساحة وعدم التبديد فيها نظرا لارتفاع ثمن الورق والبردي ثم الورق بالتبعية وحمكم العادة.(25 ) وفي فهرسة مخطوطة كشف العين عن انطاق المنطقتين في الفلك لعبد العزيز الرحبي ت1234هـ اسم ناسخها عبد الرزاق فليح البغدادي الذي كتبها بالمداد الاحمر والاسود سنة 1361هـ/1818م.(26)
وانبرى الباحثون المختصون بالمخطوطات يتدارسون ما عليها من تزاويق وتصاوير ومنمنمات. فالتصاوير المنمنمة في المخطوطات العربية تنقسم الى نوعين اساسيين:
النوع الاول: التصاوير التي تزوّق الكتب الادبية ،كما حصل في كتاب كليلة ودمنة،وكتاب المقامات للحريري ،وكتبالحيوان للجاحظ، وكتاب دعوة الاطباء لابن بطلان ،وكتاب الاغاني لابي الفرج الاصفهاني. وتدخل اغلب تصاوير هذه كتب في اطر ما عرف باسم مدرسة بغداد في التصوير الاسلامي، ثم المدرسة المملوكية.
النوع الثاني: يشمل التصاوير التي توضِّح نصوص الكتب العلمية والجغرافية وكتب الفنون الحربية.(27)
وقد وفرت المنمنمات الاسلامية قيمة توثيقية كبرى ،فقد كانت شاهدا على نبض حياة الشعب في اطاريها الزماني والمكاني، فقدمت صورة مثلى عبر الصور والانبياء وطقوس الاحتفالات، واشكال القصور ومخططات المدن ، وشكل العمارة والاسواق، كما عبرت عن دقة الرسم والتلوين ، وحققت المنمنمات المرتبطة بالمخطوطات كمالا رفيعا خلال القرون الوسطى.28 وقد قرن الخطاط العربي يحيى بن محمود بن يحيى الواسطي من واسط تخطيطاته بكتابة مقامات الحريري، والتي تمثل استقبالا احتفاليا في بلاد الخليفة ،في طموح واضح لإظهار الواقعية اثناء تصويره، مستخدما وبأستاذية كبيرة موادا فنية وحلولا تصويرية خاصة بالمنمنمات، (29) فالتقى الخط باللون والصورة في فضاء فني واحد.
وكان الواسطي قد ترك ارثا في فن التصوير بريشته على مقامات الحريري، في مخطوط محفوظ بالمكتبة الوطنية بباريس تحت رقم5847 عربي يضم مجموعة من 94 صورة في 99 صفحة بقياس 107 سم x28سم .فقدمها بأسلوب رشيق بسيط، اصبحت مصدرا مهما في دراسة اصول فن التصوير البغدادي.
ثم عثر على مخطوطة لحكاياتكليلة ودمنة في المكتبة الوطنية بباريس يرجع الى عام 1230م، يشتمل على98 صورة ،ثم مخطوط كتابالاغاني و كتاب الترياق ..وغيرها. ولكن صور الواسطي تبقى من اهم هذه المخطوطات، لما فيها من صور بديعة جمعت خصائص فن التصوير البغدادي على اكمل وجه.(30)
لقد كانت رسومات الواسطي تمثل تطورا نوعيا في رقي التصوير الاسلامي، وعلاقته بالمخطوط العربي، اذ حرص الفنان العربي على ربط مضمون المخطوط بالصور والتخطيطات، فبرهن على رغبته في التخطيط والتذهيب وترتيب الصفحات وتنسيق الهوامش وتزيين العنوانات وكما نحج في اختيار المواضيع الاكثر اهمية لرسومه، في تكوين الموضوع ضمن حدود المكان المخصص وضمن حدود التمثيل الضروري للنص، حتى باتت الصور او المنمنمات التي رسمها اكثر بلاغة وايضاحا من النص نفسه.(31)
وفي مخطوطة كليلة ودمنة التي صورت في سورية عام 1354مو جرى تصوير النباتات التي تتجه نحو الرقش بوضوح و وكذلك الحيوانات ، وتأخذ الخطوط الرقشية محلها تفاصيل اجسامها وهيكلها، وكذلك كان الحال في مخطوط كتاب الحيوان للجاحظ الذي صور في سورة سنة1335م، ولكن بعض الموضوعات تصبح اقرب للتجريد وللرقش في بعض صور خطوط كتاب كشف الاسرار لابن غانم المقدسي الذي كتب وصور نحو الرقش بوضوح مكا في مخطوطة كتاب منافع الحيوان،ومخطوطة عجائب المخلوقات القزويني ، وكتابقانون الدنيا وعجائبها9 للشيخ احمد المصري التي رسمها في سورية او في مصر سنة 1563م.(32)
ويعتقد ديفيد تالبوت رايس بان منمنمات كتابكليلة ودمنة وكتاب المقامات للحريري ، بان الرسام قد تسلل في الاولى الى اعماق الحيوانات التي عالجها، في حين ان الصخور والاشجار والزينات الاخرى متضمنة بفتنة وبهجة غريبين.(33)
اما الثانية فيعتقد بان منمنماتها منفذة بأيدي ثلاثة اشخاص يمكن تمييزهم لكن عملهم كان متماثلا الى حد بعيد ، وهناك عناية فائقة مكرسة للنسق في جميعها . ومن المحتمل انها رسمت في منطقة الموصل، ولا ريب في انها تدين بفضل كبير للرسامين المسيحيين في المنطقة الذين كانوا يتولون تنفيذ رسوم كتب الانجيل بالسريانية، هذا ما يخص النسخة الاقدم ، اما النسخة المحفوظة بباريس ، والتي يعود تاريخها الى عامي 1222-1223م ،فإنها تبدو اكثر صقلا من سابقتها، وقد ابتعدت عن الانساق المسيحية الاولية في ان الشخصيات كلها لا هالات لها . وان الوجوه اكثر فارسية، وان عناية اكبر تكرست للفصيل ، وان منفذها اكثر اهتماما بإبراز الشخوص بخلفيات ذات ابعاد ثلاثة ؛ مما يشير الى ان احتمال رسمها في جنوبي بلاد الرافدين ، اوفي بغداد ،وان العمل يتميز بنوعية فاخرة جدا و والاشخاص معبرين للغاية ،فمعظم التكوينات جميلة بحد ذاتها، والالوان مفرحة ومشرقة ومؤثرة بدرجة ملحوظة.(34)
ولعل الواسطي قد تأثر بشكل واضح وقوي بفنون بلاد الرافدين القديمة، وحاول الافادة منها، في محاولة لدمج الخط بفن التصوير، والافادة من الافكار التي تعبر عنها الاعمال الادبية في التعبير عن طبيعة الحياة ،وعن مكونات الطبيعة في انسان وحيوان ونبات وجماد.. بحيث تعكس الصورة قوة تأثير الرسام بما حوله ،ولعله اطلع على الفن الفارسي الذي انتعش في هذه المرحلة، واخذت النزعة القومية تنمو وتخرج بملامح اسلامية، مستفيدة من الحروف والثقافية العربية والاسلامية، وخصوصا وان الثقافة الاسلامية لا تشجع على الاهتمام بالتصوير، لذا برزت مؤثرات الفنون المسيحية والفارسية والعراقية القديمة على التصوير العربي خلال هذه المرحلة فكانت تزيينات المخطوط تؤلف اكثر النتاجات متعة واصالة لهذا العصر في بلاد الرافدين.35
وهكذا ارتبطت المخطوطات بفن الرسم والتزيين وبجماليات التصوير، فكانت تعبر حضور متميز في التعبير عن اهمية المخطوط العربي ، وجمالياته المتطورة.
عن كتاب جماليات الفن العربي
التذهيب والتزويق
اختصت هذه الاعمال بشكل خاص بالأغلفة الخاصة بالمخطوطات و وكذلك تذهيب صفحات المخطوطات ، وتعدى الى تذهيب الجلود و وارتبط هذا الفن بالتجليد ، اذ ذكر ابن النديم الوراق اسماء سبعة من المجلدين و ويقال ان العرب اخذوه من اقباط مصر، ثم تطور فاصبح على درجة عالية من الاتقان والرقي عند مقتربات القرن الرابع الهجري (36) وعموما فان التذهيب يرتبط باستخدام الذهب، وقد استخدمت الفضة في هذا الجانب مع استخدام التزويق والتلوين والزخرفة بوصفها عناصر جمالية لها صلة بنسخ وكتابة ،وتنظيم الجانب الجمالي الخاص بالمخطوط العربي، ثم تنامى هذا الاستخدام الى استخدام الانسجة والاقمشة في تجليد وحفظ الورق ،وكتابة الادعية والآيات والاشعار ،واسماء المشهورين والمهمين، فثمة منسوجة تحمل اسم الخليفة العباسي المقتدر بالله تزدان بزخرفة قوامها سطر من الكتابة الكوفية بغرزة السلسلة.(37)
وقد قام الخط العربي بدور كبير بالنسبة للفن الاسلامي، وذلك في كتابة وتزيين العمائر والتحف الاسلامية المختلفة ،من خزف واخشاب ومخطوطات ومنسوبات ومعادن ..وغيرها من منتوجات الفن الاسلامي.(38) اذ ادت الانسجة دور الورق ،فكتبت الابيات الشعرية، واسماء الخلفاء والوزراء وكبار الشخصيات اسماءها على الانسجة ،حيث يلتقي المنسوج مع الورق ،ليحفظ لنا طبيعة التطور في الخط والريازة والزخارف، والتزيينات التي ستلتقي فيما بعد مع اساليب التذهيب والتزويق والتفنن في الحياكة المقرونة بالخياطة والتطريز؛ وعرفت الظريفات والجواري في العصر العباسي اتخاذ ابيات من الشعر جعلت مطرزة حتى زنانيرهن وتككهن اضافة الى المناطق الاخرى، ولهن عبارات بديعة شيقة الذكر وخاصة في مجلات وحقول العبث والمجون.(39)
وقد اهتم الوشاء بذكر ما يكتب على المستلزمات التي كانت شائعة في العصر العباسي، وخصوصا ما كتب من شعر ، فافرد لكل نمط بابا خاصا به، كما في باب ما كتب على الفصوص ، والخواتيم، وذيول الأقمشة والاعلام ،وطرز الاردية والاكمام، والكرزان والعصائب ،ومشاد الكرز والذوائب. وما وجد على الزنانير والتكك والمناديل ،وما وجد على الستور والوسائد ، والبُسط والمرافق والمقاعد ،وما وجد على المناص والحجل ،والاسِرة والكلل، وما كتب على المجالس والابواب ،ووجوه المستنظرات وصدور القباب، وما وجد للمتظرفات والظراف مكتوبا على النعال والخفاف ،وما كتب بالحناء في الوطأة والوشاح، وعلى الاقسام والراح ، وما كتب على الجبين والجلد، ويطرف به ذوو الصبابة والوجد، و ما يكتب على القناني والكاسات ،والاقداح والارطال والجامات، وما كتب على اواني الفضة والذهب، ومدهون الصيني والذهب، وما يكتب على العيدان والمضارب والسرنايات، والطبول والمعازف والدفوف والنايات، وما كتب على الاقلام، وما يكتب على الدراهم والدنانير التي ضربت للملوك في المقاصير. وتعد النقود من الوثائق المهمة التي ترتبط بالمخطوطات، وهي من المواد المساعدة في تحقيق المخطوطات ؛اذ روى الوشاء ما رواه له علي بن الجهم مما قراه على دينار في خلافة المتوكل من ضرب الدار:
واصفر صاغته الملوك تطرُّبا بأسمائها فيه المروَّةُ والفخرُ
باسم امين الله زينت سُطورهُ كما زين بالتفصيل في نظمه الدُّرُ
هو الملك المأمون من آل هاشم بهم إن أغب القطرُ يستنزلُ القطرُ
له غُرة قينانةٌ جعفريةٌ بها تضحك الشمس المضيئة والبدر(40)
وكتبت جارية نصرانية ببغداد على زنارها بيتين ،هما:
زُنارها في خصرها يطربُ وريحها من طيبها اطيبُ
ووجهها احسن من حَلْيها ونونها من لونها اعجب((41
وهكذا اصبحت الكتابة وثيقة تاريخية مهمة تعد من نوادر العصور ونكتها.
ترميم المخطوطات والوثائق
ترميم او صيانة/ اصلاح المخطوطات ،عملية ترتبط بالمخطوطات ، وهي محاولة لإعطاء المخطوط عُمرا اطول، فاذا كانت المخطوطة قد نالها قبل الاستحواذ عليها من مراكز الحفظ؛ فاذا من واجب المركز ترميمها واصلاح ما تلف منها ، اما اجراءات المحافظة عليها فكثيرة ومهمة يقوم بها متخصصون ، ويعد الترميم تخصصا جديدا نسبيا، حتى ان بعض الدول ذات الارث الثقافي والحضاري العريق كإيطاليا شرَّعت القوانين الخاصة في المحافظة على تراثها وصيانته ،من اجل حمايته من التلف ،واعادة تأهيله بسبب ظروف الاستخدام والحفظ السيئ، او لأسباب اخرى؛ لذا لابد ان يكون التدخل ضمن معايير دقيقة وحذرة وفيها احترام للمَعْلم، وضمن تقنيات بمقياس حاجة المعلم القديم ومواده ، لضمان استمراره عبر الدراسة والتحليل والرفع الهندسي ،والاشراف على التنفيذ ،مع استخدام التقنيات الحديثة لنتمكن من اطالة المشروع الثقافي نفسه ،ويتركز جهد الترميم على الاصل ،وضمن احتياطات تامة.(42)
وفي مركز حفظ المخطوطات تتخذ مجموعة اجراءات ضرورية للحفاظ على المخطوط وادامة حياته، حياته هي جزء من مشاريع صيانة المخطوطات وترميمها ،كالتحكم بنوع الضوء ودرجات الحرارة والرطوبة والهواء ،والوقاية من الاتربة والحشرات ،وهي عوامل طبيعية ، اما من العوامل غير الطبيعية كالحريق ، وسرعة اجراء الترميم عند اصابة المخطوط ،عبر الفرز الدوري للمجموعات، والاستخدام السليم من القراء ،وعدم الكتابة المضرة عليها، او تقليب الصفحات، وطريقة حفظها على رفوف خاصة وذات تنظيم خاص ،وتجنب استخدام الخشب او ماله علاقة بتكاثر الحشرات ؛ مع القيام بإصلاح التالف منها بآلية منظمة وسريعة ، وان يتولى ذلك قسم خاص مدرب وحريص ،وعدم السماح بترميمها خارج المكتبة ،مع استخدام الآلات والمواد اللاصقة والسوائل اللازمة لتنظيف الاوراق والجلود.(43)
ان نوع المواد وكيفية استخدامه هي مسالة متعلقة بالاختصاصيين، اما الباحث في شئون المخطوطات ،فانه معني اساسا بالحفاظ على المخطوط. اما طبيعة المواد فهي تتغير من عصر الى عصر الى اخر بسبب تطور التقنيات، كالسموم والمواد الكيمياوية الطاردة للحشرات، قليلة الضرر على الانسان ومستخدمي المخطوط، ولكن التطور المطلوب في الوطن العربي للحفاظ على المخطوطات مازال متدنيا بالمقارنة مع البلدان الاوربية ،وخصوصا بعد انشاء معهد امراض الكتاب في روما بإيطاليا.(44)
ووفقا لذلك فان الترميم تشخيص وعلاج ،وهو يشمل المخطوطات والوثائق والرسائل ذات الاهمية التاريخية ،مثل وضع الاوراق المهمة بين لوحين من الزجاج المعقم، لان الزجاج يعمل على حفظها من اللمس، وحمايتها من الضوء ،لان الزجاج يمتص الموجات الضوئية بقوة400 ملليميكرون فاقل.(45) وفي مصر ثمة دعوة لعلاج وصيانة لفائف البردي باستخدام اساليب وتقنيات حديثة ومباشرة، مثل استخدام مجفف زجاجي ذي غرفتين ،من اجل نفد الماء لترطيب البرديات .وطريقة غير مباشرة تتلخص بوضع البردي الجافي بين ورق نشاف خلي من الحموضة ومندَّى برذاذ الماء والكحول مع مواد اخرى لغرض صيانته واطالة سنوات عمره .هذا فضلا عن الافراد والتقوية وطرق الحفظ والعلاج كالتعقيم ،وعلاج الحموضة ،واستخدام طرق حفظ وعرض خاصة في العرض ودور الكتب الخاصة بالمخطوطات.(46)
اما ترميم البرديات فيتم باستخدام اللواصق الطبيعية والصناعية ،والمواد الكيماوية ، والغسل بالماء الجاري ،ثم الماء المقطر، ومعالجة الشرائط بمحلول خاص.(47) ومن هذا المنطلق لابد ان تعرف بان المخطوطات والوثائق ثروة ثقافية مهمة ولابد من رعايتها ونحها اهمية خاصة؛ لأنها تعبير عن الهوية الفكرية لأي بلد ولأي امة، وبالتالي فإنها جزء من التراث القومي والانساني، ولا يمكن فصل الواحد منهما عن الاخر، وان المهمة التي من الواجب القيام بها هي ليست مهمة ثقافية او دينية او وطنية ،وانما هي ايضا عالمية ، مثلما هي تعبير عن خصوصية محلية عميقة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- الشفاهية والكتابية، أونج، ترجمة حسن البنا عزالدين، مراجعة محمد عصفور ،عالم المعرفة الكويت،1994م،ص55- 179.
2- شرح المعلقات السبع الطوال، ابو بكر الانباري، تح عبد السلام هارون، دار المعارف بمصر القاهرة،1400هـ/1980م،ص528.
3- الشعر والشعراء، ابن قتيبة، تح محمد يوسف نجم، دار الثقافة،ط4 بيروت، 1400هـ/1980م،1/138.
4- الشفاهية والكتابية،ص220.
5- جماليات الفن العربي ،د.عفيف بهنسي، عالم المعرفة الكويت،1979م:ص 92-93.
6- جماليات الفن العربي،ص49- 95 الفن الاسلامي ،د.ت رايس، ترجمة فخري خليل، مراجعة سلمان الواسطي، دار الشؤون الثقافية العامة بغداد،2008م،ص123.
7- الربط والتكايا البغدادية في العصر العثماني ،د. حميد محمد حسن الدراجي، دار الشؤون الثقــــــــافية العامة بغداد،2001م،ص71.
8- مسائل في الفن التشكيلي، د. محمد محيي الدين حسين، اتحاد الكتاب العرب دمشق،1997م،ص 106.
9- الاصول الحضارية والجمالية للخط العربي ،شاكر حسن آل سعيد، دار الشؤون الثقافية العامة بغداد،1988م،ص 82.
10- نفسه،ص83.
11- جماليات الفن العربي، ص121.
12- مع المخطوطات العربية، كراتشكوفسكي، دار التقدم موسكو، 1963من ص68.
13- البرديات العربية في مصر الاسلامية : سعيد مغاوري محمد، الهيأة العامة لقصور الثقافة القاهرة،1996م، ص154.
14- فهرسة المخطوط العربي: ميري عبود فتوحي، وزارة الاعلامبغداد،1980م، ص31.
15-
16- نفسه، ص 32.
17- نفسه، ص33.
18- مع المخطوطات العربية، ص291.
19- نفسه، ص 171.
20- هو: علي بن هلال ت نحو 413هـ/ 1022م خطاط وشاعر ، كتب 64 مصحفا.
21- مع المخطوطات العربية، ص 71- 72.
22- لسان العرب: ابن منظور، دار لسان العرببيروت ،د.ت، مادةلون.
23- دلالة اللون في الفن العربي الاسلامي، عياض الدوري، دار الشؤون الثقافية العامة بغداد، 2002م،ص 36 -37.
24- فهرست المخطوط العربي، ص 43.
25- نفسه،ص44.
26- نفسه، ص 35-36.
27- ينظر: مخطوطات علم الفلك والتنجيم في مكتبة المتحف العراقي، اسامة ناصر النقشبندي وظمياء محمد عباس، وزارة الثقافة والاعلام بغداد، 1982م، 192.
28- الوصف المادي للمخطوطات، أيمن سيد، ظ: كتاب فن فهرست المخطوطات، ص 62.
29- مسائل الفن التشكيلي، ص 103- 106.
30- نفسه، ص 128-129.
31- جماليات الفن العربي،ص58-59.
32- نفسه، ص 60.
33- نفسه، ص 94- 59.
34- الفن الاسلامي ،ص 123 – 124.
35- نفسه،ص 124-125.
36- نفسه،ص 125.
37- فهرسة المخوط العربي، ص 44- 47.
38- المنسوجات العراقية الاسلامية ،فريال داود المختار، وزارة الاعلام- دار الحرية للطباعةبغداد، 1369هـ/ 1976م،ص 137.
39- الملابس العربية الاسلامية في العصر العباسي، صلاح حسن العبيدي، وزارة الثقافة والاعلام- دار الرشيد للنشر بغداد، 1980م،ص360.
40- الازياء الشعبية ،وليد الجادر، دار الشؤون الثقافية العامة بغداد، 1989م، ص 54.
41- الموشى للوشاء، تح رُدُلف ابرُونوُ، دار صادر بيروت، د.ت، ص293.
42- نفسه،ص 261.
43- الحفاظ على التراث الثقافي ،د. جمال عليان، عالم المعرفة الكويت،2005م،ص 13- 14.
44- فهرسة المخطوط العربي، ص49- 52.
45- ترميم المخطوطات والاوراق، صبيح الحافظ، جريدة المدى،ع 2145 بغداد، 30/ ايار/ 2011م، ص8.
46- البرديات العربية في مصر الاسلامية، 252- 260.
47- نفسه، ص 258- 259.
























