اللعب على المكشوف – د. منتصر الغضنفري

زمان جديد

لعل‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬اللعبة‭ ‬السياسية،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬السياسة‭ ‬ليس‭ ‬فيها‭ ‬ولو‭ ‬مسحة‭ ‬من‭ ‬جمال‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬التزيين‭/‬التزييف،‭ ‬في‭ ‬منطقتنا‭ ‬الشرق‭ ‬أوسطية‭ ‬اليوم،‭ ‬أنها‭ ‬باتت‭ ‬تُؤدّى‭ (‬على‭ ‬المكشوف‭)‬؛‭ ‬فالخطوط‭ ‬العريضة‭ ‬لها‭ ‬بدأت‭ ‬تتضح،‭ ‬وخيوطُها‭ ‬من‭ ‬جديدةٍ‭ ‬متينةٍ‭ ‬أو‭ ‬باليةٍ‭ ‬متهرئةٍ‭ ‬أخذت‭ ‬تنكشف،‭ ‬واللاعبون‭ ‬القدامى‭ ‬والجدد،‭ ‬شرعوا‭ ‬بالظهور‭ ‬للعيان،‭ ‬بإرادة‭ ‬منهم‭ ‬أو‭ ‬بالضغط‭ ‬عليهم‭: ‬مَن‭ ‬كان‭ ‬منهم‭ ‬يخطِّط‭ ‬وراء‭ ‬الكواليس‭ ‬ومَن‭ ‬كان‭ ‬ينِّفذ‭ ‬ما‭ ‬يُراد‭ ‬منه‭ ‬أو‭ ‬يُفرَض‭ ‬عليه‭ ‬علنا‭. ‬ومن‭ ‬ثمة‭ ‬فإن‭ ‬الفوز‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬سيغدو‭ ‬من‭ ‬نصيب‭ ‬الأذكى‭ ‬أولا،‭ ‬والأقوى‭ ‬ثانيا،‭ ‬والمُداهِن‭ ‬ثالثا‭. ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬ساسَتنا‭ ‬وأولي‭ ‬الأمر‭ ‬منّا‭ – ‬أو‭ ‬قل‭ ‬مَن‭ ‬فَرَضوا‭ ‬أنفسَهم‭ ‬ساسةً‭ ‬علينا‭ ‬أو‭ ‬فُرِضوا،‭ ‬بأية‭ ‬وسيلة‭ ‬أو‭ ‬حجة‭ ‬أو‭ ‬خدعة‭ ‬كانت‭ – ‬ليسوا‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬أولاء‭ ‬و‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬أولئك،‭ ‬فإن‭ ‬مصيرنا‭ ‬‭ ‬شعوبا‭ ‬و‭ ‬دولا‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ …. ‬أفرادا‭-  ‬قد‭ ‬غدا‭ ‬في‭ ‬خطر‭ ‬وأي‭ ‬خطر‭ ‬والعياذ‭ ‬بالله،‭ ‬ولم‭ ‬يتبقَّ‭ ‬لنا‭ ‬والحالُ‭ ‬هذه‭ ‬إلا‭ ‬أحدُ‭ ‬أمرين‭: ‬إما‭ ‬أن‭ ‬تشملَنا‭ ‬رحمة‭ ‬الله‭ ‬‭ ‬سبحانه‭ ‬‭ ‬فييسرَ‭ ‬لنا‭ ‬سبل‭ ‬النجاة‭ ‬و‭ ‬الخلاص‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬أو‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ ‬أدرى‭ ‬به،‭ ‬وإما‭ ‬أن‭ ‬ننتفضَ‭ ‬فنغيّرَ‭ ‬من‭ ‬حال‭ ‬أنفسنا‭ ‬و‭ ‬طبيعة‭ ‬واقعنا‭. ‬وبما‭ ‬أننا‭ ‬الآن‭ ‬أضعف‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ننتفضَ‭ ‬و‭ ‬أوهى‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬نغيِّر،‭ ‬ولعدة‭ ‬أسباب‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أهمها‭ ‬أن‭ ‬إرادة‭ ‬التغيير‭ ‬فينا‭ ‬قد‭ ‬اغتيلت‭ ‬أو‭ ‬كادت‭ ‬‭ ‬برضانا،‭ ‬أو‭ ‬غصبا‭ ‬عنّا،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬علمنا‭ ‬في‭ ‬بعضٍ‭ ‬من‭ ‬ساعات‭ ‬غفلتنا‭ ‬أو‭ ‬تيهنا،‭ ‬وما‭ ‬أكثرها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الزمن‭ – ‬ولهذه‭ ‬كتلك‭ ‬أسبابها،‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يطول‭ ‬الحديث‭ ‬عنها‭ ‬لتعددها‭ ‬وتشعّبها‭ ‬وتداخلها‭ ‬وتراكبها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬عينه،‭ ‬فلا‭ ‬أملَ‭ ‬لنا‭ ‬الآن‭ ‬إلا‭ ‬بالإلحاح‭ ‬بالدعاء‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬العظيم‭ ‬الكريم‭ ‬الرحيم‭ ‬أن‭ ‬يلطفَ‭ ‬بنا‭ ‬و‭ ‬ينجّيَنا‭ ‬مما‭ ‬قد‭ ‬يقع‭ ‬علينا‭ ‬أو‭ ‬يحل‭ ‬بنا‭. ‬وإن‭ ‬كنتُ‭ ‬لستُ‭ ‬متأكدا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬رب‭ ‬العالمين‭ ‬‭ ‬جلّ‭ ‬وعلا‭ – ‬يستجيب‭ ‬دعاء‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يلتمسون،‭ ‬لما‭ ‬يريدون،‭ ‬الأسباب،‭ ‬ويصدقون‭ ‬معه‭ ‬ومع‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬السعي‭ ‬إليها‭. ‬فهل‭ ‬من‭ ‬مُدّكِر؟

وحتى‭ ‬لا‭ ‬أبعد‭ ‬في‭ ‬التنظير‭ ‬وعموم‭ ‬الكلام‭ ‬دعوني‭ ‬أضرب‭ ‬لما‭ ‬أقول‭ ‬مثلا‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬الموصل،‭ ‬بل‭ ‬لعلي‭ ‬لا‭ ‬أغالي‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬قلت‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬وعلى‭ ‬الموصل‭ ‬في‭ ‬ثلاث‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرات‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬تنفيذ‭ ‬عملي‭ ‬لما‭ ‬قدّمنا‭ ‬ذكره؛‭ ‬فما‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬يُعبَثّ‭ ‬بشواخصها‭ ‬الآثارية‭ ‬مثل‭ ‬الثور‭ ‬المجنح‭ ‬ومدينة‭ ‬النمرود؟‭ ‬وما‭ ‬القصد‭ ‬من‭ ‬محو‭ ‬جامع‭ ‬ومرقد‭ ‬النبي‭ ‬يونس‭ ‬‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ -‬؟‭ ‬وما‭ ‬دلالة‭ ‬تفجير‭ ‬الجامع‭ ‬النوري‭ ‬الكبير‭ ‬ومئذنته‭ ‬الحدباء؟‭ ‬وما‭ ‬المراد‭ ‬من‭ ‬تحويل‭ ‬جامعة‭ ‬الموصل‭ ‬إلى‭ ‬شبه‭ ‬ركام؟‭ ‬وهي‭ ‬جميعا‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬إيقونات‭ ‬الموصل‭ ‬وأهمها،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬عما‭ ‬حلّ‭ ‬بعشرات‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬العبادة‭ ‬الإسلامية‭ ‬والمسيحية‭ ‬والإيزيدية،‭ ‬التي‭ ‬تترجم‭ ‬حقيقة‭ ‬التسامح‭ ‬الديني‭ ‬والتعايش‭ ‬المجتمعي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬الأصيلة،‭ ‬والشواخص‭ ‬العلمية‭ ‬والثقافية‭ ‬التي‭ ‬تحكي‭ ‬عمق‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬الحضاري‭ ‬وتفوقها‭ ‬العلمي‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬العصور‭. ‬ليأتي‭ ‬تدمير‭ ‬البنى‭ ‬التحتية‭ ‬وتحطيم‭ ‬أبرز‭ ‬متطلبات‭ ‬العيش‭ ‬الإنساني‭ ‬فيضفي‭ ‬بعدا‭ ‬آخر،‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬ذكرناه،‭ ‬يؤكد‭ ‬صدق‭ ‬ما‭ ‬سمعناه‭ ‬عما‭ ‬يُدبَّر‭ ‬لأبناء‭ ‬الموصل‭ ‬حصرا‭: ‬الموت‭ ‬أو‭ ‬التهجير‭ ‬أو‭ ‬العيش‭ ‬الذليل‭ ‬المستكين‭. ‬إن‭ ‬الموصل‭ ‬فيما‭ ‬تعيشه‭ ‬اليوم‭ ‬أنموذج‭ ‬لما‭ ‬يُرسَم‭ ‬لمدننا‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬ذوات‭ ‬العمق‭ ‬التاريخي‭ ‬والبعد‭ ‬الحضاري‭ ‬منها،‭ ‬ويتمثل‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬جرها‭ ‬إلى‭ ‬عصور‭ ‬الانحطاط‭ ‬والتردي‭ ‬لتصير‭ ‬ضعيفة‭ ‬منهكة‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الآخر‭/‬العدو‭/ ‬المخطِّط‭. ‬فهل‭ ‬من‭ ‬معتبِر‭ ‬يأخذ‭ ‬على‭ ‬عاتقه‭ ‬مهمة‭ ‬جمع‭ ‬الشمل‭ ‬ولم‭ ‬الشتات،‭ ‬مستلهِما‭ ‬الماضي‭ ‬و‭ ‬مستشرِفا‭ ‬المستقبل؟‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬بعد‭ ‬استقراء‭ ‬الواقع‭ ‬بعين‭ ‬الحكمة،‭ ‬والنفاذ‭ ‬إلى‭ ‬خفاياه‭ ‬بعين‭ ‬البصيرة‭. ‬لا‭ ‬هَمَّ‭ ‬له،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬بعد،‭ ‬إلا‭ ‬مصلحة‭ ‬البلاد‭ ‬والعباد‭. ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المنتظَر‭ ‬والمرجو‭ ‬شخصا‭ ‬بعينه‭ ‬أو‭ ‬تنظيما‭ ‬أو‭ ‬مؤسسة،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬فكرة‭ ‬أو‭ ‬قيمة‭ ‬أو‭ ‬حالة‭ ‬يتفق‭ ‬عليها‭ ‬الجميع‭ – ‬إن‭ ‬لم‭ ‬نقل‭ ‬يؤمنون‭ ‬بها‭ ‬،‭ ‬ويعملون‭ ‬على‭ ‬الانقياد‭ ‬لها‭ ‬والتسليم‭ ‬بحكمها،‭ ‬بما‭ ‬يحفظ‭ ‬لهم‭ ‬وجودهم‭ ‬الآمن،‭ ‬الكريم‭ …. ‬الحقيقي‭. ‬في‭ ‬وسط‭ ‬عالمٍ‭ ‬تتقاذفه‭ ‬أمواج‭ ‬المصالح،‭ ‬وتتجاذبه‭ ‬شباك‭ ‬المؤامرت‭.‬عالمٍ‭ ‬بات‭ ‬يلعب‭ ‬على‭ ‬المكشوف‭.