
زمان جديد
لعل أجمل ما في اللعبة السياسية، مع أن السياسة ليس فيها ولو مسحة من جمال ولا حتى على سبيل التزيين/التزييف، في منطقتنا الشرق أوسطية اليوم، أنها باتت تُؤدّى (على المكشوف)؛ فالخطوط العريضة لها بدأت تتضح، وخيوطُها من جديدةٍ متينةٍ أو باليةٍ متهرئةٍ أخذت تنكشف، واللاعبون القدامى والجدد، شرعوا بالظهور للعيان، بإرادة منهم أو بالضغط عليهم: مَن كان منهم يخطِّط وراء الكواليس ومَن كان ينِّفذ ما يُراد منه أو يُفرَض عليه علنا. ومن ثمة فإن الفوز في النهاية سيغدو من نصيب الأذكى أولا، والأقوى ثانيا، والمُداهِن ثالثا. وبما أن ساسَتنا وأولي الأمر منّا – أو قل مَن فَرَضوا أنفسَهم ساسةً علينا أو فُرِضوا، بأية وسيلة أو حجة أو خدعة كانت – ليسوا من هؤلاء ولا من أولاء و لا من أولئك، فإن مصيرنا – شعوبا و دولا بل وحتى …. أفرادا- قد غدا في خطر وأي خطر والعياذ بالله، ولم يتبقَّ لنا والحالُ هذه إلا أحدُ أمرين: إما أن تشملَنا رحمة الله – سبحانه – فييسرَ لنا سبل النجاة و الخلاص على نحو أو آخر هو أدرى به، وإما أن ننتفضَ فنغيّرَ من حال أنفسنا و طبيعة واقعنا. وبما أننا الآن أضعف من أن ننتفضَ و أوهى من أن نغيِّر، ولعدة أسباب ربما كان من أهمها أن إرادة التغيير فينا قد اغتيلت أو كادت – برضانا، أو غصبا عنّا، أو من دون علمنا في بعضٍ من ساعات غفلتنا أو تيهنا، وما أكثرها في هذا الزمن – ولهذه كتلك أسبابها، التي قد يطول الحديث عنها لتعددها وتشعّبها وتداخلها وتراكبها في الوقت عينه، فلا أملَ لنا الآن إلا بالإلحاح بالدعاء إلى الله العظيم الكريم الرحيم أن يلطفَ بنا و ينجّيَنا مما قد يقع علينا أو يحل بنا. وإن كنتُ لستُ متأكدا من أن رب العالمين – جلّ وعلا – يستجيب دعاء من لا يلتمسون، لما يريدون، الأسباب، ويصدقون معه ومع أنفسهم في السعي إليها. فهل من مُدّكِر؟
وحتى لا أبعد في التنظير وعموم الكلام دعوني أضرب لما أقول مثلا ألا وهو الموصل، بل لعلي لا أغالي إذا ما قلت إن ما جرى في الموصل وعلى الموصل في ثلاث السنوات الأخيرات ما هو إلا تنفيذ عملي لما قدّمنا ذكره؛ فما معنى أن يُعبَثّ بشواخصها الآثارية مثل الثور المجنح ومدينة النمرود؟ وما القصد من محو جامع ومرقد النبي يونس – عليه السلام -؟ وما دلالة تفجير الجامع النوري الكبير ومئذنته الحدباء؟ وما المراد من تحويل جامعة الموصل إلى شبه ركام؟ وهي جميعا من أبرز إيقونات الموصل وأهمها، ناهيك عن عما حلّ بعشرات غيرها من دور العبادة الإسلامية والمسيحية والإيزيدية، التي تترجم حقيقة التسامح الديني والتعايش المجتمعي في هذه المدينة الأصيلة، والشواخص العلمية والثقافية التي تحكي عمق هذه المدينة الحضاري وتفوقها العلمي على مر العصور. ليأتي تدمير البنى التحتية وتحطيم أبرز متطلبات العيش الإنساني فيضفي بعدا آخر، يضاف إلى ما ذكرناه، يؤكد صدق ما سمعناه عما يُدبَّر لأبناء الموصل حصرا: الموت أو التهجير أو العيش الذليل المستكين. إن الموصل فيما تعيشه اليوم أنموذج لما يُرسَم لمدننا ولا سيما ذوات العمق التاريخي والبعد الحضاري منها، ويتمثل في محاولة جرها إلى عصور الانحطاط والتردي لتصير ضعيفة منهكة غير قادرة على الصمود في وجه الآخر/العدو/ المخطِّط. فهل من معتبِر يأخذ على عاتقه مهمة جمع الشمل ولم الشتات، مستلهِما الماضي و مستشرِفا المستقبل؟ على أن يكون ذلك كله بعد استقراء الواقع بعين الحكمة، والنفاذ إلى خفاياه بعين البصيرة. لا هَمَّ له، لا من قبل ولا من بعد، إلا مصلحة البلاد والعباد. ولا يعني هذا بالضرورة أن يكون المنتظَر والمرجو شخصا بعينه أو تنظيما أو مؤسسة، بل قد يكون فكرة أو قيمة أو حالة يتفق عليها الجميع – إن لم نقل يؤمنون بها –، ويعملون على الانقياد لها والتسليم بحكمها، بما يحفظ لهم وجودهم الآمن، الكريم …. الحقيقي. في وسط عالمٍ تتقاذفه أمواج المصالح، وتتجاذبه شباك المؤامرت.عالمٍ بات يلعب على المكشوف.



















