الكويتية هديل الحساوي: اللاشكل سمة بارزة في الرواية الحديثة
حاورها: حيدر الاسدي
هديل الحساوي روائية كويتية شابة،شقت طريقها في مجال السرد الروائي بين الروائيين الخليجين،وهي تولد 1980 وخريجة كلية العلوم بتخصص الحاسب الالي وهي عضو رابط المبدعين في رابطة الادباء ومشرفة بمنتدى افاق الادبي الثقافي بجامعة دولية الكويت تعالوا معنا نحاورها عبر هذه الوقفة :
{ عرفي القراء بنفسك يا هديل ؟
-هديل الحساوي,روائية كويتية وأكتب القصة القصيرة أيضا.بدأت الكتابة في المرحلة الجامعية حين أكتشفتها كأداة للتعبيرعن ذاتي وعن الأفكار التي لا تنفك تشتعل في رأسي محاولة الخروج.كانت محاولاتي الأولى على استحياء في المنتديات الأدبية على الأنترنت مثل جسد الثقافة ومدينة على هدب طفل وبعدها أسست منتدى آفاق الجامعي التابع لمجلة آفاق الجامعية.في أوائل 2002 التحقت بمنتدى المبدعين الجدد في رابطة الأدباء و قد كان قد تأسس للتو على يد شباب كويتيين من رواد الرابطة. بعدها تشعبت الطرق والكتابة القصصية لكن أول كتاب منشور لي كان رواية بعنوان (المرآة مسيرة الشمس) وقد صدرت في 2005 من المؤسسة العربية للدراسات و النشر و أعاد طبعها المجلس الوطني للثقافة والفنون و الآداب.ثم في 2015 أصدرت روايتي الثانية تجريد. كانت فترة أنقطعت فيها عن النشر لكن استمريت في الكتابة والبحث عن صيغ وأشكال جديدة للتعبير.
{ ما الذي قادك لعالم الكتابة الروائية؟
-في البداية كانت الحكايات دوما تستهويني منذ الصغر. فالقدرة التي تمنحها للأنسان بأن يكون أشخاصا كثر ومختلفين في الوقت ذاته.يحيا من خلالهم منصتا لأصواتهم الداخلية. متعاطفا مع نواياهم ومحاكما أفعالهم.كان لدي شغف بالتغير والخلق والسحر، وكانت قراءة الروايات تمنحني تلك اللذة، لذة تختلف عن مشاهدة الأبطال في التلفاز.في القراءة يتحد الخيال والشعور في استنطاق النص وخلق روحه.ذلك بالذات ما قادني إلى الكتابة الروائية.ان أكون المسؤولة عن شبكة العلاقات والأحداث وخلق شخصيات تستنطق بعضها وتتواجه.ذلك السحر أن تبعث الحياة على الورق ،الكتابة الروائية أشتغال جاد انها طريقة للأخبار وعرض الفكرة بحيث تأثر في من يقرأ و تغيره من الداخل.
{ لنبدأ من الروائيات الخليجيات …ما مدى تقدم السرد النسوي الخليجي؟
-في العشر سنوات الأخيرة كانت هناك زيادة في عدد الكاتبات الخليجيات و حتى تصدرن قائمة مبيعات الكتب.الحديث عن نتاجهن من ناحية فنية يستلزم ناقد متخصص. مؤخرا قام الدكتور فهد حسين الناقد البحريني بتقديم دراسة عن المرأة في الرواية الخليجية النسوية الجديدة قدم بها نماذج تراوحت من التقليدية الى التجديد.استطيع قول انه تم تجاوز الصورة النمطية لنوعية الكتابة النسوية في الخليج من بعض الكاتبات أن صح تعبير بكلمة كتابة نسوية.
{ هل تتفقي مع اصطلاح الادب النسوي ولماذا شاع هذا المصطلح ؟ وهل ان نجومية المراة في الادب والفن ياتي من المجاملات لقلة العنصر النسوي؟
-فعليا لا اتفق كثيراً مع اصطلاح الأدب النسوي والتقسيم الفئوي القائم على جندر الكاتب.أستطيع تفهم الأحتياج النقدي لدراسة الأنتاج الأدبي من زوايا معينة لكن مازالت لدي تحفظات على مصطلج الكتابة النسوية.فوجهة نظر النساء المكتوبة للعالم هي وجهة نظر تصدر عن الذات حتى لو تعرضت لتأثيرات أجتماعية ونفسية من موقعها في المجتمع. على وجهة النظر من هذه الزاوية أن يتم دراستها بتجرد نقدي بحت،المصطلح مع الوقت أو وصف أنتاج أدبي بأنه أنتاج نسوي يتضمن في داخله أصابع الأتهام نحو جودته وأهليته أو كما قلت مجاملات وإن كان عدد الكاتبات اليوم يتساوي مع الكتاب لكن لنفرض قليلا أن نجومية المرأة تأتي من المجاملات الناتج لقلة العنصر النسائي. لنضع هذه الفرضية موضع البحث. بالنسبة لي الزمن أفضل مقياس لصمود الأصالة والتجديد والقيمة. والقراءة التاريخية الباحثة في الأدب المنتوج من قبل المرأة يجد أن الكثير من الروائيات والشاعرات عربيا وخليجيا قد قدمن للأدب العربي الكثير. في الشعر وأظن أنه المثال الأشهر ما قدمته نازك الملائكة من تجديد للشكل في الشعر يعتبر ثورة في ذلك الوقت. أمثلة أخرى عربيا مثل نوال السعداوي و أن كانت تعتبر رائدة الكتابات النسوية لكنها من منظور آخر أسست للكتابة المتحررة في تناول المواضيع دون حدود.والأمثلة كثيرة على سبيل المثال لا الحصر مثل نجوى بركات و دنى غالي و ليلى العثمان وغيرهن.
{ ما هو برأيك شكل الرواية الحديثة ؟ وماذا يجب ان تتنزع الرواية من تقاليد لتضيف جمالية لشكلها الخارجي؟
-شكل الرواية الحديثة هو اللاشكل.هذا ما حاولت في تجريد خلقه.شخصيا أحلم بروايات تتجاوز وتدخل القاريء في دواماتها من ناحية الموضوع والشكل.الشكل في خدمة الموضوع وكلما تم التجديد في طريقة طرح المواضيع وزاوية الطرح سينتج الكاتب شكلا جديدا للرواية متحررة تماما من التقليدية. مؤخرا بدأت الاحظ كم من الألعاب التفاعلية القائم على المحاكاة والتي يتحدد فيها مسارالقصة بنوعية الأختيارات التي يقوم بها اللاعب.الا يمكن اعتبار هذا النوع من الألعاب روايات تفاعلية قائمة على مشاركة القارئ الفعلي عن طريق الخيارات المتاحة للقارئ الضمني،في هذا النوع من الكتابة على الكاتب أن يغطي جميع الخيارات والمسارات الممكنة في حكايته لخلق حركة تفاعلية تحاكي الحياة الواقعية بقدر الأمكان الرواية الحديثة تملك أمكانيات في الشكل ما زالت في طول التكشف والتخلق.
{ (المراة مسيرة الشمس) اولى رواياتك …ماذا تعني لك؟ وكيف بدء السطر الاول؟ وما حكاية التقسيم الغريب لفصولك (طفل1طفل2 طقل3 طفل(4؟
-المرآة رواية عزيزة علي جدا، ظروف كتابتها والتحولات التي مرت بها البطلة كانت تحولات ذاتية أيضا. كما مرت البطلة في رحلتها الخاصة للكمال كانت أيضا رحلتي للنضج والتغير.أذكر جيدا أنني قد بدأت بكتابة الفصل الثاني مشهد النزول إلى السرداب.بعدها بدأ الفصل الثاني بالتشكل ثم الفصل الأول فالثالث.كانت كتابة الفصل الرابع المكون من عدة أوراق أصعبها فكيف يمكنك كتابة فصل عن الأكتمال،وماهو شكل الوصول؟ كان السؤال مقلق شخصيا بالنسبة لي وأحتجت لأشهر عدة لأكتشف الإجابة التي أدت إلى كتابة الفصل الرابع.الأطفال رمز للمراحل المختلفة التي يمر بها الأنسان.حسب تصنيف كارل غوستاف يونغ للمراحل الأربع المختلفة التي يمر بها الأنسان من مرحلة الطفولة الى البلوغ وكل الفصل هو تمثيل للتحديات و المخاطر التي يمر بها الأنسان خلال هذه المرحلة. شخصيا رأيت المراحل الأربعة تنطبق حتى على البالغين في أي مرحلة جديدة من حياتهم فهي أكثر من مجرد فصول متلاحقة. فكل مرحلة تمثل فترة زمنية في حياة الأنسان البالغ قد يتم النكوص لها أو التثبيت داخلها.
{ حدثينا عن (تجريد)؟
-تجريد روايتي الثانية بعد المرآة بعد صدور المرآة توقفت عن النشر لفترة من الزمن.كنت أكتب ويقرأ لي الأصدقاء المقربين لكن لم يستهويني موضوع نشر كتاب جديد. حثني أصدقائي كثيرا أن أقوم بنشر مجموعتي القصصية لكن كنت فعلا زاهدة و أشعر بأنني لن أقدم جديدا.بعدها بدأت بدراسة الماجستير مما أدى لأبطاء عملية الكتابة جدا لدرجة التوقف.بعد سنة من الدراسة بدأت أكتب رواية سميتها في البداية (يعقوب) لم تكن تجريد بالشكل الذي تبدو عليه الآن. مع الوقت والكتابة التي استغرقتني 4 سنين تقريبا كنت قد كتبت تجريد خلالها مرتين. بدأت الرواية تأخذ شكلا ومنعطفا جديدا. في المرة الأولى كان خط سير العمل درامي تصاعدي والأحداث واضحة. قصة حب تروى بعد أنتهائها.في ذلك الوقت شغلتني كثيرة فكرة الثنائيات وعلاقة الإنسان الأشكالية بالآخر. كنت أتسائل عن الكمال وهل العزلة والتصوف تأخذان الإنسان إلى أكتماله دون أن تصهرة تجربة المعايشة و الأحتكاك بالآخرين.في تلك الفترة الاحظ العلاقات الأنسانية، علاقات تملك درجة عالية من الحساسية ومعرضة بشكل دائم لسوء الفهم. أذكر في نقاش لي مع أحد الأصدقاء بعد قرائته المسودة الأولى لتجريد، قال لي: كأن أبطالك على وشك الوقوع، أنهم في حالة توقع دائم للأسوء. أجبته بأن علاقاتنا الأنسانية مبنية على سوء الفهم، أختلافتنا التي وإن تبدو للوهلة الأولى كأن ما يجمعها لغة واحد ومكان واحد إلى أننا نترجمها بحسب مراجعنا اللغوية الداخلية التي قد تملك لها دلالات مختلفة حد التناقض. ما نفعله أننا على الدوام في علاقتنا مع الأخر نفترض حسن الظن ونحاول الفهم. هذا ما يخبرنا به على الدوام مدربوا التنمية البشرية اليس كذلك؟! هذا الترقب الدائم للنفس والمحاولة دليل على الأشكالية التي تنتج من هذا الأحتكاك الدائم مع الأخر في محاولة للوصول لأرض مشتركة أضف على ذلك أيضا ما نحب و ما نكره و صفاتنا المختلفة.
{ “اذا كان مطلوبك في المرآة أن ترى فيها وجهك، فلم تأتها على التقابل، بل جئتها على جانب، فرأيت صورة غيرك فيها فلم تعرفها، وقلت: ما هذا أردت. فقابلتك المرآة، فرأيت صورتك، فقلت: هذا صحيح، فالعيب منك لا من المرآة”.لماذا هذه المقولة بالذات وماذا تعني لك؟
-فكرة المرآة بدأت معي منذ وقت مبكر. هذا metaphore أو الأستعارة جعلتني أتتبع وجودها في قراءاتي في الميثولوجيا و الأدب و التصوف. الكثير من الحكايات وصفت أنعكاسات المرايا وعالم عبر المرآة. ابن عربي لخص الفكرة التي ظلت تراودني لفترة طويلة.الأنعكاس للحقيقة، وبالتالي المرآة هي الحقيقة الخالصة. في هذا الأنعكاس لا وجود لسوء الفهم الناتج عن اللغة أو المكان. وهذا ما حاول أبن عربي تصويره في هذه المقولة.
- في روايتك ثمة اماكن غريبة ماذا يعني لك المكان الروائي؟ وهل تتخذين منه دلالة جمالية؟ ام هو بيئة لتكملة الاحداث ليس الا؟
-المكان الروائي في السرد لا يأتي أعتباطيا، هو دال يؤشر لمجموعة من المفاهيم الذي يحاول أن يقدمها النص. فهو المكان الذي تولد في الحكاية ويتخذ فيه السرد مجراه. أمبرتو إيكو في رواياته يعتني بالمكان ويدرسه ويحدد أحداثياته بدقة وبالمثل نجيب محفوظ حيث يلعب المكان دور البطل في الرواية.روائيين آخرين لا يقيمون ذكرا للمكان ويكون شبه غفل مثل بعض روايات ميلان كونديرا وساراماغو و يكتفون بتأثيث مكان محلي يجاري الأحداث.في رواياتي المرآة المكان كان خلقا جديدا،مكان خيالي فوق واقعي يقترب للأجواء الأسطورية واليونانية أما في تجريد فقد صرحت في بداية الرواية بأنني سأتخلى عن المكان ورسمه وأكتفي بالمكان الذي يرسمه خيال الأبطال وقت الحكايات.
{ ترفضين مصطلح رواية ناجحة ورواية فاشلة؟ كيف تقيمي اذن نجاح الرواية من عدمه؟
-من أنا أو أي كان ليقيم نجاح رواية من عدمها.أضافة لأن مصطلح نجاح مازال غير محدد الملامح هنا ، في الغرب تعتبر كثرة المبيعات أحد مقاييس النجاح لكن بوعي أذ كثرة المبيعات لا تعني الجودة أو التجديد. بالتالي مصطلح نجح أو فشل كمفهوم لا يعني أي شيء بالنسبة لي أؤمن بالنقد الذي يستقرأ الروايات ويستخرج منها مواطن التجديد والتأثير على المجتمع والأدب.النقد أدات علمية تستطيع أستقراء دلالات النصوص السردية وعلاقاتها المتشابكة والتبادلية.
{ سمعنا انك تديرين مؤسسة مختبر السرديات الكويتي..ما هي فكرة المختبر وما هي أبرز نشاطاته؟
-المختبر وسيلة لتجديد السرد الكويتي وأستقراء بواطن جمالياته.أهم أهدافه بناء قاعدة ثقافية ونقدية يتم خلالها تطوير المشهد السردي الكويتي وتوثيقه من خلال الأدوات الحديثة. بدأ نشاط المختبر بأول سلسلة محاضرات حول السرد والهوية بعنوان السرد والهوية الوطنية والأجتماعية شارك فيها ناقديم مهمين من الخليج د. سعاد العنزي من الكويت و دكتور نادر كاظم من البحرين. ثاني المحاضرات كانت حول السرد والنظرية السردية وكانت محاضرة تفاعلية مع الحضور حول السرد و الأدوات النقدية و مدى مواكبتها في العالم العربي أستقراء السرد.
{ ارى انك تتحاملين على التكنولوجيا ومدى تاثيرها على شكل الكتابة المعاصرة؟ هل فعلاً اثرت التقنيات على الكتابة الادبية؟
-أنا مع التكنولوجيا لست ضدها وبداياتي كانت من المنتديات الأدبية الأنترنتية حيث كان التفاعل مع الأدباء الأخرين وعرض كتاباتنا والقراءات المقدمة نحوها. كانت المنتديات على الأنترنت في ذلك الوقت تماهي في جودتها جودة المنتديات الواقعية.مايحدث اليوم مع طغيان ثقافة الصورة و الأقتباسات أصبح الكثير من الشباب يقفز مباشرة للنشر كلما ازداد عدد likes والـshare في صفحته.الكثير أصبحوا نجوما يلتف حولهم المعجبين.المشكلة في هذا أن حدة التصفيق تمنع أدراك الواقع، وإن حاولت النصح أو حتى أبداء الملاحظة جوبهت ببرود التقبل نتيجة لذلك.
{ هل تتفقي مع مقولة الناقد العربي الدكتور جابر عصفور باننا نعيش زمن الرواية وليس الشعر…مع الاخذ بنظر الاعتبار ان الشعر ديوان العرب؟
-أتفق جدا.فمع اتجاه الشعر نحو الذاتية أكثر فأكثر رغم أن بعض الشعراء مثل محمود درويش في فلسطين وحديثا قاسم مسعودي في العراق قد وجهوا الشعر نحو طرح قضايا وطنية و حياتية إلا أن مساحة التعبير والأنفعال في طرح وجهات نظر مختلفة وسرد المواقف في الشعر كأداة تظل قاصرة عن أحتواء هذا التنوع.
{ ما رأيك بمجمل النتاج النسوي الادبي العربي؟
-أنتاج واع ومتميز. الكثير من الأسماء لكاتبات وشاعرات يتصدرن اليوم الأدب وأيضا النقد.
{ هل لديك اطلاع على الادب العراقي بكافة الاصعدة ؟
-بالإضافة للشعراء المخضرمين لدي أطلاع على بعض أنتاجات الشباب الشعراء والروائيين. ميزة عالم التواصل الافتراضي هو تكوينك صداقات مع الكثير منهم على المستوى الأنساني و الشخصي و أتابع أنتاجاتهم على الفيسبوك إضافة للمطبوع. منهم الشاعر قاسم سعودي و الروائي سنان أنطون وأحمد السعداوي.
{ هل ممكن ان نرى احدى رواياتك فيلما سينمائيا او مسلسلاً تلفزيونيا ؟
-ربما من يدري.
{ كلمة الختام اتركها لك يا هديل؟
-أشكرك أستاذ حيدر الاسدي على اللقاء الرائع والأسئلة العميقة،استمتعت جداً بالحوار.
























