الكارثة السورية والحسم المستحيل

الكارثة السورية والحسم المستحيل
صباح علي الشاهر
لم ينته الخبراء والمعنيون بعد من تحليل أبعاد المناورات العسكرية بالعتاد الحي التي أشرف عليها قادة خلية الأزمة السورية، حتى كان الرد صباح الثامن عشر من تموز الحالي بتفجير مبنى الأمن القومي في دمشق، والذي لا يبعد سوى بضعة أمتار عن منزل السفير الأمريكي الذي أصبح ومنذ أمد مقراً للعديد من المعارضين والمنشقين، الذين كانوا ــ وفق ما قيل ــ يديرون ويوجهون التحركات المعارضة من هذا المنزل المتمتع بالحصانة الدبلوماسيّة، والذي زُعم أن له ضلع في عملية التفجير المأساوية، ويذهب البعض أن كبسة الزر وبالريمونت كونرول تمت عبره ومن خلاله.
عُدّت المناورات، وبالأخص في جانبها الصاروخي رداً على التهديدات، الأمريكية والاسرائيلية، حول ما عُرف بالخشية من وصول السلاح الكيمياوي المزعوم الى أيدي غير مسؤولة، وبالأخص الى حزب الله، وكانت حسب تحليل العديد من المراقبين مناورات نوعيّة كشفت عن التطور غير المسبوق للقدرات العسكرية السورية الردعيّة، في مختلف الاصناف وتحديداً الجانب الصاروخي، وهوالسلاح الذي يُخيف اسرائيل أكثر من غيره، بعد ثبوت نجاعته في حرب تموز2006، والذي عملت جهدها المُعلن وغير المُعلن للتخلص من خطره بشتى الوسائل.
ويمكن القول إن تفجير خلية الأزمة السورية يُعد في العديد من الأوجه، رداً على هذه المناورات التي عدّها البعض تحدياً بالغ الدلالة، يشير بوضوح الى استعداد سوريا ومن معها للذهاب بعيداً في المواجهة، وهو أي تفجير المبنى خطوة استباقية، قصد منها ليس فقط ايصال رسالة واضحة للحكومة السورية، ومن معها، وانما شل وارباك القيادة السورية، واحداث شرخ عميق فيها، واشعارها أنها، وعلى مختلف المستويات، ليست بعيدة عن متناول يدها الضاربة، هذه اليد التي بامكانها الوصول الى مركز القرار، وقتما تشاء ، وبالكيفيّة التي تشاء.
كانت الخسارة السورية فادحة، وكانت الضربة موجعة بلا ريب، وليس أدل على أهمية ما حدث ان صباح الأربعاء هذا أصبح عيداً اسرائيلياً، تم فيه، تبادل التهاني والتبريكات عبر مختلف وسائل الاعلام وقنوات التواصل الاجتماعي، ولم يُوقف هذه الموجة الاحتفالية الاسرائيلية الا حدث مقتل ثمانية اسرائيليين سواح في بلغاريا عصر اليوم نفسه، مما حوّل فرحة الاسرائيليين الى مناحة.
كل الدلائل تشير الى اختراق من العيار الثقيل حدث في جبهة السلطة السورية، ولا يمكن للخطابات الحماسيّة التي دأب عليها الاعلام السوري، ولا محاولة اعتبار استشهاد القادة العسكريين، وهم رأس الهرم في المواجهة الحالية، جزءاً من التضحيات التي تستلزمها المواجهة، لأن هؤلاء القادة لم يستشهدوا في سوح المعارك، ولا في مواجهات الميدان، وانما قتلوا وهم يحتمون بأهم معاقلهم التي ينبغي أن تكون من أكثر المواقع أمناً لأنها مركز القيادة، التي ينبغي أن تكون كاملة التحصينات والمنعة، أما وقد تم اختراق مثل هذا الموقع الحصين، فالقيادة والحال هذه تبدوعارية، وهذه أهم الرسائل التي سعى ويسعى من خطط لهذه الواقعة ايصالها، ليس الى الناس العاديين فقط، وانما الى المسؤولين، والعسكريين تحديداً، للتأثير على المعنويات.
ورغم أهمية هذه الحادثة، وعظم الخسارة التي مُنيت بها السلطة السورية، الا أن هذا الأمر سوف لن يتعدى كونه عملية اغتيال، اذا لم يترافق مع عمل آخر مُكمل في الميدان، ألا وهواستثمار هذا الحدث بالهيمنة على الآرض، والتحكم في مفاصل هامة من العاصمة، وهوالأمر الذي استعدت له المعارضة، ولوّحت به، لكنها عملياً لم تستطع تنفيذه، مما يشي بأن قدرات هذه المعارضة تظل محدودة، قياساً الى امكانيات السلطة، التي من المتوقع أن تستثمر هذا الحدث لتوجه ضربات قاسية الى المسلحين، بعد أن أصبح لديها المبرر الكافي، وبعد أن لم يعد بامكانها الا الرد وبعنف، ولعل الأيام القليلة القادمة ستكون حاسمة بالنسبة للطرفين، ولكن الدلائل تُشير الى أن المسلحين فقدوا المبادرة بعد أن استوعبت السلطة الصدمة، وبعد أن لم يستطع المسلحون السيطرة على الأرض بالترافق مع فوضى الحادث، وبهذا فقد ضاعت الفرصة امامهم، ولم يبق أمامهم سوى خيارين، الصمود، أوالتقهقر، وكلا الأمران له عواقبه، فالصمود باهض الثمن والكلفة، خصوصاً وأن الجيش حالياً هو كالنمر المجروح، ويعتقد أنه سيستعمل كامل قوّته، والتقهقر يعني نهاية العمل المسلح، وتغيير المعادلة في الداخل، بأخراج القوّة العنفية من ساحة التفاهمات واحلال العناصر التي تدعوا الى الحوار مكانها.
الوقائع على الأرض هي من سيحدد مآلات الأحداث، وهي التي ينبغي الانطلاق منها، لمعرفة مجريات الأمور، والحقائق على الأرض ليست متطابقة مع ما تعرضه شاشات التلفاز، والذين يتحركون على الأرض، عليهم استقراء الأرض، وفهم ما يجري عليها، لا تتبع ما يُرسم أويخطط على شاشات القنوات الفضائية.. مهمة المقاتل على الأرض التحكم بالأرض، لا امداد القنوات الفضائية بالمادة الاعلامية، ولعل هذا هوالفارق الأبرز بين المقاتل على الأرض، والصحفي أوالمراسل الاذاعي أوالتلفزيوني.. الأول يصنع الحدث، والثاني ينقل الحدث، وطالما كانت هذه هي الصورة، فسيظل هناك ثمة من يصنع الحدث، وثمة من ينقله، أما اذا أصبح صانع الحدث وناقله شخص واحد، فعندها سيكون الحدث مُفبركاً، أوناقصاً، ويكون النقل غير مهنيّاً، وفي هذه الحالة سنفتقد المقاتل، مثلما نفتقد المراسل.
لقد أساء الاعلام الى المسألة السورية اساءة بالغة، من حيث تصور البعض أنه يخدمها.. لقد خدم الاعلام كل شيء، المعارضة، والسلطة، الدول الداعمة للمعارضين والدول الداعمة للسلطة، أصحاب الأجندات الخاصة، ومصالح الدول الكبرى والاقليمية، لكنه لم يخدم الشعب السوري، ولا قضيته الأساسية في الحرية والديمقراطية والتغيير، وأسهم، وبشكل واضح، في ادامة الكارثة، وجعل من الدم السوري مادة يعتاش عليها ويُتاجر بها..
لقد تحدث الجميع عن الحسم المستحيل.. قالت السلطة أنها ستحسم الأمر خلال بضعة أسابيع ومن ثم بضعة أشهر، وقالت المعارضة انها ستحسم الأمر هذه الجمعة، وفي كل مرّة تضع سقفاً زمنياً، لكن أي منهم لم يحسم شيئاً، ولم يفعل شيئاً سوى الاسهام في ادامة الموت والدمار.. لقد كان الحل ممكناً عندما كان عدد الضحايا بالعشرات، وكان ممكناً عندما أصبح بالمئات، والآلاف، وعشرات الآلاف، وهومازال ممكناً قبل أن يصل الى مئات الآلاف، وربما الملايين، ولكن ثمة ارادة جهنمية لاتريد مثل هذا الحل، ثمة ارادة تريد انهاء سوريا.. تريد سوريا فاشلة، مهشمة ومُحطمة، لا قدرة لها حتى على لعق جراحها..
/7/2012 21 Issue 4256 – Date Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4256 التاريخ 21»7»2012
AZP07