القطة في الوجود لرعد عبد القادر أنموذجاً

القطة في الوجود لرعد عبد القادر أنموذجاً

الشعر بين السريالية والصوفية

نجاح هادي كبة

حاول شعراء الحداثة وما بعد الحداثة تحديث اساليبهم الشعرية من طريق التجريب وكان التراث العالمي والعربي والاسلامي المعين الذي لا ينضب في توظيفهم له واصبح لكل شاعر حداثوي أسلوبه المميَّز في توظيف التراث ، إذ حاول شعراء الحداثة ان يبتعدوا قدر الامكان عن توظيف التراث ككولاج خارجي أو تجربة مفروضة على القصيدة من الخارج ، فكان التناص مع التراث يكسر أفق التوقع في الكثير من قصائد شعراء الحداثة .

التجربة الصوفية العربية والاسلامية –  وهي من ثمار العقل العربي التاريخي ، اضافة الى المثيولوجيا والانثروبولوجيا لوّنت بظلالها قصائد الشعر العربي الحداثوي ولاسيما الشعر العراقي الحداثي ، ومما طوّر التجربة الصوفية العربية والاسلامية في شعرنا الحديث أنها ارتدت ثياباً جديدة ليس من طريق الاتصال الصوفي بالذات العليا والذوبان فيها بالحب ، بل من طريق الاتصال الصوفي بالحقائق والجواهر كالمرأة والوطن وكل ما هو ملامس لشفافية روح الانسان ، وما ساعد على تطوير التجربة الصوفية في القصيدة الحداثوية ما ظهر من تشابه الرؤى بين الصوفية والسريالية ، يقول أدونيس  (الهدف الاخير الذي يسعى إليه الصوفي هو أن يتماهى مع هذا الغيب أي مع هذا المطلق . ويهدف السرياليّ إلى أن يحقق الامر نفسه وليس المهم هنا هويّة هذا المطلق ، بل حركة التماهي معه ، والطريق التي تؤدي الى ذلك ، سواء أكان هذا المطلق الله ، أو العقل ، أو المادة نفسها أو الفكر أو الروح … الخ هناك في جميع الحالات عودة إلى أصل الخلق ، أيَّاً كان هذا الاصل ، بعبارة ثانية يبقى ذاته ، فيما يتجلّى  عبر مخلوقاته ، وفيما تعود مخلوقاته إليه) . ” الصوفية والسريالية ، ص: 111″

            في دواوين رعد عبد القادر توظيف للسيريالية والصوفية والمثيولوجيا والانثروبولوجيا والتاريخ ، ففي ديوانه (جوائز السنة الكبيسة) تجربة من هذا الاشتغال بدءاً من العنوان الذي حاول الشاعر فيه أن يؤسس لما هو حسيّ (جوائز) مع ما هو غير مرئي لكن يشعر بوجوده فقط (السنة الكبيسة) وانتهاء

زواج المنارة

بعنوانات الديوان- بوصف العنوان عتبة أولى للنص كما يقول جنيت- مثل قصيدة: صيدلية الساعة الشعرية ، الزواج بالمنارة ، شخاطة رحائيل ، وغيرها ، فالشاعر (يحاول … بقوة الخيال ان يصل الى المجهول –  لرؤية ما لا يُرى وسماع ما لا يُسمع . وسواء أكان هذا الخيال استعادة لمدركات حسيّة او تخيلاً لاشياء جديدة فهو في الحالين إعادة تشكيل للأشياء بجمع بين عناصرها ، ويخلق فيما بينها علاقات جديدة) . المصدر السابق ، ص: 92 .

            تتضح العلاقة بين الصوفية والسريالية في ديوان رعد (جوائز السنة الكبيسة) في قصيدة (قطة الوجود) ، هذا التركيب المتكوّن من المضاف (قطة) والمضاف إليه (الوجود) هو تناص مع قول الصوفية في نظريتهم المعروفة (وحدة الوجود) فالوجود لديهم غير الوجد فقالوا:(الوجد سائر حثيث وصاحب الوجود حائر لبيث) نصوص المصطلح الصوفي في الاسلام، د. نظلة الجبوري، ص:159. ومن ثمّ فهو عنوان سريالي ، لأنّه معناه ما فوق الواقع فليس هناك قطة مخصصة للوجود ، وإنما هناك حقائق في الكون يبحث عنها الانسان ولاسيما حقيقة وجود الله سبحانه وتعالى ، لكن الشاعر تناص مع المعاني الصوفية هذه تناصا عكسيّا عبّر من طريقها ليس عن قطة الوجود ، بل عن المرأة في الوجود التي شبهها مجازاً بالقطة فعنونة فصيدته بـ (قطة الوجود) تعكس الصراع الذكوري –  الانثوي بأسلوب استاطيقي .

            رسم الشاعر العلاقة بين الذكورة والأنوثة بقصيدة تشكيلية ، من اعلى قوس كبير كتب فيه عبارة ناقصة (امرأة في يدها) يتفرع منه ستة خطوط مستقيمة متفاوتة الاطوال كل خط في نهايته جملة شعرية مكتملة بجملة القوس وعلى النحو الاتي :

ص : 34 من الديوان

الخط المستقيم الاول من اليمين تشكيل شعري – سريالي يرمز إلى اضطهاد الذكورة للأنوثة من طريق صورة الرجل البشعة الذي رجلاه كالسلحفاة والذي يغري المرأة بالذهب وينتقي النساء كيفما يشاء ويحلو له من طريق ما يرى من النساء في مرآته الخاصة.

الخط المستقيم الثاني من اليمين : تشكيل شعري –  سريالي أيضاً يؤكد معنى الخط المستقيم الأول إذ يرمز الى اضطهاد الذكورة للأنوثة من طريق تكريه صورة الرجل كونه يركب الجمل وفي يده عقرب ، فالجمل يرمز إلى عقلية الرجل الصحراوية الذي يكر ويفر ولا يألوا جهداً من أن يوجه العقرب إلى الأنوثة ليلدغها ويهرب كالرجل الصحراوي .

صورة ذكورية

الخط المستقيم الثالث : تشكيل شعري –  سريالي ، يؤكد أيضاً اضطهاد الذكورة للأنوثة من طريق صورة الرجل الكريهة كونه يركب الفرس وبيده حيّة ، فالفرس يرمز الى الفحولة التي لا تألوا جهداً ان تلدغ الأنوثة وتهرب كالحيّة .

الخط المستقيم الرابع : تشكيل شعري –  سريالي يؤكد ان الشاعر أدار اضطهاد الذكورة للانوثة الى اضطهاد الأنوثة للذكورة فالمرأة في يدها رجل مقطوع الرأس وبيده طاووس ومعلوم ان الطاووس ينفش ريشه فيضرب به المثل في الكبرياء وبما ان الرجل مقطوع الرأس فلا قيمة لكبريائه الذي يرمز اليه الطاووس الذي في يده.

الخط المستقيم الخامس : تشكيل شعري –  سريالي يشير الى مشكلة الرجل حيث يبحث عن امرأة ، فقد رسم الرجل وقد اشتعل رأسه شيباً وفي يده شمعة (سوداء) أي مثبِّطة يبحث من طريق نورها عن امرأة لكيلا تلغي كبرياءه وتحافظ على رأسه من القطع .

الخط المستقيم السادس : تشكيل شعري –  سريالي يؤكد الخط المستقيم الخامس إذ يشير ايضاً الى مشكلة الرجل حين يبحث عن امرأة لكن في هذا الخط مفارقة عن الخط الذي سبقه مباشرة ، إذ الرجل زادت معاناته في البحث عن امرأة وقد صوّره الشاعر وهو في قفص أي (سجين) لكنه يستعين بالتخمين للعثور على نصيبه من امرأة كلاعب شطرنج وكالشخص الذي بيده هدهد (اشارة الى هدهد سليمان الذي كان قد تأخر عنه وكان ينتظر أخبار الملكة بلقيس منه) كهذا الرجل الذي لم يحصل على اخبار امرأة يود الاقتران بها ولاسيما انه قد اشتعل رأسه شيباً كما يشير الخط الذي قبله ويستكمل الشاعر سرده فيقول ؟:

هذه قطة الوجود المبرقعة ببرقع القمر

السوداء الناعمة ذيلها قلم والعالم رمل

من قال ان القطة ليست منارة

الكلام ليس في المنارة . الكلام في القطة

            وهكذا هي الانوثة (قطة الوجود) يبرقها الجمال فهي كالقمر وهي ناعمة الملمس لكن ذيلها قلم يخط صراعها مع الرجل على الرمل الذي سرعان ما يمحى لكن المرأة تبقى شاخصة كالمنارة .

ثم يحوّل الشاعرية السريالية في القصيدة لتعكس الشاعرية الصوفية فيقول :

  هذه هي قطة الانوار

  مواؤها سر الاسراء

التعبير الشعري –  الصوفي في هذه القطعة يشي بالتناص مع أقوال المتصوفة من طريق ما نوحي به سيمياء القطعة الشعرية كـ (الأنوار) و (سر الأسرار) .

وهذه القطة (المرأة) (الانوثة) تاريخ صراعها مع (الرجل) (الذكورة) طويل:

هي القطة التي ناداها آصف وبهلول والحلاج

وهي التي دخلت الى مطبخي في رمضان

الشعر سيامي يضع توحشه في يدي

  رجل في يده   قطة الشعر

الشاعر يتزوج القطة

هذه القطة (المرأة) حتى الشاعر عليه أن يعقد الصلح معها ويتحتم عليه أن يتزوجها فهي شر لابد منه كما توحي القصيدة .

            على الرغم من جمود عاطفة القصيدة لطغيان المضمون وسيطرة الخيال السريالي –  الصوفي عليها إلاّ أنها عكست الصراع الذكوري –  الأنثوي بأسلوب سريالي –  صوفي يوحي بالتاريخانية والشعرية الثقافية .