القاص والروائي أحمد خلف لـ (الزمان): المثقف المنتج بعيد عن تلوث السلطة ودسائسها

القاص والروائي أحمد خلف لـ (الزمان): المثقف المنتج بعيد عن تلوث السلطة ودسائسها

احمد جبار غرب

الروائي والقاص المبدع  احمد خلف احد ابرز كتاب القصة والرواية العراقية يتمتع بأسلوب رشيق في تحريك شخصياته ذو مخيلة ناضجة ومنذ صباه كان يتوقع له مستقبل متميز ككاتب قصة حيث كان تلميذ الشاعر الكبير مظفر النواب الذي رأى فيه مؤهلات الكاتب الواعد بعد ان قرآ له قصة كتبها الاستاذ احمد خلف انذاك(موت الزاير عواد )عام 62  وقد حقق الكاتب طموحه وفق الفسحة الزمنية انذاك فنشرت له مجلة الاداب البيروتية وكان لها صدى كبير واستقطاب للكتاب العرب البارزين قصته الاولى (خوذة لرجل نصف ميت )عام 1969والتي ابهرت المثقفين  وأشاد بها النقاد والشخصيات المؤثرة انذاك كالمناضل الفلسطيني غسان كنفاني والمفكر حسين مروة والناقد سامي خشبة بعد ذلك اصدر مجموعته الاولى عام 1974(نزهة في شوارع مهجورة) ثم تلاها بمجموعة (منزل العرائس) عام 1986 ثم (خريف البلدة) عام 1993ثم  مجموعته القصصية (تيمور الحزين) اصدرها عام 2002كما صدرت له مجموعة قصصية في عمان في المملكة الاردنية تحت عنوان (في ظلال المشكينو)عام 2001ثم اصدر روايته الاولى (الخراب الجميل)عام  80ثم رواية خريف البلدة” 1993 ” ثم رواية ( موت الاب ) عام 2003 ثم روايته (الحلم العظيم )عام  2009وأخر نتاجاته كانت روايته القيمة (تسارع الخطى) التي صدرت عن دار المدى عام 2014  ويحاول فيها الكاتب ان يوصل رسالة عبر الفعل السردي المباشر عن وقائع تنغمس في الذاكرة المتأملة لربيع قد لا يأتي  وكانت قمة ما قدم اذا استحوذ على القارئ من خلال انتقالاته السردية والصور الذهنية  التي يرسمها للأحداث وتتابعها الدرامي،التقيت الكاتب والروائي احمد خلف في حوار حول الثقافة وحول بداياته ورؤيته للواقع السردي العراقي فكان حديثا شيقا فيه عمق وإجابات واقعية بعيدا عن التقولب والسياقات التقليدية

{ كيف ترى المشهد الثقافي العراقي بعد التغيير ؟

– تشهد الساحة الثقافية مخاضا كبيرا ،على الأصعدة كافة ،ورغم ضبابية المشهد في بعض جوانبه الا انه يشير الى احتمالية التغيير والتطور الذي يفرضه جدل الطبيعة والحياة اليومية للمجتمع والمثقفين العراقيين عموما ،وعلى صعيد القصة والرواية نلحظ ذلك الزخم من النتاج الابداعي ومظاهر المنافسة وان كانت غير معلنة ولكنها واضحة وموجودة وهي دليل صحة وتطور ،اي ان المبدع العراقي اصبح يقف على محور الاشياء كما يقول مكليش في مبادئ النقد الادبي ..وهذا الذي نقوله يمكن له ان ينطبق على بقية الفنون والآداب الاخرى …

{ كيف كانت بداياتك وهل ان الشاعر الكبير مظفر النواب هو من اكتشفك ؟

– انا من الكتاب الذين يعطون لمن يقف الى جانبهم الكثير من الوفاء وعدم نكران الفضل … كان مظفر النواب استاذي في المرحلة المتوسطة من عام 1962… كان يدرسنا اللغة العربية ،وخلال درس الانشاء اكتشف مقدرتي على صياغة الجملة وتلاعبي البسيط في البناء اللغوي ،اضافة الى اني كتبت قصة قصيرة سميتها في حينها  ( موت الزاير عواد ) او كان هذا العنوان اقرب اليها وهي تحكي قصة فلاح يموت من الارهاق والجوع والشيخوخة رغم ان ولده يعينه في الحقل ألا انه مات ذات مساء ،اعتقد ان موضوعة الفلاح الذي يدفع حياته ثمناً ،راقت للأستاذ مظفر ،عندها وبعد قراءته للقصة  ،قال لي بالحرف الواحد : انت اذا واصلت قراءة القصص والروايات سيكون لك مستقبل في الأدب ،ويبدو انني فعلا امتلك تلك الجذوة او الموهبة بدليل اني لم اخيّب رؤيا الاستاذ مظفر ،واستمر انتاجي الابداعي ليس بالتواصل بل في تطور مضطرد ..

{ نحن نعرف ان كل منهج روائي او نقدي ينتمي لمدرسة او فلسفة كما في الواقعية او الرمزية او الانطباعية لكنك خرجت علينا بتجربة جديدة هي التكوينية او المزج بين مدرستين ما هي رؤيتك في هذا الجانب ؟

– المدرسة التكوينية نهج فلسفي تبناه لوسيان كولدمان تلميذ جورج لوكاش ،ما حصل معي ونحن وسط فوضى المناهج والتيارات الادبية والفكرية انني لم استطع الاذعان لمدرسة واحدة او فلسفة محددة لهذا لم يكن امامي ألا اللجوء الى التجريب لغرض التجديد وتطوير ادواتي الاسلوبية والجمالية وأيضا التفرد والتميز بين ابناء جيلي ،لهذا ادرك الجميع اني حريص على صوتي الخاص وعلى بلورة اتجاهي الابداعي الذي هو انا من حيث فرادة الصوت وتحديد ســـــمات النص الذي اعمل على انجازه بحرص شـــــديد لكي يمثلني ولا يذكّر المتلقي بكاتب اخر ،لهذا واصلت استثمار معرفتي بالتجريب الذي هو الاستمرار على البدء من جديد ..

{ جمع كبير من القراء والأصدقاء لا يعلم ظروفك الصحية الآن وكيف كانت الحادثة التي المت بك ؟

– كان حادثا مؤسفا عطلني لبعض الوقت لكنني تجاوزته بالصبر وقوة تصميمي  .. انه كسر في مفصل الساق الايمن تم استبداله بعملية فوق الكبرى ،ان اهم دافع للجواب على سؤال يمكن تجاوزه هو رغبتي بالشكر والتقدير لكل الاصدقاء الذين تلطفوا علىّ بزيارتهم وتفقدهم محنتي ،كذلك الاصدقاء الذين اتصلوا بي او كتبوا لي على البريد الخاص والعام على صفحات الانترنت ،اشكرهم من صميم قلبي وهم اصحاب الوفاء لصداقة احترمها بل قل اقدسها .. اليوم انعم بالشفاء التام وتمكنت بالصبر والجلد على محنتي التي دفعت عائلتي ثمناً باهظا من راحتها وصحتها وقد عاش افرادها قلقاً كبيرا من اجلي  ..

{ انت احد طيور الجنوب المحلقة في فضائيات الابداع العراقي وابن مدينة الشنافية ما هي ذكرياتك عنها وهل جسدت اجواء المدينة وما تحمله الذاكرة في البوح الذاتي عبر اعمالك القصصية والروائية ؟

– يقول همنغواي ما معناه : ــــ يستمر الكاتب بالاستفادة من طفولته حتى الخمسين من عمره … وهذا اجده كلاما ينطبق على الكثير من الكتاب وأنا احدهم ،فقد بدأت اول قصصي وهي تتنسم هواء طفولتي في تلك المدينة التي تغفو على احد فروع نهر الفرات ،والقصة كانت بعنوان ( موت الزاير عواد ) وانا في مرحلة المتوسطة وظلت البلدة تعيش معي سنوات طويلة لم اتخلص من حضورها الذهني والواقعي ،وقد كانت القصص والذكريات التي كتبتها عنها ظلت تركز على الواقع على اعتبار ان الكتابة عن الاشخاص والأماكن امانة في عنق الكاتب وعليه تأديتها  ،غير ان بغداد المدينة التاريخية استولت على روحي ونفسي وراحت تزيح البلدة ( مسقط الرأس ) شيئا فشيئا حتى استقرت بغداد في القلب والوجدان ..

{ ما هي رؤيتك للسرد العراقي(القصة والرواية ) ,كيف تراه ؟هل هو يتماشى مع الإثراء الثقافي العام ؟هل هناك ملاحظات للسارد العراقي ؟

– لقد كتبت اكثر من مقال وأكثر من رأي بشأن الكتابة السردية وانحيازي للرواية العراقية متأتٍ من حرصي على وضع اليد على جملة حقائق اكتسبتها الرواية العراقية في السنوات الاخيرة ،وهذا محفزه هو المتابعة اليومية والقراءة الجادة للرواية العراقية ،وأدركت نتيجة ذلك ان السرد العراقي يمتاز بجديته منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي واستمرت تلك السمة تشكل طابعه الخاص حتى اليوم ،لذلك غالبا ما يؤخذ مأخذا جادا في الدراسات الاكاديمية والحرة ،لأن السارد العراقي معنيّ بهذه الجدية التي هي التعبير الأمثل للذي جرى ويجري معنا اي مع عموم الناس الذين دفعوا ثمنا باهظا من حياتهم .. السرد العراقي علا شأنه خصوصا في الاونة الأخيرة وراح ينافس اهم الاصوات في السرودات العربية ،ودخل في منافسة لم يكن يتصور انه سيصلها في يوم ما .. ان السرد العراقي وأول من يعنيه ذلك هو خالقه السارد العراقي يعتب على اثنين من صناع السرد العربي اولا : يعتب على الناقد العربي الذي لا يتناول المسرودات العراقية من قصة ورواية . والثاني يعتب على المثقف العراقي الذي يعيش في المهجر او المنفى الكيفي ،في ان هذا المثقف ضل كما هو لا يغيّر من نظرته الناشفة البعيدة عن مؤازرة النصوص العراقية ..

{ لماذا يتحاشى المثقفون العراقيون الخوض في القضايا الوطنية المصيرية ،هل هو النزوع الابداعي وان المثقف اختط طريقا لا تمر من تحت اشرعته السياسة وان نقاء الاستقلالية هاجسه الأخير ؟

– ليس ما يطرحه السؤال حقيقة او ظاهرة متداولة ،اذ ليس كل الادباء يجافون السياسة كمعطىً اجتماعي وحضاري بل هناك العديد من الادباء والمثقفين يتعاطون السياسة ويدافعون عن الوطن وعن حقوق المظلومين والمضطهدين ويسعون لفضح السراق ولصوص المال العام ،غير ان السياسة تثير حفيظة البعض من الادباء والروائيين والكتاب الآخرين ،لوجود العنصر البراغماتي النفعي  الانتهازي ولهذا نجد الكثير منهم يحذر من الخوض في غمارها نظريا وعمليا ،وعلى هذا يطمح المثقف المنتج ان يبقى انجازه الابداعي بعيدا عن تلوث السلطة ودسائسها المتكررة على صعيد الواقع او على صعيد الاطاحة بالأخلاق العامة  ،فالطعن في نظافة السياسي العراقي ( خصوصا بعد مرحلة الاحتلال ) اصبح امرا ميسورا ولا يحتاج الى دليل لأن نسبة 95 بالمئة  من السياسيين طارئين على السياسة وهم دخلاء عليها وأرجو ان تعود الى حرفهم وأعمالهم قبل استلام السلطة في 2003 ،ستجدها بعيدة عن الهم السياسي والوطني بل ستجد ان اغلبهم يمكن توصيفه ب شخص خارج التاريخ  .

{ كغيرك من المثقفين والمبدعين العراقيين الذين اثر فيهم الحصار الاقتصادي بدرجة كبيرة كما هو الحال مع كل المثقفين الآخرين كيف كانت الاحوال لديك ؟

– نعم كان الحصار امتحاناً قدرياً ساهمت في صنعه اكثر الامم عدائية للعرب وللعراقيين ،لقد كنا نلمس ان الامم كلها ضدنا وقد لحقني منه موت ابي وأمي وأخي الاصغر نتيجة شح الغذاء وانعدام الدواء ،وبالطبع لم تتضرر الطبقات الثرية المتخمة بل دفع ثمن الحصار ابناء الفقراء ،وعلى الصعيد الشخصي باشرت ببيع مكتبتي وتحولت الى بائع كتب ،ولمدة اربع سنوات  ،ولم يقدم لي احد اي عون على انقاذ افراد عائلتي ولم تسعفني مؤسسة او جماعة ،بل شاهدت بأم عيني كيف رحل والدي بسبب نقص الدواء وظل يعاني وحيدا ولا يجد من معين  .

{ الى اي مدى استقل السارد العراقي  عن ذاته في سرديته  الابداعية والخروج منها . هل هناك استقلال تام ام ترى انه لا يزال يعكس صوره الشخصية ويصدرها للقارئ بأسلوب رشيق وواقعي دون ان تكون الفكرة مبتدعة من الخيال والتي يفترض ان تكون فاعلة  ؟

– يعود هذا الذي يطرحه السؤال الى تعامل المؤلف مع الشخصية الروائية وكيفية بنائها وما هي الطرائق المناسبة لخلق حالة من الحياد والموضوعية بينه كخالق للشخصية وبين الموضوع ،وقد يتبع المؤلف طرائق عدة في خلق فاصلة فنية لموضوعه ربما يلجأ الى الترميز او خلق معادل موضوعي او اللجوء الى التورية ،لكن الافضل ان يتناول نصه كما هو ،اي بأسلوب واقعي مستثمرا الخيال الذي يمكن ان يمنحه بعدا غير متوقع ،وهذا حصل في الكثير مع الروايات ذات البعد الواقعي والتي تغلغل في اعطافها الخيال الخلاق مما جعل منها تحفة فنية نادرة ،لكن ليس كل من تناول شخصيته كروائي في رواية اعدم في طريقه نعمة الخيال بل العكس يمكن ان يكون هو الصحيح ،حيث يتمتع المؤلف بمخيلة مترعة بالصور والحكايات فإن المخيلة ستعمل على تزكية الشخصية الروائية حتى لو عرف القارئ ان البطل هو المؤلف …

{ ما هي حصيلتك وانجازاتك طيلة فترة عمرك الابداعي ؟ وهل حققت طموحك في توصيل ما تريد الى القارئ وفي الانتشار عربيا وعالميا ؟

– طموح الانسان لا يختصر مهما طال العمر وتحققت الاحلام بسبب ان الطموح كالحلم يتكرر ويتجدد ويعاود المجيء ثانية وثالثة ،والإنسان الذي لا طموح ولا حلم لديه انسان منقطع عن التواصل مع الحياة ،وبالتأكيد ان الطموحات نوعان ،عامة وذاتية وعلى المستوى الذاتي،تمكنت من اقتناص بعض من احلامي وطموحاتي ولكن الكثير منها انتهى او تم تأجيله ،ولقد بذلت جهودا جبارة للوصول الى ذلك الضوء البعيد الذي يومئ لي ان تعال وسوف تصل ولكن لم اصل اليه ،رغم اني مازلت اسير والطموح يغريني في مواصلة المسير .. اما الطموحات العامة ،اي ما يخص البلاد التي اسمها ارض السواد فلم ارَ بريق امل يلوح في الأفق قط  ، اما الانتشار عربيا وعالميا فهذا امر نسبي ،اذ قد تكون معروفا في مصر ولمثقفيها لكنك غير متداول في الخليج وقد تفاجأ بحضور قوي لديك في سوريا ومثقفيها غير ان ما يجعلك في حيرة انك غائب في لبنان ،وربما العكس صحيح ايضا ..

{ هل من كلمة اخيرة ؟

– نعم لدي امنية وليس كلمة ،هو ألا تحذف  اية عبارة من حواري معك وأن لا يتدخل احد الزملاء في الصفحات الثقافية ويتشاطر معنا … تحية لك وللجريدة  …