الفنان التشكيلي السوري عصام درويش.. سمفونية لونية رهيفة تناجي وهج الروح
صبري يوسف
حالما أعبر معالم فضاءات ألوان الفنَّان التَّشكيلي السُّوري عصام درويش، أجدني مبهوراً بلوحاتٍ شفيفة للغاية، منسوجة من شهقات خيالٍ موغلٍ في أشهى مذاقاتِ الحياة، لوحات متلألئة برهافة باذخة في مناغاة تدفُّقاتِ وهجِ اللَّون، كأنَّ ريشته وإشراقات ألوانه في سباقٍ عميق مع ترجمة مشاعره الغارقة في صفاء الألوان، في قراءة طلاسم بوح النّدى، يرسم نضارة اللَّون بطريقة ساحرة، هادئة، مضيئة، مفرحة، رهيفة، ناصعة، كأنّه مجبول من لونٍ منبعث من حبور النَّسيم، من مذاقِ الفرح والحنين إلى اللَّيالي القمراء. لونه يتماهى مع نسيم الصَّباح مع هدهدات فيروز، مع ازرقاق سموِّ السَّماء، مع رهافة المطر، مع أسرارِ الغمام، مع نعومةِ الحرير، مع حنين العشَّاق إلى اخضرارِ المروج، مع بسمات النّجوم في عتمِ اللَّيل.
يلتقط ألوانه من هواجسه الهاربة في ظلالِ غابات الرّوح، من حفيف أحلامٍ معرَّشة بحبور الطُّفولة وبهجة الصِّبا، ناسجاً من تجارب الحياة لغة لونيّة شاعريّة محبوكة بتوهّجات ألوانٍ ممراحة، تنساب ألوانه ألقاً وهدوءاً وبسمة وشغفاً إلى عناقِ أسرار اللَّيل، غائصاً غوصاً عميقاً في دقَّات القلب ومراميه الشَّهيّة، مفرداتٌ لونيّة معبّقة بتشكيلاتٍ غارقة في البهاء والضّياء والسّناء، بشفافيّة دافئة دفء سكون اللَّيل. يرسم كمَن يبتهل للموسيقى لما يمتلك من انبلاجاتٍ لونيّة مبهجة لانبعاث دقّات حنين الرّوح إلى وهج الفرح الغامر فوق انسيابيّة تجلِّيات آفاقِ حبورِ الخيال!
الفنّان التّشكيلي السُّوري المبدع عصام درويش، فنّان محبوك بوهج الحنين المعتَّق بأصالةِ اللَّون المنبجس من مذاقِ طينِ الحياة، إلى هدهدات اللَّون، كأنّه يناجي قلوباً عطشى للمطر، عطشى للحياة، للحبِّ، لأمواج عذوبةِ البحار. يرسم حفاوة اللَّون برهافةٍ موصولة على مدى ابتهالات ألق الرّوح، على إيقاع رقصةِ ألوانٍ مجنّحة نحوَ بسمةِ الأعيادِ في صباحات نيسان، مستولداً عبر ريشته الرَّهيفة حواراً لونيّاً مع تمتماتِ الصَّمتِ تارةً ومع لواعجِ الحنين تارةً أخرى، عبر تهدُّجات صوفيّة دافئة في تكويرات عناقيّة، موغلة في مرامي الأشواق المنبعثة من خيوط اشراقةِ الشَّفق على أنغامِ تغريد البلابل، كأنّه في سياقِ عرض سيمفونيّة لونيّة لمناجاة وهجِ الرُّوح. يبدو عبر تجلِّياته اللَّونيّة كأنّه في حالة احتفاء لتجسيد أشهى ما في نضارةِ اللّون من شهقاتِ الإبتهال، ترتقي عنده شفافيّة بهجة اللّون عالياً عبر تناغمات دفء تشكيلٍ محبوكٍ على مدى تدفُّقات منابعِ الألوان. يتماهى بشغفٍ عميقٍ مع تناغماتِ انبعاثِ اشراقة اللَّون، لما لديه من صبرٍ معرَّشٍ في أسرارِ عناقِ حفاوةِ الألوان، يعبر عميقاً في أسرارِ مسامات اللَّون كأنّه يحبك لنا أغنية من طبقات صوتيّة بهيجة عبر براري مرامي ألوانه. يرسم لوحته كمَن يعبر رحابِ ذاكرة مفروشة على مساحات أبهى تجلِّيات جموحِ الرّوح، ململماً أصفى انسيالات البهاء والجَّمال ودهشة اللِّقاء ولحظات منفلتة من رحاب الحلم. يرسمُ أحلاماً تاهت في منعرجاتِ الحياة، شوقاً مزنَّراً بأرخبيلاتِ شهوةِ الإشتعال، بحثاً عن أبهى الألوان. أتابع أعمال الفنّان عصام درويش منذ زمنٍ بعيد، وشاهدت الكثير من لوحاته، والتقيته عبر الشَّبكة فكانَ هذا الحوار:
{ تتميزّ لوحاتك برهافة بديعة في الدِّقة والتَّفاصيل وإشراقات اللَّون، كيف تنامى عندك هذا الألق اللَّوني؟!
– تعرف يا صديقي إنّنا ولدنا وفي عيوننا شوق إلى النُّور واللَّون .. من ظلمة الهيولى انبثقنا وعندما خرجنا إلى الحياة صرخنا وانبهرنا باللَّون والضَّوء ..أنا الآن في خريف العمر، وعندما أرجع إلى القصص المصوَّرة الَّتي انبهرت بها في طفولتي، استغرب زوال سحرها عنِّي .. لقد نبتت أمام أعيننا ستارة طغت على اشراقات الصِّبا وكلَّما أوغلنا في العمر، ازدادت سماكة تلك السِّتارة والمحظوظين فقط يتمكَّنون من إزالة تلك السِّتارة والعودة إلى رؤى الطُّفولة. نحن بحاجة دائماً إلى سحرٍ ما، للحفاظ على نقاء رؤى الطُّفولة، ليس بالنّظر فقط وإنّما بإزالة الشَّوائب الَّتي علقت في أذهاننا واستخراج كنوز الرُّؤى الأولى من عمق ذاكرتنا والاستعانة بالحبِّ لتأجيج حساسيَّتنا الَّتي تأكلها الأيَّام دون رحمة. لدي في منزلي حديقة جميلة اعتنيت بها بمزاج خاص استعين بموجوداتها من نبات وشجر وعمارة وحركة الماء على ضجّة الخارج وانشئ حواراً يوميّاً مع روحها وهو ما يبعث في نفسي الاطمئنان من جحيم ما يجري الآن في بلدي سورية .. إنّه نوع من الانفصال المؤقَّت عن ضراوة الأخبار الَّتي أتابعها بجنون .. وهو ما يمدُّني بالقدرة على الاستمرار في الحياة والفن. { متى ترسم، كيف ترسم، ما هي المراحل الَّتي تترعرع عندك اللَّوحة فيها؟!
– لا يوجد وقت معيَّن للرسم .. إنَّه نوع من الضَّغط الَّذي يلجأ إليه الدِّماغ عبر اليد لاجبارك على الجّلوس مواجهة اللَّوحة ملغياً كل امكانيّة أو مشروع آخر. لا أرسم يوميّاً ولكنَّني أعيش يوميَّاً وفي ذهني مشاريع لوحات تتراقص أمام عيني .. آلاف اللَّوحات لا ينتج عنها إلَّا القليل فقد اخترت أصعب طريق يمكن أن يسلكه فنّان لانتاج عمله، فأنا لا أتساهل مع نفسي ولا آخذ موضوع الفن باستهتار ولا أتعاطف مع الفنِّ السَّهل وقد لجأت خلال تاريخ طويل من سلوك درب الفن إلى أساليب تتطلَّب عملاً مضنياً ومرهقاً ويحتاج إلى الكثير من الوقت وأستطيع أن اقول بأنّني لهذا السَّبب بالذَّات راضٍ عن كلِّ ما أنتجته من أعمال وأستطيع تذكُّر كلّ مساحة وضعتها في كلِّ لوحة وما عنتْه لي في لحظة انجازها ورغم انتقالاتي التِّقنيّة القليلة فإنَّ كلا منها التزم معاييراً لا مساومة فيها من القيم الفنِّيّة الَّتي ترفض الإملاء الخارجي لهذا السَّبب أو ذاك، والتِّجاريّة والبحث عن المنفعة لإرضاء جهة أو شخص أو ايديولوجية فقد كان مزاجي المحض وما أؤمن به ورؤيتي الخاصّة الَّتي تجمع بين الإخلاص للفن وللمعايير الإنسانيّة هو الَّذي يعيِّن مسار ونوعية عملي الفنِّي. { ترسم المرأة بحفاوة بهيجة، ماذا تعني لكِ المرأة عبر تجلَّيات اللَّون؟! – إضافة إلى الميل الطَّبيعي للأنثى هناك ما شغلني دائماً في رحلة الجَّمال، أستطيع الآن وبسبب العمر والخبرة الطَّويلة أن أنسبه إلى الشِّيفرة الوراثيّة، فنحن كذكور على الأقل، نتمتَّع بالجَّمال الانثوي بشكل اجباري .. انّه يناسب شيفرتنا الوراثيّة حتّى بالتَّفاصيل والانسيابات والتكوُّرات والخطوط المنحنية اللَّطيفة. أنّه موجود ليجذبنا ولا مفرّ من ذلك .. ولكن بالنسبة للفنّان فإن حجم ذلك يتضاعف كثيراً. أنّه يشكِّل مصيدة لعين وعقل الفنَّان ابتداءً بالمسار الَّذي يسلكه الضَّوء على الجَّسد الانثوي العاري، مروراً بالتنوُّع اللَّوني تحت أضواء مختلفة إلى الإيحاءات الإيروتيكيّة الَّتي تجول خلف كل تلك الرُّؤى السَّاحرة. وقد شغلني الجَّسد الانثوي ولا يزال، ولكن المرأة ككيان في هذا الشَّرق المجنون شغلتني أيضاً، شغلني ذلك التَّناقض اللَّعين بين الحاجات الطَّبيعيّة للبشر في علاقاتهم ببعضهم والَّذي يستوجب حرِّيةً ولطفاً وعلاقات متوازنة وبين القمع الّذي مورس بحقِّ المرأة طوال تاريخ مشوب بالاحتقار والابعاد والمحرّمات من جهة وبين غوص في خيالات مريضة وممارسات مكبوتة مارسها طوال قرون فكر آمن بالفصل العنفي بين المرأة والرّجل مستخدما ايديولوجيات “مقدسة” للدلفاع عن سياساته المدمرة. { هناك لغة رهيفة فيها إيقاع موسيقي وتناغمات أشبه ما تكون رحلة حلميَّة في حبور النَّغم، ما دور الموسيقى في خلق رؤاك اللَّونيَّة؟!
– للوحة موسيقاها الخاصّة والَّتي تتألَّف عموماً من الخطوط والألوان وتوزّع الإضاءة وأيضاً شحنة عاطفيّة مخفيّة لا يراها إلّا محبُّو الفنّ. وبالنسبة لي فانّني اشتغلت دائماً على أجواء تنعم بعناصر واقعيّة دون أدنى مبالغة ولكن لعبة لونيّة ونورانيّة تقف وراء ذلك الإحساس بجوِّ الحلم الَّذي يسيطر على الأحاسيس ويمنحها غرابةً وانطباعاً غير أرضي .. هنا يكمن جوهر عملي فأنا لست رسَّاماً للمناظر الطَّبيعيّة ولستُ رسَّاماً للمجاميع البشريّة وإنَّما مخترع لجو .. وهو جو لا نستطيع رؤيته في حياتنا اليوميّة لأنّه تركيب من ضوء ولون ووجود أنثوي سرِّي وغامض في علاقته بالمكان. أنّه سرّ مخبَّأ في طيَّات لون وضوء وهو جو يمكن الحديث عنه ولكن لا يمكن إدراكه إلَّا بالمشاهدة المتأنِّيّة النَّابعة من القلب. وهو لهذا كلّه يشبه الموسيقى في نواحٍ عديدة، وفي أحيان كثيرة يجري صنعه تحت تأثير أفضل الموسيقى.
{ ترسم لوحاتك برومانسيّة عميقة، كأنّك تكتب شعراً عبر فضاءات الطَّبيعة وتناغُمِ الأرضِ مع هدهدات السَّماء وغمام اللَّيل، لوحاتك معتّقة بدفءِ القصيدة وحوار اللّون مع بهاء الطّبيعة!
– هناك أيضا توليفة خاصّة، نوع من عمل على مشتقَّات لون واحد يتفتَّح مشتق من مشتق، يزهو بعضه بعد إخفاء أكثره .. وبينما تظنُّ أن منطقة في اللَّوحة تكاد تموت يبرز فجأةً ضوء زهرة لينير المكان. لا يوجد مكان هنا للعبث فكل عنصر في اللَّوحة يأخذ معناه من نفسه ومن جواره ومن المعنى العام الذي يخاطبك كمشاهد .. ولكن لعبة اللون والضوء تمنع حضور الفكرة المكثف، فنحن هنا بحضور عمل فنِّي ولسنا في جو محاضرة. دور الجَّماليات هو قمع تسلّط الفكرة والدَّعوة إلى التَّفرُّج والتَّمتُّع وهو تناوب ضروري بين المعنى والشَّكل يجعل حواراً لطيفاً وغنيَّاً يستمرُّ بالتواجد بين اللَّوحة والمشاهد دون تكلُّف وهو بهذا يشبه الشِّعر في كونه كلمات تستند إلى اللُّغة ولكنّها تلعب في فضائها الخاص مخــترعة لغة أخرى.
{ تزهو زهرة من كأس شفيف، تشمخ في فضاء معبّق بازرقاق فاتح يتدرّج نحو بياض متناثر على مساحات اللّوحة، ما هذا الألق المنبعث من بهاء الازرقاق مع بياض شفيف في حبور اللَّوحة؟!
– هذا الشُّعور يتأتَّى عموماً من التَّوليفة وأيضاً من حساسية المصوّر وحوار اللَّون والضَّوء .. وهو أمر لا يمكن تعلُّمه وأعتقد أنّه يسمو فوق التَّعلم ويتّجه لمنطقة الأحاسيس العميقة وهو نتاج ثقافي ومعرفي أيضاً فلا يمكنك صنع جو فيه شحنة عاطفيّة كبيرة دون أن تحمل معك ماضيك وحاضرك، قراءاتك ومشاهداتك وكلّ ما ساهم في صنعك كإنسان وكفنّان .. كلّ ما قرأت وسمعت وشاهدت .. كلّ لمسة تذكّرتها وكلّ لحن شارد بعيد سمعته وكلّ التفاتة وكلّ نظرة .. من جهتي أحبُّ الطَّبيعة الصّامتة وعملت عليها كثيراً ولكن بتصعيد يذكر بالبشر وبالعلاقات وبروحانيّة الحبِّ ومجونه وتذكَّرت دائماً وأنا أرسم الزُّهور عواطف البشر وانفعالاتهم العصيّة على الحصر.
{ماذا تريد أن تقول وأنت ترسمُ شجرة شامخة في صدر اللَّوحة، في معبرِ جبلين يزهوان بأشجار من أسفل الجّبلين حتَّى أعلى منحدراتهما، تاركاً السَّماء تعانق الأرض بانسجامٍ لوني بهيج؟!
– أحبُّ الطَّبيعة ولكنّني أحبُّ أن تقول شيئاً للمشاهد .. أن يحسَّ أمام الشّجر والهضاب والسَّماوات البعيدة بذلك الشُّعور الغامض، الخفي، والَّذي يسري كالقشعريرة في أوصاله معبِّراً عمَّا حملناه في تصوّراتنا العميقة من خضوع للجمال والانبهار به مثلما عن خوفنا من المجهول الَّذي يقع خارجنا كلَّما أوغل في الابتعاد عنا. وبالنسبة لي لا أرى مطلقاً في الشَّجرة مجرّد شجرة. إنّها عنصر في مجموعة عناصر تحيلنا إلى سرِّ الكون وعلاقتنا به وسؤالنا الدّائم عن سبب وجودنا في الكون وسبب رحيلنا عنه.
{ ما هي الاسقاطات الَّتي تودُّ أن تقولها عبر لوحة لإمرأة يرفرف وشاحها مع النّسيم، مغطّياً الكثير من معالم دمشق الَّتي ظهرت عبر خلفيّة اللَّوحة؟!
– هذه من أعمالي الجَّديدة والَّتي تنتمي إلى المرحلة ما بعد 2011 في سوريا .. المرأة هنا هي دمشق وفي خلفيَّتها قاسيون .. الكارثة الَّتي تعيشها سورية الآن تطلَّبت أعمالاً فنِّيّة مختلفة وأحدثت انزياحاً في التَّعبير لشدّة وقعها وما سبَّبته من ضحايا ومآس .. وأعتقد أنَّ ما يجري على الآرض السُّوريّة سيخلق انتاجاً خاصَّاً ومختلفاً في الفنِّ التَّشكيلي السُّوري وسيشكِّل مرحلة من أغنى المراحل في تاريخه، وسيدخل إلى وجدان كل فنّان سوري جاد في عمله بعداً مختلفاً بأساليب ورؤى مختلفة.
{ زهرتان أشبه ما تكون زنبقتَين بنفسجيتَين متعانقتَين، أراك جانحاً نحو عناق الطَّبيعة والإنسان!
– تلك الوصلة بين الزُّهور والإنسان تطلَّبت منِّي سنوات طويلة من العمل .. وأشعر دائماً أنَّ الإنسان يشبه الزُّهور في حالات الوجد والحب الَّتي يصبح فيها أقرب إلى إنسانيّته. وأعتقد أنّها منطقة اشتغل عليها الفن لحثِّ الإنسان على إظهار أفضل ما فيه .. وقد أسرتني أنواع عديدة من الزُّهور أحسست بأنَّها تشبه الإنسان، خصوصاً زهرة زنبق الماء السَّاحرة “الاروم” والَّتي اخترعت بواسطتها مشاهد حب لا تنسى.
{ إمرأة تكمُّ فمها، وتمسك بيدها الأخرى عصفوراً، ألوان بنّية متدرّجة نحو الإصفرار في بعض فضاءات اللَّوحة، هل تنتظر المرأة الحرّيّة الَّتي تطالب باطلاق سراحها وسراح العصفور أيضاً؟!
– هنا أيضاً تدخل المأساة السُّوريّة إلى أعمالي وهو ما تطلَّب تغييراً كبيراً في التَّقنية وابتعاداً عن عالم الرُّومانسيّة فحجم ما يحصل في سورية رهيب ولا يحتمل .. في اللَّوحة الَّتي تسأل عنها عمل بلون واحد على أرضيّة من ورق الذَّهب. هناك مبالغة صغيرة في حجم اليد الَّتي تكمِّم الفم في تعبير عن الألم وعدم التَّصديق وهو السُّؤال الَّذي يجول ببال كل سوري: “هل ما يحصل هو حقيقي أم كابوس”. أمَّا طائر “الستيتيّة” المشهور بدمشق خصوصاً فالمرأة تحاول حمايته ممّا يحدث من أهوال حوله.
{ ترسم طبيعة صامتة، حيّة تتكلّم أكثر ممَّا يتكلَّم المرء من خلال التَّرميزات، إلى ماذا ترمز بقميص نوم امرأة بلون أزرق شفيف وجميل، مركون على كرسي وبجانبه باقة زهور جميلة، بألوان مدهشة؟!
– شاركت هذه اللَّوحة إضافة إلى عملين آخرين في بينالي فينيسيا في دورته 51 وهي جزء من أعمال اشتغلتها تحت عنوان عريض هو “حضور الغياب”. وهو رؤيا عن القوّة الَّتي يتمتَّع فيها الغياب بالحضور إذا استطعنا التَّعبير عنه بواسطة أشياء شخصيّة تركت أو بالإضاءة على أشياء محدَّدة .. وقد سحرتني ثياب المرأة المتروكة والَّتي نستطيع توهيجها بحيث ننفخ الرُّوح فيها. بدأت الفكرة من حادثة جرت مع صديقة أخبرتني بأنّها تضرب على يد زوجها وأنّها تتمنَّى لو تختفي عن عيونه في تلك اللَّحظات المجنونة، ولكنّها أيضاً نتاج رؤية عن المرأة كغرض متروك بالنسبة للبعض. ولكن أجمل أعمال ذلك العنوان كانت تلك الَّتي أحتفي بها بالجَّسد الانثوي من خلال ألبسة بسيطة تجلس عل كنبة بكامل ألقها وحضورها محاطة بالزُّهور الَّتي تبدو وكأنّها أضواء من كوكب آخر.
{ مرّة أخرى ترسم قميص إمرأة بتدرُّجات بنّيّة، كأنّها هيئة إمراة جالسة على صوفاية وبجانبها تفَّاحة، وعلى مقربة منها طاولة فوقها صحن تفَّاح، تحضر المرأة بترميزات عميقة في لوحاتك!
– الحضور النَّفسي والجَّسدي للمرأة في الأعمال هو جزء من تصوير عالم الجَّمال وجزء من الإضاءة على ما يحدث في مجتمعاتنا وهي خلطة شاملة يتمازج فيها هذين العاملين ضمن رؤية تصويريّة تهتمُّ إلى أبعد الحدود بعناصر التَّشكيل بحيث لا تغلب الفكرة مهما كانت مهمّة على العناصر الأساسيّة للعمل الفنّي .. وقد صوَّرت الاختباء كأحد الموضوعات المهمّة الَّتي عيَّنت إلى حدٍّ بعيد أسلوبي في العمل الفنِّي ولم أنسَ أبداً أنّ العمل الفنِّي ليس موضوع تمتُّع جمالي فقط، الأمر الشَّديد الأهمية بحدِّ ذاته، بل هو جزء من رأي الفنّان حول العالم وما يحيط به .. وأعتقد أنّه اذا لم تنشئ اللَّوحة حواراً دائماً مع المشاهد فإنّها لا تعدو كونها تجربة بصريّة جيّدة إلى هذا الحدِّ أو ذاك.
{ للمرأة والطَّبيعة حضور قوي في معالم لوحاتك، فتاة جميلة تنظر إلى الأفق البعيد وهي جالسة على مقعد أمام البحر وتبدو الجّبال البعيدة متناغمة مع حالةِ الإنتظار والتأمُّل، رموز وتناغمات لونيّة شاهقة!
– التَّأمل جوهرة من جواهر الفنّ، أتأمَّل الخارج باستمرار كأي إنسان طبيعي وأتأمَّل الدَّاخل أيضاً، وقد صوَّرت التَّأمل كحاجة بشريّة ووقت مستقطع عن الانغماس الكامل في الشُّؤون اليوميّة، وأجد أنّه الشُّعور الأصفى لدى الإنسان وهو ما يفصله عن غيره من الكائنات لأنَّ في قلبه نوع من التَّفكير المسالم العميق، إنّه نوع من الاتصال الخفيّ مع الخفي في محاولة لقبوله وهو وقت خارج الوقت وقد رسمت أعمالاً أحبها عنه.
{ ماذا يراودكَ وأنت ترسم كلّ هذا البهاء، وأنتِ محاصر بصراعات وانشراخات لا تخطر على بال؟!
– في بداية المأساة السُّوريّة وعندما أصبح الصِّراع مسلَّحاً انقطعت عن الرّسم وعشت وقع الأحداث الدَّامية غير مصدّق وكأنّني في كابوس .. ومع استمرار الكارثة بدأت تترسَّخ في وعيي وتصبح حقيقة صدقها عقلي وبدأت منذ تلك اللّحظة تظهر في الأعمال تلك التَّغييرات في الرُّؤية والرُّؤى .. في البداية ظلّ جو لطف الحضور الانثوي مع إضافات عن تهديدات لوجوده وبدأ بالتَّصاعد في الأعمال الألم الَّذي أصاب النَّاس والقلق والرُّعب وعدم التَّصديق والرَّفض واللّوم وكلّ المشاعر الَّتي تقول وباختصار: كفى، لقد دمَّرتم سوريا .. وهي رسالة لم أكُنْ لاصدِّق أنَّني سأقولها يوماً في ظلِّ وهم الاستقرار الَّذي عيّن عالماً جميلاً وساحراً كنت قد عشت على انجازه والفرح بوجوده.
{ هل الرّسم، طموح المبدعين، قادر على إزالة أو تخفيف الأنين المتفاقم فوق أحلامنا المتشظِّية؟!
– لا أرسم لأخفِّف الألم بل لاضيء عليه. إذا كانت الأعمال الفنِّيّة جيدة فهذا يعني أنّها تعطي رأياً بما يجري وإلَّا فهي تنتمي الى “فن الأحد” ، وهو الفن الَّذي يُنْجَز على يد هواة في العطلات. وأجد أنّه لا يمكن لفنّان يتعرَّض بلده لأعمال قبيحة بهذا المقدار ولا يتأثَّر ويؤثِّر بها .. وإلّا فإنّه يكون خارج الزَّمان والمكان. ولكنّها ليست طبعاً دعوة ليمسك كلَّاً منا أشلاء النّاس ويضعها كيفما اتَّفق على بياض اللَّوحة .. فالتَّأثُّر والتَّأثير يمكن أن يسلك طرقاً إبداعيّة عصيّة على الحصر ولا تخدش الذّوق الَّذي يقبع في قلب كلِّ عمل فنِّي وهنا أعطي مثالاً عن هذا النَّوع الرَّاقي من الأعمال الفنِّيّة بلوحة “الغيرنيكا” لبيكاسو والأمثلة أكثر من أن تحصى. وإذا كان هناك من يقول أنَّ العمل الفنِّي لا يؤثِّر في حرب ضروس فلينظر إلى الغيرنيكا وتأثيرها الهائل في الضّمير البشري.
{ ما هو دور الطُّفولة في صفاء معالم لوحاتك وتشكيلك اللَّوني الشَّفيف؟!
– إنَّ العودة إلى رؤى الطُّفولة على صعيد نقاء تلقّي الضَّوء واللَّون وروعة الاكتشافات الأولى هو مطلب للكثيرين من الفنَّانين وأنا منهم فغالباً ما تكون المعرفة، على أهمِّيتها الدَّاخليّة العميقة عائقاً أمام استرجاع براءة اللِّقاءات الأولى في عالم الضَّوء واللَّون والأصوات الَّتي تشكِّل منجماً لا ينضب من العوامل الأوليّة للجمال وهو ما يساعد على إزالة الشَّوائب الَّتي علقت بقدرتنا على استحضارها.
{ لماذا تراجع دور المبدعين في خلق وترسيخ معالم الجّمال في دنيا الشَّرق؟!
– لا أعتقد أنّه تراجع، ففي سوريا على سبيل المثال هناك أجيال مهمّة من التَّشكيليين السُّوريين الجَّيدين والواعدين، وكذلك في العديد من البلدان العربيّة .. ولكن البيئة الَّتي يعملون فيها ليست دائماً بيئة صديقة نظراً لتعاظم الصِّراعات على اختلاف أنواعها في بلدانهم وشيوع التَّعصب وصعود تيَّارات أصوليّة ترغب في إزالة الإبداع بكلِّ أنواعه، إلَّا إبداع القتل طبعاً.
{ ماذا يعني لك الحلم، المرأة، اللَّون، الطَّبيعة، الزَّمن، الحياة، الرّسم، الشِّعر، الإبداع؟!
– الستّة الأولى هي ما تعبر عنه وتعايشه، وتوجد بفضله الثَّلاثة الأخيرة ..
{ مَن هو عصام درويش الفنَّان، الإنسان، الفرد، متى تبكي ومتى تحلِّق عالياً وترقص فرحاً؟!
– ولدت في بيت عربي جميل بدمشق وعشت طفولة غنيّة بالرُّؤى وبالأحداث، وهي لم تكُنْ طفولة سهلة ولكنّها مليئة وجميلة وفي الشَّارع العام لصق بيتي كان هناك ساحة نلعب فيها وتقع فيها كلِّية الفنون الجَّميلة، المكان الأحب إلى قلبي منذ الطُّفولة الأولى والَّذي درست فيه فيما بعد واحتضن تجاربي الألطف في الحياة والفنّ .. وقد شكَّل الفن دائماً عشقي الدَّائم وحياتي اليومية كرسَّام وككاتب في الفنِّ وفيما بعد كصاحب لواحدة من أفضل صالات الفن في سورية على امتداد ما يقارب الثَّلاثين عاماً، قضيتها في عوالم الفن والفنَّانين والمقتنين ومشجِّعي الفنّ ومحبِّيه، كوَّنت خلالها أفضل الصَّداقات وقضيتُ أحلى الأوقات .. كما ساهمت في افتتاح صالة بلاد الشَّام في فندق الشَّام بدمشق لمدّة سنتين وتشرّفت بالشَّراكة في مرسم صديقي واستاذي الرَّاحل فاتح المدرِّس مع زوجته الرَّاحلة الصَّديقة شكران الإمام في غاليري “مرسم فاتح المدرِّس” . الحياة لا تمرُّ طبعاً في طريق مستقيم دون عوائق دائماً،.. فرَحتُ وحزنتُ وأحببتُ ورقصتُ وضحكتُ وبكيتُ .. ولكنَّني أعتقد في النّهاية أنّني عشت جيّداً وعببت من الحياة ملء قلبي.
{ ما هي المنابع الَّتي شكّلت تجلِّيات عوالمك الفنِّيّة؟!
– لقد جِلتُ طويلاً في الفنِّ الغربي خصوصاً، وتحديداً في الفترة الواقعة بين الحربين العالميتين، ورغم أهمِّيّة عصر النّهضة الَّذي يشكِّل عموداً فقريَّاً للفنِّ الغربي، إلَّا أنَّ فترة بين الحربين وما بعدهما تشكِّل إنجازاً عظيماً للفنِّ، أجد أنّه ربّما أتى بنتيجة المحن الهائلة الَّتي تعرَّض لهما الأوربيون وقد شكَّلت السّرياليّة بمختلف تجلِّياتها اتِّجاهاً خاطبني في العمق رغم أنّني لا أستسيغ بعض المبالغات فيها، وقد شكَّلت لنفسي فيما بعد زاوية خاصّة أسميتها “الواقعيّة السِّحريّة” وأؤمن أنّه من بين العديد من الطّرق للنظر إلى العالم والتَّعبير عنه، توجد طريقة يخضع خلالها كلّ ما نراه إلى تنقية من نوع خاص تنقله من حالته العاديّة إلى حالة شعريّة خاصّة، تشبه الانتقال العجيب للكلمات نفسها الّتي نراها ربما في ضبط الشرطة، حيث وبطريقة كيميائيّة غريبة ذات مسارب سرِّيّة ملتوية تتحوَّل إلى نصٍّ شعري. إنَّ توفُّر هذا الممرّ البنفسجي الحلو هو الَّذي يمكننا أن نرسم وفي ذهننا أرض أحلامنا وتداعيات تأرجحنا الدَّائم بين اليقظة والنَّوم، بين الوعي واللّاوعي بين الحقيقة والوهم، ويجعل ممكنا أن أرسم تفاحة دون عين بشريّة في وسطها، ونرى مع ذلك ودون أدنى شك أنّها إنسان، تلك هي الواقعيّة السِّحريّة.
{ هل تجد أنَّ الفنَّ، الرَّسم، الكتابة، الإبداع بمفهومه العميق بمثابة خشبة الخلاص من همومِ الحياة؟!
– راجعت كثيراً هذه الفكرة، ماذا لو لم أكُنْ رسَّاما؟ وفي كلِّ مرّة أزداد رعباً ..
إذ لا يمكنني أن أتصوَّر الحياة دون الرَّسم. أنّه بمعنى ما قدري ولكنّه بالمعنى الَّذي أفضّله، سروري، بهجتي، وما يعين وجودي كإنسان. ولكن أن يكون خشبة خلاص من هموم الحياة فهذا غير صحيح إلَّا للهواة .. ولكن عندما يكون وجودك نفسه يتعلَّق بكونك رسَّاماً، فهذا أمر مختلف وهو يعني أنّك تفكِّر بالرَّسم وتتنفَّسه وتعيشه وهو بهذا المعنى يجبرك على التَّعامل مع مصاعب الحياة وخوض غمارها وتحديد موقفك بالغوص عميقاً وارتكاب الصِّعاب والتَّحدِّي والظُّفر بزاويتك الخاصّة في زورق هذا العالم المضطرب.
























