الفساد سياسي أم ديني؟ – عبد الكريم يحيى الزيباري

الفساد سياسي أم ديني؟ – عبد الكريم يحيى الزيباري

السياسة فن الممكن، والسياسة سياسة لحاجتها إلى رقابة وإصلاح دائم، كحفَّاظات الأطفال، فلا يجوز صحياً بقاء الساسة فترةً طويلة، كلما طال بقاؤهم، ازدادوا قوةً ونفوذاً بزعزعة المؤسسات وإضعافها، تتحول إلى أوليغاركات من سياسيين ورجال أعمال وزعماء عرقيين طائفيين يتقاسمون المزايا والنفوذ والسيطرة لتقوية تحالفاتهم الفاسدة.

اصلاح سياسي

حاول سقراط الإصلاح السياسي فقتلوه بالسم، بتهمة الكفر بآلهة أثينا وإفساد شبابها. أفلاطون على تل الأكاديمية المطل على أثينا، كتبَ الجمهورية الفاضلة، في الجزء السادس شرحَ كيف أنَّ الديمقراطية: سفينة للحمقى والمغفلين! وناقشَ أرسطو نُظُم الحكم التي وضعها أستاذه أفلاطون وانتقدها بشراسة: حكم الفرد قد يكون فاضلاً وقد ينحرف ليصير طاغية. حكم الأقلية قد يكون صالحاً أرستقراطياً وقد يكون فاسداً أوليغارشياً للأثرياء الفاسدين. حكم الأكثرية قد يكون صالحاً بدستور دقيق وقوي بمن يدافع عنه، وقد يكون فاسداً بقوة الغوغاء. ورأى أرسطو أنَّ علاقة المواطن بالدولة ليست علاقة السادة بالعبيد، بل هي علاقة شَرَاكة ليعشوا جميعاً أفضل وأصلح حياة.

جمال الدين الأفغاني يرى الأمة مريضة عاجزة، دواؤها عدم الإتيان بجديد، والعودة إلى أحوال ما قبل الفساد، والإصلاح الديني لا يجوز توظيفه سياسياً، بينما يجب توظيف الإصلاح السياسي دينياً، وهو رأي معاوية في الفتنة الكبرى، ورأي الإسلام السياسي بأحزابهِ كافة، يتحالف رجال الدين مع الحاكم الفاسد- وإنْ بصمتهم- ثم ينقلب أحدهما على الآخر، هذا هو ديدن السياسة. في فرضيته لم يكد الأفغاني يفرق بين الدين والسياسة، بل جعلهما شيئاً واحداً، وكان يتعامل مع جميع الحكام مع اختلاف جذروهم ومنازعهم بهدف مقاومة الإنكليز أولاً، ثم الإصلاح الديني والسياسي: وتخرج من بين يديه سعد زغلول ومحمد عبده ومصطفى كامل.

كرامات الاولياء

حاول محمد عبده إصلاح الأزهر فكفروه، بتحريض الخديوي والانكليز واتهموه بإنكار كرامات الأولياء والخروج على الفقهاء فقال في فراش الموت: ” ولستُ أبالي أنْ ثُقالَ محمدٌ، أَبَلَّ أم التفت عليه المآتم. ولكنَّ ديناً قد أردتُ إصلاحه، أحاذِرُ أنْ تقضي عليه العمائمُ” أبَلَّ: شُفيَ من المرض. وحاول عبده التوفيق بين أرسطو وأستاذه، فقال: الاستبداد المطلق محرَّم شرعاً، لأنَّ الله أمرَ بالشورى، لكنَّ الاستبداد المقيد أمرٌ مرغوب فيه، وهو يقصد توحيد السلطة التنفيذية بيد حزبٍ واحد، يشكل الحكومة، لتراقبه بقية الأحزاب وترصد أخطاءه وتحاسبه، وكتبَ مقالاً مشهوراً طارَ في الآفاق، بعنوان (إنَّما ينهض بالشرق مُستَّبِدلٌ عادل) والمستبد العادل كالقصير الطويل، أو كما يقول المغني: نصفي ثلج نصفي نار!

الصادق الامين

يقول تعالى (وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) الأعراف: 79. فالناس يحبون الصالحين، ويكرهون المصلحين، فالرسول صلى الله عليه وسلم قبلَ الرسالة كان محبوباً من قريش يسمونه الصادق الأمين، فلما نصحهم هجروه وطردوه وحاصروه وحاولوا قتله، وقالوا: ساحرٌ أو مجنون أو شاعر. يقول تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) هود: 117. ولم يقل وأهلها صالحون. المصلح هو الذي ينهى عن السوء ويحارب الفساد بدءاً بنفسه وأهل بيته وحاشيته، ولا يحاربه في خصمائه من الأغيار، ويغمض عينيه عن البقية، محافظ تكريت في السجن، ومحافظ الأنبار سيلتحق به، كأنْ لا فساد في بقية المحافظات، والعاصمة معصومة، يدخل المتهم إلى المحكمة ليصدر قرار براءته في دقائق معدودات، ويعود البرلماني المتقلب المعترف على شاشات الفضائيات بالسرقة والسلب والنهب، في صفقةٍ سياسية تغلق كل الدعاوى القضائية المقامة ضده، وقرارات المحاكم التي صدرت بحقه غيابياً، ليظلَّ مناضلاً لكلِّ زمانٍ ومكان: بندقيةً للبيع أو الإيجار!

يقول صلى الله عليه وسلم (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) رواه مسلم. الدين نصيحة، فمَنْ لا ينصح- لا يخلص- لا دينَ له، فالنصيحة هي الإخلاص لله ورسوله والحاكم -ما لم يأمر بمعصية أو يكفر- ولعامة الناس. بالصدق والأمانة وفي لغة العرب: ذهبٌ ناصح، أي ليس فيه غش. رجلٌ ناصح: رجلٌ صادق غير غشاش. يخلص لله ويعبده كأنَّه يراه، ويخلص للرسول صلى الله عليه وسلم، بطاعته واجتناب نواهيه والاقتداء بسيرته (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) الأحزاب: 21. لا يقتدي به من يجمع المال والذهب ويعيش في القصور محتجباً عن الناس وحوائجهم. والنصيحة لأئمة المسلمين وحكامهم بطاعتهم والدعاء لهم بالتوفيق والتعاون معهم على الخير وترك الشر يقول الله عز وجل (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) سورة المائدة: 2. وعدم التحريض أو منازعتهم ومنافستهم بإفساد أعمالهم، وتوجيههم إلى الخير وتحذيرهم من المنكر بالرفق والكلام اللين، (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) طه: 44. والنصيحة لعامة المسلمين تكون بتعليمهم ودعوتهم إلى الله سبحانه وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، (كُنْ أنتَ التغيير الذي تريد أنْ تراه في العالَم) الناس لا تقبل من المصلح إلا إذا رأت حاله يتفق مع قوله، فكيف لمن يرفل بالذهب واللؤلؤ والعمارات والشقق المحجوزة في برج خليفة، ثمَّ يأمرهم بالصلاح والصبر؟