
العولمة والصناعة الوطنية – محمود الفلاحي
بدأت الصناعة من قاعدة ضيقة لاسباب كثيرة منها ان اوربا قضت على الصناعات التي كانت موجودة قبل وصولها الى مسرح الاحداث وكانت هذه الصناعات دائما” اللامركزية وضيقة النطاق فمن ناحية قامت الصناعات القروية مثل الحدادة وصناعة الخزف والغزل والنسيج والنجارة والبناء وصناعة السلاسل وقلما يمكن تسويق هذه المنتوجات خارج النطاق المحلي ومن ناحية اخرى قامت صناعات الحرفيين المهرة الذين ينتجون السلع الكمالية للملوك ورجال البلاط وموظف الحكومة والمعابد وكانت المنافسة قليلة فكانت العائلات تنتج الاشغال اليدوية لتلبية حاجاتها الخاصة او كانت هذه الاشغال من اختصاص بعض الطبقات شبة الوراثية وكما يقول الاقتصادي السويدي غونارميردال لم يكن هناك حافز لتحقيق الكفاءة او تحسين التقنيات ولم يكن هذا الامر مهما” الى ان جاء الاوربين ولم يكن هناك اي مكان انخرطت فيه نسبة عالية من السكان في التصنيع مع ان الهند والصين اقامتا بعض الصناعات الهامة التي كانت يمكن ان تزدهر في نهاية المطاف لم تقم الصناعات لان اوربا قضت على الصناعات في بقية ارجاء العالم حيث انخرطت هي في التصنيع وفي حالات عديدة كان الاوربيون يتبعون سياسة معينة لمنع اصحاب المشروعات المحليين من اقامة صناعات تنافس صناعة الدول المستعمرة او دول العولمة وحتى القضاء على الصناعات القائمة بالفعل ولم يسيطر الغرب على الصناعات في السنوات الاولى من خلال التجارة الحرة العادلة ففي بريطانيا مثلا” كان بيع او ارتداء الحرير او التفته المصنوعين في الهند او الصين او بلاد فارس محرما” ودمر بريطانيا ودول العولمة عمدا” كل الصناعات التي انشأتها الهند من خلال تقييد الصناعات الهندية ومنع تصدير ماكنات النسيج البريطانية الى الهند واغراق الهند بالمنتوجات البريطانية والسماح للمنتجات البريطانية بالانتقال الحر بين الولايات الهندية في حين اجبر اصحاب السلع المحلية على دفع كمارك داخلية في حدود كل ولاية الامر الذي ادى رفع اسعارها وحل الخراب بصناعات النسيج الهندية واختفى غزل القطن في القرى تقريبا” وفقد ملايين الغزالين والنساجين مصدرا” رئيسيا” للدخل وفي عام 1908 حين نادى غاندي بالعودة الى الغزل اليدوي كعلاج للفقر كان هذا الفن قد انقرض تقريبا” حتى ان المهاتما نفسه لم يجد بكرة غزل واحدة يشتغل بها وبعد بحث مضنن” في انحاء ولاية الغزل الكبرى كوجرات تم العثور على بعض بكرات الغزل التي كانت قد وضعت في مكان باعتبارها غير نافعه وكانت الهند دولة مصدرة للمنسوجات حتى اوائل القرن التاسع عشر حين حولها البريطانيون الى دولة مستوردة وتدهورت قيمة عملتها وتضائلت معها قوة سكانها الشرائية وكان الامر في النهاية سياسة مدمرة على حد قول كارل ماركس في 1853 وفي تعليق لايزال وثيق الصله بمسائل ( لايمكن للمرء ان يستمر في اغراق بلد ما بمنتجاته مالم يمكن هذا البلد من اعطائه منتجا” ما في المقابل ) فقد كان محرما” على المستعمرات انتاج اي شئ ينتج بالفعل في وطن الام وبدأت براعم الصناعة تظهر في فترة الحروب النابليونية حين انقطع خط التجراة مع شبه جزيرة ابيريا كان من الممكن ان يشكل هذا قاعدة للتصنيع من النوع الذي بدأت به امريكا الشمالية غير ان الفئات التي استولت على السلطة في دول امريكا اللاتينية حديثة الاستقلال في اوائل القرن التاسع عشر والتي احتفضت بهذة السلطة فيما بعد كانت فئات ملاكي الاراضي ومنتجي المواد الخام والبرجوازية التجارية التي كانت تصدر هذه الخدمات لتستورد الكماليات وسلع الرفاهية التي يحتاجها الاغنياء من السكان وكان الصناعيون الناشؤن بحاجة الى تعريفات حمائية لتشغيل مصانهم ولكن الفئات الحاكمة لم تكن تريد ان ترتفع اسعار المنتجات المستوردة ولم تكن راغبة في تطور السوق المحلية للمنتجين بزيادة دخل الفلاحين وهكذا تنبنت امريكا اللاتينية قبل الاوان عقيدة التجارة الحرة التي نشرها البريطانيون وعجزت صناعاتها عن منافسة المنتجات البريطانية والامريكية الارخص ثمنا” ولم تتمكن من النهوض حتى فترة متقدمة من هذا القرن حين ادى الركود الكبير الى انقطاع التجارة من الغرب كما ان في روس التجارة الحرة قتلت الصناعات الوليدة والتقليدية القديمة في البلدان التي لم تستعمر كالصين واليابان التين اجبرتا بالقوة العسكرية على فتح حدودهما للصناعات الغربية ونجحت اليابان وحدها من دون البلدان غير الغربية الاخرى في التغلب على النهج المعوق الذي رسمته الدول الصناعية الغربية وتمكنت في النهاية من التصنيع ورغم هذه المعوقات الاولية تمكنت بلدان العالم الثالث في العقدين او ثلاثة العقود الماضية من توسيع صناعاتها بسرعة ملحوضة وحتى مع وضع معدل النمو السكاني السريع في الحسبان فقد نما الانتاج الصناعي العام والفردي بمعدل اسرع منه في اي بلد غربي باستثناء الولايات المتحدة وفي فترة التصنيع الغربية في سنوات الازدهار 1953-1970 ونما اجمالي الانتاج الصناعي بمعدل 7,2 بالمئة سنويا” ونمى الانتاج للفرد بمعدل 4 بالمئة سنويا” كان معدل النمو في بريطانيا اسرع خلال اسرع مراحل نموها بين عامي 1800 و 1850 3,6بالمئة فقط من حيث الاجمالي للانتاج و 2,2 بالمئة فقط للفرد واستمر النمو السريع بصناعات العالم الثالث في السبعينات وبلغ متوسط 8,7 بالمئة سنويا” بين عامي 1970 و 1975 متخطيا” بهذا الرقم الطموح المستهدف الموضوع في عقد الامم المتحدة الثاني للتنمية وحتى في ازمة النفط القاسية قفي عامي 1973-1974 حيث تراجع الانتاج الغربي استمر انتاج البلدان النامية في التزايد السريع تطورت الصناعات في العالم الثالث عادة لنموذج معروف باسم استبدال الواردات يتم فيه دعم الصناعات المحلية لتحل محل الواردات من الغرب تحت حماية جدار وقائي من التعريفات الكمركية كثيرة ما تكون عالية جدا” وكانت اول الصناعات التي تمت عادة تلك التي تعالج فيها المنتجات المحلية سريعة التلف وبصفة خاصة صناعة الاغذية صناعة الخبز ومعالجة الاطعمة وتعليبها والمشروبات الخفيفة وتليها الصناعات التي تستخدم المواد المحلية الضخمة حيث يزيد تكاليف النقل العالية من اسعار المنتجات الاجنبية كصناعة الاسمنت والطابوق والادوات الصحية والاثاث وتاتي الخطوات الاولى بانتاج السلع الاستهلاكية المتينة من خلال الصناعات تجميع الاجزاء حيث لم يكن العمال على درجة كافية من المهارة او لم تتوفر مساعدة المقاولين الفرعيين المحليين التي تمكنهم من انتاج اجزاء السيارات والثلاجات والافران فيبدأون بتجميع فقط السلع المِشحونة من البلدان الصناعية وتدريجيا” يتزايد نصيب الانتاج الامحلي من مكونات هذه السلع ليخلق فرصا” للعمل في صنع المكونات والادوات والقوالب والاصباغ في النهاية ليصبح بالامكان تطوير الصناعات الرئيسية والماكنات وتستطيع الدولة تطوير صناعة الحرير والصلب المغذية لها ولكن في بلدان قليلة فقط ان لعبة استبدال الواردات يمكن ان تستغرق زمنا” طويلا” حتى تؤتي ثمارها او تقلل من الواردات وهو انه يجب استيراد الماكنات اللازمة للتصنيع وكل الخبرة وقطع الغيار والكثير من المواد الخام مثل انواع البلاستك ومعادن خاصة ولدت استراتيجية جديدة وجدت ترحيبا” متزايدا” في السبعينات وهي التصنيع بهدف التصدير حاولت هذه الاستراتيجية التغلب على مشكلة صغر الاسواق المحلية من خلال انتاج السلع المصنعة للاسواق الغربية بمساعدة شركات غربية متعددة الجنسيات وباستغلال اليد العاملة الرخيصة المتوفرة بكثرة في البلدان النامية تبنت بلدان جنوب شرقي اسيا هذا النهج في صناعة الملابس والاحذية والاجهزة الكهربائية والالكترونية الاستهلاكية بدأ” من اجهزة تنشيف الشعر وحتى الالات الحاسبة والالات التصوير ولكن هذه الاستراتيجية لها متاعبها فتنطوي هي الاخرى على الاعتماد على التكنلوجيا المستوردة من الغرب حيث ان منتجاتها مضطره الى منافسة المنتجات الغربية الاكثر تطورا” في الاسواق العالمية فتطلب عددا” كبيرا” من العمال المهرة والتسويق الفعال وهما امران مفقودان في معظم بلدان العالم الثالث اما اسؤء عيوبها يمكن ان تكون مدمرة لذاتها ساعدت هذه الاستراتيجية في السبعينات على ايقاظ الشعور الحمائي المتزايد في الدول الغربية التي فرضت حصارا” وقيودا ” على استيراد منتجات كثيره من العالم الثالث حيث ان الرئيس الامريكي دوتالد ترامب بدأ بوضع العراقيل امام الشركات الامريكية التي تنشأ معامل خارج امريكا لان تلك المشاريع تنافس المنتوجات الغربية كما ان هذا الرئيس بدأ بوضع القيود امام التجارة الحره عبر الاطلسي والمقصود هنا اوربا الغربية نذكر هنا ان سنغافورا احد انجح الامثلة على التصنيع السريع فقط حولت نفسها من قاعدة للتجارة خلال عشرة اعوام بدا” من عام 1960 الى البلد غير النفطي الوحيد في العالم الثالث الذي يزيد فيه دخل الفرد عن مثيله في البلدان الاوربية 2 700 دولار عام 1976 ونمى الدخل القومي بمعدل بلغ 17% سنويا في نصف السبعينات حيث تضاعفت الوضائف في الصناعة الى ما يقارب ثلاثة اضعاف منذ 1968 الى 1977 وتكاثرة المصانع بشكل مذهل في منطقة جوانغ التي كانت مستنقعات حيث نشأت على مدى خمسة الى سبع سنوات مدينة حديثة عامرة لمساكن العمال وبيوت للمديرين والحدائق وملاعب والطرق السريعه لتحل محل البردي وكان الجزء الاكبر من الاستثمار الجديد اجنبيا” حيث تدفقت الشركات متعددة الجنسايات من اوربا وامريكا واليابان في قطعان ضخمة على البلاد ففتحت شركة رولي التي قضت عليها المنافسة اليابانية في المانيا مصنعا” الالات التصوير واسست شركة فلبس التي تعرضت لخسائر مماثلة في هولندا وبريطانيا اربع مصانع تنتج كل شئ من الاجهزة المنزلية الى معدات الاتصال وانشات شركة متسيوبيشي حوضا” لانشاء السفن كما ساعدت تلك الشركات على تنمية الروح الرياضية للعاملين مرتين في الاسبوع واستفاد اصحاب المشروعات المحلية من الطلبات الخاصة بالشركات متعددة الجنسيات ومن القوة الشرائية لدى موضفيها فمثلا” تصنع شركة نغامي اغلفة زاهية لالوان الشوكلاتا والبسكت والحلوى غير انها تستورد حتى اصغر قطعة من الاتها فالمطبعة تستورد من اليابان ويتم تدريب العمال عليها ثم توسعت واصبحت تستخدم في عام 1968 سبعة عمال حيث اصبح عدد العمال مئة عامل بعد ذلك.
{ محام واعلامي
محمود الفلاحي
محام واعلام



















