العقل والعاطفة في ترنيمة إمرأة.. شفق البحر

العقل والعاطفة في ترنيمة إمرأة.. شفق البحر

رؤية لإكتشاف أداة تعبير جديدة

صالح الرزوق

الحداثة الجديدة

   منذ بداياته والروائي سعد محمد رحيم يعمل على اكتشاف أداة جديدة للتعبيرعن ذهن مغاير ومختلف..  ذهن أقدم على حرق أدوات الأسلوب الكلاسيكي ودخل فورا في عصر الحداثة. ولقد حاول جاهدا أن يضع كل ما لديه من هموم اجتماع سياسية في شكل مغامر لا يعترف بسلطة البروباغاندا على الفن. وذلك بنفس الجرأة التي تحلى بها ميلان كونديرا في مجمل أعماله.

وإن روايته (ترنيمة امرأة.. شفق البحر((1(  أوضح مثال. فهي رواية من لوحات وفترات متداخلة، وتدور أحداثها بين بغداد وتونس وإيطاليا. وتتقاسم أدوار البطولة فيها عدة نساء، وتتخللها قصص درامية محورها الحب والحرب والقهر الاجتماعي. ولكن في إطار فني متحول يتخطى ما يسميه أدونيس “رعب الحداثة”(2). ومنذ البداية يجب أن نتفق أنه إطار فني لخيال مكتوب. فالرواية تحتاج للراوي. أما في ( ترنيمة امرأة ( يتحول النص لفضاء لغوي من غير فراغات، ويشغله دائما اختراع بلاغة لا مكان لها إلا في عالم الكتابة. وبهذا المعنى قال سامر بطل الرواية: إنه مولع باللعب بجسد اللغة (ص 9) وعليه تغلب على العمل، من أول سطر ولآخر سطر، المشكلة الذهنية، مشكلة الانفصال الاجتماع – حضاري تحديدا، التي ظهرت لدينا في هذه المنطقة منذ الستينات واستمرت زهاء ربع قرن حتى منتصف الثمانينات. ولقد عبرت الرواية عن هذه المشكلة من خلال انفصال الحبكة عن كل أدوات الرواية الشائعة. فالمشاهد ليست متسلسلة ولكنها متداخلة.

   وهذا التداخل يأخذ شكل متاهة مغلقة. فمهما ابتعد سامر، بطل الرواية، عن مسقط رأسه فهو يعود إليه من خلال الذكريات. يقول في الخاتمة: إنه يخوض البحر المتوسط بحثا عن حلمه القديم. الذي يؤمن بقوة أنه متعلق بأهداب بغداد. ص203.

وتتآزر مع بغداد لتحريك الأحداث أفكار الراوي ثم الخوف من المجهول. فقد كان سامر طوال الوقت يصارع عالما غير واضح الملامح. ليس له غير لونين: رمادي وأسود، وتتحكم به مشاعر غامضة. حتى الحب لم يكن يعرف ماذا يقول عنه. هل هو مجرد عاطفة أم أنه أفعال تنجم بالغريزة ودون تفكير؟. ونساء الرواية: حنان وشيماء وكلوديا، ومع أنهن موزعات جغرافيا وعرقيا بين عدة حضارات وثقافات، فقد كان لهن مضمون دون خلفيات.

  بتعبير آخر إن حنان (التي تذهب ضحية اليورانيوم المنضّب( تتشابه مع كلوديا التي يلقبها بطل الرواية باسم روز. وغني عن القول أن حنان اسم عاطفي بينما كلوديا هو اسم لاتيني له أصول دينية، فقد ورد في سفر تيموثي في العهد الجديد. وهو مشتق من كلوديوم اللاتينية والتي تعني ساذج أو أعرج. وفي كل الحالات هذه الأسماء كانت حاملا دون محمول. فهي تدل على لاعبات على مسرح الحياة تتقاطع معهن مسيرة بطل الرواية. ولا بد من الإقرار إن شخصيات الرواية موزعة بطريقة غير عادلة.

   إذا كانت الرواية التقليدية تعزو للبطل شخصية كلية القدرة، وتربط به كل شاردة وواردة، فإن الشخصيات في هذا العمل تعكس القاعدة. إنها تجرد البطل من كل الإمكانيات، وتضعه في مواجهة نفسه ليكتشفها من خلال مرايا عاكسة. وهذه المرايا هي الشخصيات الثانوية التي أجزم أنها تجريد لأعماقه وتجسيد لنوزاعه. لذلك هي مرهونة بوجوده بينما هو لا يتأثر لو أنها تعرضت للإخفاء أو الإلغاء. وأهم قرينة على ذلك المماهاة بين الكاتب وبطله. فكلاهما روائي. لقد كان سامر روائيا، وكان يكتب سيرته. وقد قال لكلوديا في مستهل الفصل الأول: إنه يكتب رواية، وهي أناه في مواجهة العالم. ص 11 .

   وتلعب كل الأحداث على هذا الوتر، وتتنبأ بشخصيات ستدخل في النص لأنها موجودة على أرض الواقع. وتلفت انتباهنا عمدا أنه لا فرق بين الطرفين. فما يجري على الأرض يفرض نفسه على الكتابة (انظر فصل: حين دخل مايكل ونيكول روايتي – ص 85(. وكأن سعد رحيم يريد أن يلغي الحدود بين الواقع الفعلي والفني، وأن يرى في مبدأ محاكاة الواقع قانونا عمليا يتحكم بالفن.

   إن العمل الفني بهذا المعنى هو جزء من حياتنا. والتداخل بين الطرفين مثل التأثر المتبادل بين آلية عمل الرغبات والحياة. حتى أن بنية العمل كانت هي المسؤولة عن تطوّر الأحداث وليس العكس. والشكل كما هو معروف جزء من فلسفة الحداثة. على خلاف المدرسة الواقعية التي تهتم بالمضمون وتعتقد أن له اليد الطولى في تحديد شكل التعبير أو الأسلوب.

لامركزية الوعي الروائي

   إن البنية اللامركزية والمتشعبة لهذه الرواية تتوازى مع تعدد بطلاتها وليس مع بطلها الأوحد سامر.  فواحديته مزيفة إن شئت الحقيقة. وبرأيي هو ماهية ولكنه بلا جوهر. ومضمونه متبدل بتبدل المكان وتغيّر شريكته في الأحداث. ففي لحظة وعيه بالقضايا الوطنية ترافقه حنان. بينما أثناء تشكل وعيه بالقضايا الإنسانية العامة كانت ترافقه كلوديا. ناهيك عن توزيع لحظات الوعي. فهي ذات همّ تحرري وبعد كولونيالي في بغداد. لكنها ذات اتجاه متعولم وكوني ويهتم بالفاشية وصراع الحضارات وعبودية عرق أعلى لعرق أدنى في إيطاليا. بينما تأخذ الأحداث في تونس على شواطئ المتوسط اتجاها رومنسيا وذاتيا. وأضفى ذلك على الموضوع كل ما له علاقة بهموم المعرفة واكتشاف الوعي بالذات والطبيعة والعلاقة بين الغرائز التي تتحكم بها علاقة ذاكروية قريبة جدا من مفهومنا الليبيدوي عن المرأة.

   لقد كانت لامركزية البنية تفرض على المكان دورة طويلة. وعلى الأحداث أسلوبا قريبا من تيار الوعي. وعلى الحكاية تشعبات يمكن أن تسميها حكاية داخل حكاية. وهذه بنية إيروتيكية تتبع قانون كيمياء الشكل (بتعبير بارت( وليس فيزياء الأسلوب. وأهم نقطة  في هذه البنية هي تصوير اللامعقول الذي يرفضه الواقع بشكل معقول يقبله الفن. وقد نجمت من هذه المفارقة مشكلة الذاكرة. فقد كانت في الرواية موجودة بشكل تبدل في محور المكان. وبشكل أطوار من حياة الشخصيات في محور الأزمنة.

وترك ذلك أثره أيضا على فلسفة المضمون. فالرواية تبدأ تحت الشمس المشرقة وبحوار وتصورات يغلب عليها الوضوح. ولكنها تنتهي في دهاليز وشوارع إيطاليا وبذاكرة مشوشة ووعي جريح.

   ويردد سامر في الخاتمة أكثر من مرة إنه ليس على ثقة أن ما يجري هو جزء منه، وربما هو وهم أو تخيلات أو لعله نشاط فرضته العلاقة غير الواضحة بين أثر الواقع على الصور. بهذا المعنى يقول سامر: إن ما يراه أحيانا أو يمر به لعله لم يكن. كان وهما. ربما. مشهدا خاطفا في حلم عابر. ص182.

وقد وضعت هذه المعضلة الرواية على مفترق الطرق.

   فلسفيا في عالم متحول لا تجد حدودا واضحة بين تفاصيله. وأسلوبيا في بنية متشعبة ولا مركزية وهجائية. وعمليا في موقف وجودي من الذات والعالم بحيث أن الحوار عالي المستوى ومفهومه عن الوجود يأتي من خبراتنا عنه وكيف يتجلى لنا في طريقة وعينا لإدراكه.

عمل الرموز من خلف اللغة

   ولذلك كانت اللغة في مجموع المشاهد شاعرية وعاطفية ورقيقة، ثم إنها نخبوية. فالرموز الشعبية المبسطة غائبة. وإن الأحداث التي تجري على شاطئ البحر تبدو منفصلة عن المشهد العام للحياة قرب الماء. والمفردات هي حصيلة خبرة مستمدة من مجتمعات الداخل لا مجتمعات الثغور. ومن ذلك قوله عن البحر إنه وردة تتفتح في الحديقة المستحيلة ( ص199). والإشارات العابرة للنساء على الشاطئ تقترب كثيرا من صور المرأة العارية في غرف النوم. كذلك تتوافر لمعظم المفردات الأساسية في الرواية عدة طبقات.. المعنى الظاهر والقيمة الرمزية. فالبحر مثلا هو الحياة الصاخبة والمتلاطمة. وهذا رمز معروف في أدب الحداثة. وأقرب مثال قصة الرحيل إلى البحر لزكريا تامر(3 ). إنها قصة عن الدخول في غمار الحياة الطاحنة، والبحر في هذا السياق يرمز للعذاب والحرمان والمعاناة. والدليل على ذلك عبارات مثل: كانت الشمس ساطعة. يا له من نهار كالبحر ص 301. وهذا يقابله في الرواية عبارات مثل: “البحر لصق غربتي. وعريي مبذول لشفق الموج” ص 10 كما لو أنه يتكلم عن التشرد والضياع والإنكشاف أمام لجة الحياة.

   ولكن هذا لا يعني أن رحيم مدين بحداثته لزكريا تامر. فكل المؤشرات تؤكد أنها حداثة تركيبية. ولنأخذ نفس رمزية البحر كقرينة. فهي بالإضافة لعلاقتها مع الحداثة تحمل إشارات من فلسفة روائي من جيل الرومنسية الثورية، وهو حنا مينة. والإشارة هنا لمنطق الطروسي في (الشراع والعاصفة(. فقد كان ينظر للبحر على أنه جزء من صراع الذات مع الطبيعة وبمستوى لاحق كجزء من صراع المجتمع الغابوي ضد ذاته. لقد كان البحر في نظر مينة شخصية من شخصيات روايته. وهو يحمل آليات مجتمع الريبة والشك. ويعبِّر رحيم عن ذلك حرفيا بقوله: إنه لا يسعنا أن نأمن له، لأنه قوة عاتية، ويجب ترويضها (ص 213).

   بالإضافة لشفافية اللغة تستعمل الرواية شفافية المرأة. والمثال على ذلك كلوديا. فهي تجريد عام لمعنى الغواية. ولكن أيضا يمكن أن نؤكد أن كل الشخصيات تعكس المشاهد التي خلفها. بمعنى أنها ذات طبيعة مرآتية أو ربما تلصصية. إنها ذات طابع سياحي واغترابي، ومنفردة مع نفسها، وتستسلم لأحضان الطبيعة حسب القانون المعروف أن ملاذ الإنسان الجريح يكون في الطبيعة الصامتة كالبحر والنهر. حتى أنه يرى أنهما سطح عاكس يرى فيه وجهه. يقول: “رأيتني أسقط وجهي في دجلة، في رخاوة الماء وهسيسه المتعب” (ص 93  ). كذلك إنه يشخصن العناصر والأنواء ويتحاور معها.

   وطبعا يجب أن لا نفهم أن سعد محمد رحيم كاتب رومنسي. ولكنه من رعيل الحداثة الأول الذي لم يبرأ من علل وأسباب ضعف الذات الانجراحية.. وهي ذات رومنسية بامتياز. حيث الأمور النسبية والخاصة تبدو له بوزن واجبات عامة. وحيث الكفة تميل لطرف شؤون القلب والعاطفة، وترجح على لغة العقل. وأقرب مثال على ذلك قراره بالزواج من حنان المصابة بمرض عضال مميت. وعن ذلك يقول: فكرت أن أتزوجها، ولكن كيف أخفي عارض الشفقة (ص84).

وعلى هذا الأساس لم تكن معالجة الأحداث بواسطة التطور الذي له شكل هندسي متمايز. بمعنى أن الشخصيات لم تكن بشكل مربع كما هو مفروض. إنها ليست شخصيات تنطوي على زوايا واضحة والتواءات وانعطافات تعكس فضاءها ومحتوياته من خلجات روحية ونوازع. وإنما هي شخصيات مستديرة تتألف من محتوى نفسي. وهذا هو حال الحبكة. فهي تنتهي من حيث بدأت. فالافتتاحية هي مشهد لكلوديا وسامر معا على شاطئ المتوسط وكذلك الخاتمة. وفي (ترنيمة امرأة( نواجه العازل الزجاجي (بالمعنى الذي تكلم عنه سارتر والوجوديون عموما( . إنه يطبِّق سياسة الكيل بمكيالين. فيسمح بالرؤية ويمنع الحركة. حتى أن مايكل يهاجمه بقوله في ساعة غضب:”أنت الذي تمنعني من الخروج” ومن حرية التواصل (كما قال لسامر في رسالة وداعية – ص 159(.

   لقد كانت شخصيات الرواية تعبر غالبا عن عالم اللاشعور. ولذلك إن المشاهدات الأساسية غريبة عن الحياة العامة. وعن ذلك يقول سامر: كأن ما يجري لا يمت للمعقول والواقع بصلة. ص 169. ويضيف: الألوان قليلة محتقنة. ص 169.

ويتابع فيقول: البيوت بلون التراب، هلامية بلا ملامح. كأننا في زمن آخر من القرون الوسطى ص 169. لقد كانت الأبنية قوطية، والطعام بيتزا وهامبورغر، والشراب بيرة وصودا. ولغة التواصل بلسان غير مفهوم. والشوارع والمدن في أوروبا. ولقد كان هذا الجو الكوزموبوليتاني تشرّدياً، ويساند هذا الرأي وجود الغجري مع سامر على الشاطئ (ص85). والغجر رمز للتنقل والارتحال ونكران الهوية.

وكان موضوع الرواية يشبه الدخول في حديث عن الرغبات. وعليه إن المشكلة الحضارية محلولة. ويعبر بطل الرواية عن ذلك بكل صراحة بقوله: لست أسطورة مثل مصطفى سعيد (بطل موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح). ويضيف: “أنا إنسان بسيط أبحث عن الدفء في صقيع أوربا وأحسبني وجدته بعينيك”. ( ص 33). وقد انسحب ذلك على التراكيب. إنها استفزازية. ويمكن أن نربطها بكل سهولة بتراكيب الوجوديين الذين تعبوا من نتائج الحرب العالمية الثانية. ويأتي في رأس القائمة استعارات من نوع: عويل الريح، صفعة الهواء، سراديب الذاكرة السرية، فراغ السأم وسوى ذلك من تراكيب يمكن أن تجد مثلها في كل صفحة من ثلاثية سارتر (دروب الحرية(. وفي حديثه عن الحرب يبدو كما لو أنه يتكلم عن الموت والعنف فقط . يقول: في الحرب يموت الإنساني في الإنسان (ص37). وتقول إحدى الشخصيات: “وأي شيء هو معقول في هذه الحرب العاهرة” ص 41. وهذا يبدل معنى العلاقة بين الهجرة والحرب لديه. إنهما ليسا سجالا ولا درسا في الحضارة والأخلاق. فالرواية ليست تعبوية وتتعامل مع المجتمعات الأخرى بلا جهاز البروباغاندا الثقيل الذي تدين له معظم أعمالنا بوجودها منذ نكبة فلسطين وحتى هذه الساعة.

   بإيجاز تبدو لي الرواية في موقف مصالحة، أو لنكون أكثر دقة، مراجعة لخصائص الخيال الفني. إنها لا تنسى الضرورات الوطنية، وتحاول تفسير الواقع الملموس والنهاري بلغة مطلق الحالة وبأسلوب التحليل النفسي للشخصيات. وهكذا تدخل في مضمار روايات الرهاب النفسي التي بدأت لدينا منذ الأيام الأولى للحرب الأهلية في لبنان. وكما أرى هي، بجوها وطقوسها وحوارها الرشيق وجملها القصيرة وغير المباشرة، أقرب ما تكون لباكورة أعمال همنغواي لأنها تبتعد عن العظات ولا تسمي الأشياء بمسمياتها الفجة والنابية. وتكتفي بالإشارة والتلميح لثنائية الموت والحياة، وضمناً الحب الجنوسي المحرّم والغزل العذري المحكوم بالضياع. وهكذا ترسم لنا فصلا آخر من مشكلة الجيل الضائع، جيل القدر، كما سمّاه الروائي المعلم مطاع صفدي.

تعويم الأدوات

   حاولت الرواية تعويم نفسها بعدة طرق. والتعويم هنا أقصد به فرض قوانينها الخاصة أو رؤيتها الشخصية للرواية كنوع وكأداة. فآخر سطر في الرواية يلح على أننا نعيش في عالم من حكايات تتوالد وتتكاثر. يقول سامر: أكان بالمقدور أن نحيا دون أن نحكي؟. ما الجدوى إن لم نحك؟ وما المعنى إن لم تكن لدينا حكايات؟ ص 213.

   لكن الحكايات مهما كانت كثيرة هي تجريد لذهن سعد رحيم.

   عدا عن عقدة جوكستا، وهي مقلوب عقدة أوديب، والقرينة عليها: تورط سامر بقصص عشق وغرام يمنعها قانون الأب في المجتمع (ومن خلفه الأب الحقيقي المتمسك بابنته(، فإن شخصيات الرواية مصنّعة  مثل الأمكنة. فمسرح الأحداث أمكنة صناعية لعب الخيال في رسم تفاصيلها، ببساطة لأن رحيم لم يسافر قبل كتابة (ترنيمة امرأة( إلى إيطاليا. وقد تكرر ذلك في روايته (مقتل بائع الكتب( فقد كتب فيها عن براغ وباريس من خياله الشخصي. وليس في ذلك ما يعيب. توجد عشرات الروايات عن عوالم خيالية وكواكب لا وجود لها على الإطلاق. لكن تبقى هذه الخصلة إحدى العلامات الفارقة. فهي دليل على أن الرواية تضع الذهن والخيال أمام الواقع المباشر الكريه والمريض.

   لقد حملت هذه الرواية أعباء جيل الاستعارة. وأقصد بذلك ما فعله محمد حسين هيكل في (زينب( حينما استورد كل أصول هذا الفن من الغرب وشحنه بقليل من الشعارات والأخلاق التي نسقط عليها مفهومنا للشرف والمؤنث.

   إن (ترنيمة امرأة( هي إعادة صياغة للرواية بمفهومها الغربي المتحول الذي خضع لإضافات قام بها المهاجرون والمنفيون وعلى رأسهم نيبول وكونديرا وهذه الزمرة. فالشعارات الوطنية والمناقشات التي تدور حول أطروحة إدوارد سعيد وأمثاله هي تغليف وتعليب لنفس البضاعة. لا بل أعتقد إن رحيم كان ملكيا أكثر من الملك. فنيبول في أعماله ينقل مجتمعات الكاريبي إلى ضواحي لندن. بينما رحيم يذوب في جوهر الغرب. حتى أن حنان ، حبه الأول، تحمل كل خصائص وتفاصيل كلوديا.

   ومجددا أجد نفسي في موقف الدفاع عن رحيم. فهو لا يرتكب ذنبا باختيار أفضل أسلوب لموضوعه. إن تحرير الذات المعصوبة المصابة برضة الفطام تحتاج للبحث عن مهد آمن. أو بصريح العبارة عن حاضنة تتوفر فيها شروط لحياة كريمة. وهذا لا يتحقق إلا بواحد من إثنين.

– الهجرة إلى منبع الرغبات وهو اليوتوبيا النائمة في أحضان الغرب الاستعماري.

– أو الهجرة إلى فجر البشرية وهو المشرق الذي يجالد نفسه حتى الآن دون حل ناجع.

   وقد حاول رحيم أن يدمج المحورين في هذا العمل.. فقد حمل معه أخلاقه الشرقية إلى الغرب. أما لماذا اختار إيطاليا. هل لأنها دولتان في بلد واحد. فهي مقر للكرسي الرسولي المسيحي ولبقايا الفاشية العسكرية التي لا تستطيع أن تعيش إلا باستعمال القوة المفرطة؟.

   لم تقدم الرواية جوابا نهائيا. وتركت سامر في أقرب من خريطة إيطاليا إلينا. وهو متردد، ويفكر بالعودة.. قلبه في الشرق ورأسه وغريزته في الغرب..

هوامش

1- ترنيمة امرأة. سعد محمد رحيم. دارنينوى. دمشق. 2017. وكل الاقتباسات والشواهد تعود إلى هذه الطبعة.

2- العبارة الحرفية هي صدمة الحداثة. ولكن يجب أن نفهم أن الصدمة هي رضة نفسية وبالتالي مرتبطة بالعصاب والتوجس، ثم بالرعب من المجهول.

3- دمشق الحرائق. اتحاد الكتاب العرب بدمشق. 1973.

{ ناقد وكاتب سوري