
العالم الروائي للكاتب علي الحديثي أنموذجاً
مرجعيات المسار التجديدي
سامية البحري
1 ـ مدخل: نقطة ضوء
تقوم الرواية على التجسيد والتصوير الدّقيق للتفاصيل الصّغيرة التّي تسكن في رحم الواقع، ولا يدركها إلا الرّوائي، فهو القادر بمفرده على الخوض في تلك التفاصيل، بل له القدرة على رؤيتها، والتقاطها فيرسم عن طريقها جملة من العلاقات التي تنقل بدورها جملة من القيم الأخلاقية والتّاريخية والسّياسية.
وليس المقصود بالتّجسيد والتّصوير أن تكون الرواية مرآة عاكسة للواقع بكل ّابتذال وسطحية، بل على الرّواية أن تكون قادرة على تحقيق الاستقلال الذّاتي عن كل البنى الاجتماعية، ويتحقق هذا عن طريق فعل الكتابة، وهو ما نسمّيه طرق التّمثل والبناء لهذا الواقع عند كل روائي.
فيمكن أن يولد أكثر من عمل من رحم واقع واحد، لكن لا ينجح إلا بعضٌ في عملية التّمثل والاستقلالية وإعادة البناء.
وفي هذا الإطار ارتأينا أن نتوقف عند العالَم الروائي للكاتب العراقي علي الحديثي، لنرصد قدرة هذا الرّوائي على التقاط التفاصيل، واعادة تركيبها في كنف الاستقلالية والشفافية..
بمعنى هل كان الحديثي مهووسا بالبرنامج السّردي وكيفية تحقيقيه فحسب؟
وهل حقّق الحديثي عالمه الخاص، حتّى يتسنى للقارئ وهو يقرأه أن يقول هذا عالم الحديثي الروائي؟
2ـ لحظة المكاشفة:
لقد تطوّر البرنامج السّردي في الآونة الأخيرة تطورا مذهلا، في السّرديات العربية لا سيما القصة والرواية، فالاشتغال على العبارة وكيفية تشكّل النص شهد اعتناء كبيرا من طرف الكُتّاب عموما حتى إنك تكاد تضيع في متاهات دون رجعة في بعض النّصوص.
فالكاتب العربي أصبح مهووسا بـ”العبارة” أكثر من “”الفكرة”، وأصبح السّياق ينشأ في سبيل التّزويق على حساب الفكرة..
عالم الرواية
بيد أنّ عالم الرواية _ في تقديري _ لا يحتمل التزويق المكثف والموغل في الابهام، فيجب أن تشتغل على تمثيل المرجعيات الثقافية والنفسية والاجتماعية، وبالتالي عليها أن تشارك في البرنامج الفكري الثقافي الكبير وهو تقديم التّصورات الكبرى عن الذّات وعن الآخر في علاقة بالواقع العربي الجديد وبالواقع العالمي..
وهذه المهام الكبيرة داهمتنا منذ أن استقبلنا إنتاج الحديثي فإذا كان الكاتب قد دخل إلى عالم الرواية فيجب أن يكون دخوله مبرّرا.
فهل دخل ليكون مكرّرا لتجارب سبقته؟
أم دخل ليقدم رؤى فنية جديدة مبتكرة؟
أم دخل بغاية التجريب (تجريب عالم الرواية كما يفعل الكثير من الكتاب)؟
وعلينا أن ننظر في كل هذه الاشكاليات الكبرى والمتفرّقة بعضها عن بعض لنتمكن من خوض تجربة القراءة في العمق التّي تستعين بالضفاف.
إنّ كل هذه الاشكاليات شائكة متشعبة، نسأل الله أن يجعل الحرف مطواعا ولا يخوننا العقل في تمثل هذه المسائل. وإنّي أخوض تجربة، ترتقي إلى المغامرة النقدية التي ارتأيت السفر في رحابها وركوب المخاطر، فقــــــد أعود بصيد وفير ومطر خصيب يروي الظمأ ويشفي الغليل، فيزهر الحرف وتخضّر الكلمات.
وقد أعود منكسرة غريبة عن نفسي، وعن حرفي وقرطاسي ووجعي وألمي.
3ـ جدلية التّذكر والتّفكر في رواية “جئت متأخرا”:
ينهض الخطاب السردي على بنية جدلية بين لحظتين:
“التّفكر” و “التّذكر”، وهو مشروع يحتاج إلى ترابط عضوي بين الذاكرة والفكر، فنرى السارد يسعى إلى التقاط بعض التفاصيل التّي توظف في خدمة المنعرجات الكبرى للرواية وهو ما يشكّل تضاريس حياة السّارد/ البطل.
هذا السارد/ البطل يتقن لعبة التّسرب بين منعطفات الذاكرة، إذ نراه متنقلا كطائر غرّيد، ثمل بعذابات الماضي عبر تقنية الاسترجاع، حيث تترابط الوقائع المحسوسة بالوقائع الوجدانية/ النفسية، وصولا إلى الوقائع الفكرية التي تنهل من عالم الفلسفة (قضايا وجودية بامتياز)، فنستقبل بطلا، منذ الصفحات الأولى للرواية، فيلسوفا مفكّرا يبحث عن وجوده وعن ماهيته
- لمْ أفهم؟
- عندما أفهم سأخبرك.
- متى تفهم؟
- عندما أجد نفسي
هذا الحوار بين البطل وحبيبته “الافتراضية”، يكشف عن عمق القضايا المطروحة في هذا الأثر، ويلخّص هاجس الإنسان المفكر أمام الوجود في سؤال حارق:
كيف للإنسان أن يعيش بعد أن يعرف نفسه؟
هذه هي الإشكالية الكبرى في عالم الرواية – جئت متأخرا –.. معرفة الإنسان نفسه، وهذه المعرفة في الحقيقة مفتوحة على جملة من المقاصد الأخرى.
لماذا علينا أن نعرف أنفسنا؟ وما نوع تلك المعرفة؟
نتجمّد أمام هذا الكمّ من الأسئلة الوجودية/ الفلسفية، ونشعر بانهيار هائل يقتحمنا من الدّاخل، لا ندري له علّة، عندها ندرك أنّ باب معرفة الذات، باب موصد، ومن الأفضل أن يكون كذلك لأنه إذا فُتح هاجمتنا رياح عاصفة قد تُدمّر كل ما تعترضه فنقع في الهاوية.
وبتقدّم السرد نكتشف أنّ وسائل المعرفة التّي خاضها البطل مُتعدّدة فقد استند إلى تجارب مختلفة… نذكر منها:
- تجربة الطّفولة:
قامت على التقليد ــــــ أعرف ذاتي من خلال الآخر الذي أقلّده..
مثال: فصل تفاح طفولتنا “فقد كنت متأثرا بأخي الكبير ذي الشعر المنسدل”ص8
- تجربة الحسّ:
أعرف ذاتي من خلال جسدي، فصل تفاح طفولتنا “هذا هو اسم الفتاة التي مسحت على شعري ممّا أثار في جسدي قشعريرة لم أكن أعرف سرّها” ص8
- تجربة الحبّ:
أعرف ذاتي من خلال مشاعري..
مثال فصل ورقة صغيرة ص 58
“تبّا لهذا الكائن الذي يسمونه الحب، يُجرّدنا من ثوب الإحساس بالواقع ليُخيط لنا ثوبا من الأحلام الواهية”
- تجربة الدِّين:
أعرف ذاتي من خلال خالقي (تجلى ذلك في تجربة الصّلاة وأبعادها)
مثال فصل أركض بشراهة “المسجد هو المكان الوحيد الذي لا يشعر الإنسان فيه بالغربة وهو يدخله لأول مرة..”ص35
- تجربة القراءة:
أعرف ذاتي من خلال ما أقرأ (الكتاب)
مثال فصل شارع المتنبي + فصل نصوص في الغيوم “الدين والفلسفة في قمّة هذه الأمور، كلاهما كالبحر يغري الظمآن ولا يرويه إن تجرّدا من معرفة حاملهما من خبرته بالحياة” ص 42
- تجربة الجماعة:
أعرف نفسي من خلال الآخر، مثال فصل مدرسة شمس الفتوح “.. فأكابد نفسي أن أبقيها دفينة بين أوجاعي، وأخشى إن اتّقدت أن تحرق حقولا لم تكد تثمر بعد، أغبطهم وهم يضحكون، وأشعر بالغربة بينهم، هم، بضحكهم بمزاجهم، بحياتهم” ص108
- تجربة الزواج:
أعرف نفسي من خلال شريكي مثال فصل المرآة ” …وأمسكت يدها، وسحبتها بهدوء لتقف بجواري، وضممتها بيدي، وأسندت رأسي إلى صدرها، فلاعبت شعري كالطفل…”ص78
وإن كان البطل قد أعلن موقفه من الزواج وهو يتخبط بين مأساة الحب (حبه لمديحة) ومأساة الواقع، فيقول” الزواج مقصلة الحب، هكذا كنت أنظر إلى الزواج ممن تحب، فكيف به من امرأة غيرها..” ص 70 فصل خطوات حذرة.
ثم يستدرك فيقول “الزواج بصيص نور يخترق ظلام الحزن الذي بات قريني..”
وفي خضمّ هذه التجارب يتخبّط البطل بين امواج عاتية، يغرق في متاهات بلا حدود، يتسرب بين ثنايا الرواية باحثا عن الخلاص، إلا أن الكاتب يحكم قبضته عليه، فيعتصره كإسفنجة حتى يبوح له بكل الأسرار، وهي تقنية عوّل عليه الحديثي ليستنطق بطله، الذي اختار له من الأسماء “صفاء” فبدا، خليطا من الألوان، يبحث عن لون واضح يرتديه.. لكنه عبثا حاول أن يجد هذا اللون فكل “الأقنعة” التي ارتداها فضفاضة، وكل وجه ارتداه كان عقيما.
ولعل تجربة الدِّين قد أوقعت البطل في هذا التيه، فلم يحقق الارتواء المزعوم، بل أوقعته في جفاف الروح، وحرمته تجربة العشق الحقيقي، لأنه أخطأ طريقه إلى الله.
فينبض القلب بآهات هذا الواقع المؤلم، ويئن على أرصفة الضياع، فلنصغِ إليه وهو يعترف في وجع في الفصل “في بئر العدم” ص 59.
“مازالوا يظنونني أشرب من ماء النصوص، لم ينتبهوا إلى روحي التّي أوشكت على الجفاف منها، لم يبق منها سوى قشور تلفني.. لكنّها كالحبل الذي التفّ حول أطرافي حال دون السّقوط في بئر العدم”
وانطلاقا من هذه التجارب المختلفة ندرك أنّ غاية الفرد منذ أن ينطلق حتّى ينتهي هو البحث عن ذاته، أن يعرف نفسه، وقد ينتهي دون أن يعرفها، ويموت دون أن يحقق الارتواء.. فالمأساة الحقيقية تكمن في معرفة وجودنا بل في فهم وجودنا.
وهو ما يؤهلنا للحديث عن الوجود الفكري الموثوق به أكثر من الوجود الجسدي/ الجسمي، إذ إنّ “معرفتي بالجوهر المفكر هي إذن معرفة يقينية مباشرة، أمّا معرفتي بالجسم فهي معرفة غير مباشرة” كما جاء في موقف الفيلسوف ديكارت (مقالة الطريقة).
إذن إنّ الطرح الفكري الفلسفي في رواية “جئت متأخرا” ينهل من الكوجيتو الديكارتي ويتجاوزه، بل يتحداه، فهو يطلعنا على وجودنا الحسّي والنفسي والمعتقدي والروحي… فلا يسجننا في هذا الوجود المّادي العرضي.
فقضية البطل في الرواية هي البحث عن وجود آخر يختلف عن الوجود الحسي العرضي، الذي يمكن أن يكتسبه الجماد والحيوان والأشياء في مختلف صورها.
فالتجارب التي خاضها هي محاولة لفهم هذا الوجود وتمثّله، بل تحذير الباحث عن وجوده الفكري والنفسي من لحظة الانهيار الممكنة.
ومن هنا يرسل برسالة يقول فيها، من المستحسن أن نعيش دون أن نعرف أنفسنا، لأن المعرفة هي بداية المأساة.
والمأساة قد تحوّلنا إلى أبطال من عالم الأسطورة، نصارع كلّ القوى الخارقة التّي تعترضنا بما في ذلك القدر وهو ما يصنع النهاية التراجيدية.
4ـ تشابك الديني والعاطفي في الرواية:
تقوم الرواية على تعدد الثنائيات وتشابك المفاهيم، فالبطل يتأرجح تحت وطأة “النصوص” التي تحاصره، وتنغّص عليه وجوده/ حياته وتجعله ينخرط في قاعدة يؤسسها لنفسه “سوء الظّن هو الأساس عندي مع المحيطين بي” ص 43.
فهم العُصاة، وهو المستقيم، البريء، العفيف الطاهر….
ويصبح المسجد هو الملاذ الوحيد الذي يحقق فيه وجوده ويرتمي في عالم من التسبيح والاستغفار، لا يرى من الحياة إلا وجهها الشيطانيّ “يرتمي عاريا من متاع الدنيا في نهر القرآن العذب متجوّلا، بين أشجار الجنّة قاطــــفا ثمارها المتجددة، مرتعشا من زفير النّار ولهيبها” ص48.
ويتحول عبر الزمن إلى جلاد شرس لنفسه فيهرب من عالم الأنثى/ الحياة/ المرأة/ أو كل ما احتوى تاء التأنيث.
وتصبح تلك “النصوص” هي السوس الذي ينخر تلك النفس من الداخل، حتى إن جلوس امرأة بقربه يعدّ أبشع خطيئة يرتكبها الإنسان “لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من ان يمسّ امرأة لا تحلّ له”، هنا يفتح الحديثي بابا كبيرا على مصراعيْه، يعدّ من المسكوت عنه في الثقافة العربية الإسلامية، وإن اقترب منه بعضهم، فهو اقتراب محتشم يشوبه الكثير من الخشية.
إنّها مسألة الأحاديث الضعيفة والأحاديث الصحيحة، ومسألة التأويل، وما صنعت بهذه الأمة، ومسألة تعدّد الاجتهادات في قراءة النص الديني في غياب الشروط العلمية، وما فعلت بهذا الشباب المغترب عن دينه الصحيح، يتلقى المعارف الدينية الوافدة من مدارس مختلفة، غايتها التشريد والتفتيت حتى يتحول الدين إلى أفيون الأمة.
ومسالة الاختلاف هذه بين العلماء والفقهاء هي مسالة مثيرة للرّيبة، فكلهم يقدم الحجج المقنعة، وكلهم يجادل “كان أحدكم يأتي بحجج كالجبال الرّاسيات، ويأتيه الآخر بحجج كأمواج البحار المتلاطمة” ص 46.
هل كلّنا على صواب؟ أم كلنا على خطأ؟
أم لا وجود للصّواب والخطأ إلا في أذهاننا؟ ص 46
ويرتقي الأمر إلى اعتبار الغناء من المحرمات “كيف لمحجبة أن تسمع الأغاني؟ ص 62.
ويتطور الخوف “أم كلثوم التي مازلت أخشى سماعها بسبب النصوص” ص 62 ويهتف البطل في عمق المأساة “كلاليب الأسئلة تمزق طريقي إلى الله” ص 46.
إلا أن تجربة الدين لم تستطع أن تميت أو تكبت تجربة “الحسّ” والقلب والعاطفة
وإن كان الحب والدين لا يتعارضان بل يلتقيان عند نقطة واحدة هي السّلام.
ويخوض التجربة في صمت من “مديحة” إلى “سميرة” فيصرّح قائلا: “أيقنت أنّ الحب مدينة من دخلها وخرج منها سالما فقد أوهم نفسه أنّه زارها” ص 62.
وهو ما يؤكد أنّ الإنسان لا يمكن أن يحيا داخل البعد الواحد، لأنّه إنسان وقد أراد الله له أن يكون إنسانا، لا أن يكون شيطانا، ولا أن يكون ملاكا.
وعليه أن يتمكن من تحقيق التعادلية المطلوبة بين القلب والعقل والجسد، حتى يحيا حياة معتدلة في هذا الكون المتّسم بالزوال.
وقد اختزل البطل مأساته في تصريح دالٍ:
“أفكاري تتنازعها نصوص وأفلاطون، وكتب ورياح عارمة تكتسح حقولي”ص63.
وعندما يحاول أن يتحدّى نفسه ويتمرّد على خوفه وهواجسه يختار أن لا يواجه الآخر بمشاعره، فتكون “الورقة” بديلا عنه، والغريب أنّه لا ينتظر الجواب، بل لم يعرف قطّ ردّة فعلها، وهو ما يؤكدّ أنّها رغبة في تحدّي نفسه فحسب.
“مازلت لا أعرف ما هو ردّ فعلها حين لم تجد في الورقة سوى كلمة أحبّك” ص 65.
لعمري لقد اختزل الروائي الحديثي قضايا العصر وهموم الأمة، أجل هنا يكمن الداء، هنا يسكن العفن تحت المياه الآسنة..
وهنا ينخرط هذا الكاتب الجريء في البرنامج الفكري والثقافي والحضاري للرواية العربية الحديثة، فقد استطاع أن يقدم تصورات حول الذات في علاقتها بذاتها وبما حولها، إذ جعل المشغل الرئيس لروايته هذه، يتوغل في هموم الإنسان العربي المعاصر، فنعثر على الفكري والثقافي والديني والنفسي في تعالق فريد.
ومن هنا أجزم مرة أخرى، أنه قد استطاع أن ينخرط في تقديم التصورات الكبرى عن الذات العربية المأزومة من خلال أنموذج بطل هذه الرواية، الذي هو صورة واقعية/ حقيقية لا غلاف عليها ولا نقاب يمثل صورة العربي المنخرط في تدمير نفسه، وأمته، نتيجة ما يعانيه من انفـــــصال وانفصام في آن.
بينه وبين ذاته ومحيطه ودينه وجسده… ومع رغباته ومع وجوده..
وهذا مطلب الرواية اليوم، فالرواية العربية المعاصرة عليها أن تتخلّص من “هيولى” المدرسة الواقعية القديمة برمّتها لتنخرط في واقعية مستحدثة، تطلبها المرحلة الحالية بإلحاح..
الرواية اليوم هي أن تكتب الآن وهنا عن أوجاع أمتك وترسم واقعك بعيْنيك لا بعيْنَي من سبقك، فكلّ كاتب وليد بيئته وواقعه وقضاياه، وكلّ فترة لها أعلامها.
5ـ مرحلة “التّفجر” في الرواية: هل سيفعلها؟
خطوة بخطوة نتقدّم نحو عوالم الشخصية، نرصد ما ينتابها من تغييرات، نخشى الانفجار في كلّ لحظة، لنصطدم بمرحلة التّمرد عندما حمل البطل معولا ولأول مرة لتحطيم ذاك الغول الذي سكنه، غول اسمه النصوص ومعول اسمه ناصرة.
ويقرر كسر الجدران التي تطوّقه وتكون الانطلاقة بالتمرد على تلك العادة التي يمارسها وهي ارتياد المسجد، المسجد الذي حقّق فيه الأمان حيث كان يركض بشراهة نحو الله “منذ أن اعتقل الأمن ضياء قبل سنة عندما كان متوجها إلى المسجد لصلاة الفجر.. منذ ذلك الوقت وأنا لا أذهب إلى المسجد..” فصل “هل سأفعلها” ص 74.
إلا أن هذا التمرد وهذا التغيير لم يكسب البطل إلا فراغا ووحدة، فسكنه الفراغ حتى لكأنه ” بالونة” تنتفخ بالأوجاع والأسرار” ص 74
وينخرط البطل في صراع داخلي عنيف بين “المقدس” و”المدنس”، وتتالى الصيحات في أعماق دفينة، لا تستطيع العبور إلى الخارج فيتنفس الصعداء..
إنه البطل المأزوم الحامل بين ضلوعه هموما كالجبال الرواسي، هذا البطل الذي يخرج من تربته نقيا، طاهرا كما اسمه “صفاء”، يختزل دلالات كبرى ممزقا بين ما أورثته تلك البيئة الشرقية القاسية وبين رغباته التي تفتّته وتقسم وجعه إلى نصفين، وجع متعلق بذاته ووجع متعلق بوجوده، فما كان له إلا أن “يحتضر على فراش الضياع”.
فيعيش لحظة مكاشفة ومواجهة أمام المرآة، والمرآة تقنية فنية تكتسب دلالات عميقة تنبع من الميراث الفلسفي، إذ ترتبط بحقل المعرفة، فيقف العقل أمام صورته ليتأمل حضوره، فيسقط كل الأقنعة ليحاسب الوجه الثاني الخفي للذات.
وهذا ما يفسر الحضور القوي للذات التي تحدق في نفسها وهي تلعب دور الوجه الثاني في لحظة محاسبة حارقة:
” التقت عيني بعيني، كأني أراني لأول مرة.. شعر منفوش، لحية طويلة، نظراتي طيور مهاجرة في أفق المجهول، فوق صحراء الصمت تبحث عن غصن تستقر عليه…” فصل المرآة ص77.
ولا تخلو هذه المواجهة من تجليات فلسفية حيث يولد السؤال الأكبر عن الكينونة وحضورها بوضع الذات موضع المساءلة أمام المرآة، وهو ما يفسر الحمل الثقيل الذي يرهق الذات ويكبلها، فتبدو باحثة عن خلاص، لكن دون جدوى…
ها هو يتقدم مثقلا تتقاذفه الإحن والمحن، ويضنيه السؤال، ويحرقه الواقع المشتعل، بلا رحل ولا راحلة.
يتعكّز “على أحلام مهترئة، كأنني عصفور يحاول الهرب من نسر يطارده في يوم عاصف، وقد حطم القط عشه” فصل المرآة ص 81.
هكذا تجلّى البطل “صفاء” وهو ينخرط في مسار سردي يمتدّ بين لحظتين، لحظة البداية عندما أشعل فتيل السؤال ثم حلّق بنظراته “فوق دجلة لتلامس أحلاما كادت تحتضر..”.
ولحظة النهاية عندما أعلنت تلك الـ”هي” أنه قد تأخر فعلا “نعم يا صفاء أنت تأخرت كثيرا، كثيرا جدّا”.
وقد جاء خطابها تقريريا لتكشف عن النهاية “وهي تتشبث بأمواج دجلة وقد بعثرتها القوارب، شعرها المتناثر مع رقصة الهواء منح وجهها هدوء الليل” ص 123
لكن هل منح “صفاء” تلك السكينة وحقّق له الارتواء؟؟
كان “صفاء” نبعا غزيرا في الرواية، توّاقا للامساك بماهيته، معدوم النّصيب… كان نبعا زلالا، لكنّه كان حيزوما حرّانا “كالعيس في البيداء يقتلها الظمأُ والماء فوق ظهورها محمول”.
6ـ على سبيل الخاتمة: ليتني أغادر
رواية “جئت متأخرا” تأتيك من خلف الحصار، تتسرب من خلف القيود، تحطم القواعد وتتجاوز المألوف، وتتـــــوغل فيك، تمتدّ… تمتدّ… تقيدك.. تبتلعك كما الطريق الصحراوية.
ثم تلتوي عليك كأفعى “الكوبرا” تعتصرك.. فلا تستسلم، وتفك الحصار وتتابع السير بخطى حثيثة لخوض المغامرة، فإذا بك في عمق الدائرة، ليس لك أن تسير بهدوء، عليك أن تدور.. تدور.. وعليك أن تتقن اللعبة، تماما كما البطل، عليك أن تتسرّب في أعماقه، وتنصهر في تفاصيله…
تلك هي الرواية عود على بدء، وبينهما تولد لحظتان، لحظة تفكّر تعتصر لحظة التّذكر، فتنهال علينا الأحداث ملتبسة بالأفكار والمواقف والرؤى.
وهنا نكتشف صورة أخرى للحديثي، هذا الكاتب / المتفلسف المسكون بالحكمة، إذ إن الرواية جاءت مشحونة بعديد الأقوال والحكم حول الحب والحياة والصداقة والدين والفلسفة، أقوال لا ينقشها إلا من خبر هذه الحياة وتعلّم منها، تماما كما الشعراء الكبار والفلاسفة والحكماء.
هذا هو العالَم الروائي للكاتب العراقي علي الحديثي من خلال الأنمــــوذج الأول رواية “جئت متأخرا”.
فهل جاء الحديثي متأخرا إلى عالم الرواية؟
وهل تسقط رواية “ذكريات معتقة باليوريا” “الأقنعة” وتهّز “الثوابت”؟
انتظروني في الأنموذج الثاني حول العالم الروائي للحديثي.
























