الشاعر يوخيم غونتر الذكرى والإحساس .. التجربة عنصر مهم في روح القصيدة
عصمت شاهين الدوسكي
لابد من وجود ذكريات في عمر الإنسان، تختلف في أحداثها، الواحدة بعد الأخرى، ولابد أن يكون المرء قد صاحب أناساً منهم رحل بعيداً إلى عوالم لا ندركها، بالذهن أو البصر، ومع هذا ينسى الإنسان هذه الذكريات عندما تكون كثيرة، متراكمة، مضطربة، وأحياناً على الإنسان أن يملك الصبر لاستعادتها، صورة، حركة، إحساساً، لتتحول شيئاً شيئاً، لأعماقنا لنرى ونحس ونميزها، من بين كثرة الذكريات، وعند وجودها في لحظتها، وهي لحظات نادرة جداً، تشرق الوهلة الأولى، الإشراقة الأولى لقصيدة، لينطلق منها الشاعر إلى فضاء الذكرى والإحساس، الشاعر النمساوي يوخيم غونتر همر Joachim Gunter Hammer يتعاطف مع الذكرى والإحساس ليجعل منها شيئاً يستحق الذكر، بغض النظر عن منبع الذكرى والإحساس، داخل مخيلتنا، فالتوفيق بينهما، ليس بالسهل على الشاعر، لكنه على الأقل يعطي فرصة للسير على خطاه، فالذكريات تنمو وتنضج في عقولنا، وحسب وقعها علينا يكون مدى صداها، ومدى طبيعة الصور الخاصة بها، كل قصيدة فيها تجربة، وذكرى، وكلمات، وقد تكون هذه العناصر الثلاثة مهمة جداً، فمنها روح القصيدة، حياتها، نجاحها .
((أمام قبر عشيقها
ثم امرأة تتذكر
الذي كان إحساساً وشعوراً))
كل الكتابات الشعرية، وإن كانت خيالية، تمر من خلال تجربة ما، ولا يمكن أبدا عدم الاعتراف بوجود هذه الصور الشعرية، لأننا نرى أمثال هذه الصور في المسرح والنثر، وعلى شاشات السينما، وهي صور مشتركة في مجالات الأدب المختلفة، لكن في الشعر يكون مكثفا ً، تاركا الشكل التاريخي والقصصي للرواية، فالروائي يوسع من الصور التي يستخدمها ليضفي عليها ألوانا ومعاني، لتصل للقارئ ومن خلالها إلى الغاية من وجودها، لكن الصور الشعرية عند الشاعر قوية تسيطر على المشهد النابع من الذكرى والإحساس، الشاعر يوخيم غونتر أدرك بوعي متقد هذه الصور التي تفتحت في ذكرياته، وإيقاظ إحساسه خلالها بصور أساسية ( لم يكن أبدا مزعجاً ) استخدام الشاعر صور المكثفة لدرجات مختلفة، لا لتزيين الصور بل لكشف ذكرى ذهنية معينة (الذي لم يقدر أن يلمسه أحد) استعمال الشاعر لشخصيات يعطي مجالا أوسع، لتوضيح الصورة الحسية وإيصالها للقارئ، فهي لا تظهر مجردة في كلمات لتعلن عن نفسها، لتضيء الفكرة في النص الشعري، عندما نتأمل الشخصية ونرسم صورة الشخص على حقيقته في خيالنا، يحرك الإحساس والتأثير، ونشعر بمدى القدرة المنفعلة في وجوده، وهي صورة متطورة من الناحية الشعرية، فهي ليست طريقة سينمائية تمر أمام العين، بل عند الشاعر طريقة مثلى للذكرى والإحساس الراقي بصورة ( قبر – عشق – المرأة ) المبدأ الأساسي هنا التوفيق بين الموضوع والصورة (الذكرى – الإحساس) التي تضيء الطريق لموضوع، وتساعد بقدر ما، على وضوحه وكشفه .
((للكم الهائل من الملامسات
ولم يكن أبداً مزعجاً
وكيف له أن يكون
الذي لم يقدر أن يلمسه أحد))
تنجح مثل هذه الصور الشعرية في نقطة إيحاء الذكرى وحتمية الإحساس، بوجودها واستمراريتها المأساوية، الدرامية، أو المتفائلة، المفرحة، شاملة الحب والحنان وقسوة الرحيل الذي لا تبدو غريبة، هذا التدرج في إجلاء الصور تتجلى متناسقة من تجربة الشاعر يوخيم غونتر، والإحساس بمدى آلام وجراحات (المرأة) وهي على قبر عشيقها، فإن كان الشعر وسيطا قويا، فاعلا، مؤثرا، بين الذكرى والإحساس، فإن ذلك يعود إلى جميع أنماط الشعر المبدع، في وجوده يستطيع أن يخلق قوة كبيرة في الصور الشعرية، وسهولة إيصالها للقارئ، مهما كانت معقدة.
((ربما لم تكن هذه أيضاً
كلها موجودة هنا
لانه منذ زمن طويل
لم يلمسها
الذي كانت تهوى حقيقة))
أضفى الشاعر يوخيم غونتر وقعة بين الغفوة والصحوة الحقيقية (لم يلمسها) وهو صوت الغربة والحرمان والشوق الذي أتعبه الفراق والاحتراق، وهو تيار نفسي، متلاطم لحقيقة العشق (كانت تهوى حقيقة) فصوت القبر وصوت العشق وصوت المرأة أحيت حقيقة الذكرى، وعودة الإحساس، فهو مشهد صوري مألوف في الحياة، ولكن نادراً ما نحس به، وهو حقيقة واقعية، فقد صور الشاعر المشهد بإحساسه وإدراكه لمعنى وجود المرأة على قبر يضم عاشقا، استخدام الشاعر يوخيم غونتر أشياء خارج نفسه، ورغم هذا فهو يحس بها، وقريبة من مخيلته وتجاربه الذاتية، فاستخدامها بنجاح في استعارته لها، إضافة إلى قوة خياله المستجيبة للإحساس الذي استوعب بوعيه وإدراكه، هذا المشهد الإنساني وإيضاحه بشكل مكثف ومتناسق يوحي بالحياة والذكرى والإحساس .
{{{{{
الشاعر يوخيم غونتر همر
– ولد الشاعر عام 1950 م في مدينة غراتس النمساوية .
– درس دراسته الجامعية في مجال العلوم الطبيعية .
– نشر نتاجه الشعري بكثافة عبر الراديو والمجلات والانطولوجيات مشتركة مثل ( سنوية للشعر، تقييس البرد، في النمسا وخارج النمسا ) .
– ترجمت قصائده إلى لغات كثيرة .
– يعاد من الأصوات الحداثوية في النمسا
– أصدر حتى الآن ( 15 ) ديواناً شعرياً ومنها ( القرع الأزرق، خيال الظل، ظلام الشمس أنا، ودواوين أخرى .
**************
المقاطع اخترتها من كتاب الأرض والإنسان – قصائد حب نمساوية – ترجمة الأديب بدل رفو – دار الزمان للطباعة والنشر 2010 م دمشق – سوريا .























