الشاعر سعد الحداد.. رحلة واسعة في الألم والوجع
عماد ألدعمي
تغاصن
العمرُ وردةٌ تُراهقها الأيامُ
العمرُ وطن
يتجذرُني الحرفُ
حين تغسلُ الشمسُ جنوبَ النهر
يحتشدُ الوردُ عذارى وضفائرَ تِبْرٍ
عند الفجرِ تصحو العرباتُ
ويخلعُ الشجرُ تثاؤبه
فيطوفُ الشعرُ في الأجراس
تراتيلَ تؤسرُ الفقراءَ
ألحانُها النازفةُ على راحاتِهم
فيُشْبِعونَ الطينَ أساورَ من طقوس
وتواريخ من قرابين
ويوخزونَ الاناملَ بالملح
ويجمّرون العيون بأسمال الآلهة
حين يحتشدُ الوردُ ثانية ً
تلملمُ الارضُ زخرفَها
وتتنحَّى في معبدٍ كهلٍ
قناديلَ وأرغفة
وآلهة تسرقُ ضحكاتِ القلوب
يتسللُ الليلُ ناياً يلهبُ خيبةَ الدمع
ليرتوي الفراتُ أنينَ المزامير
البوابات مرايا صدئة
وحده الصخرُ ينطقُ نازفاً
وأنت تمسّدني باشتهاء
وقميصي أبيض بلله الحفاةُ
برهولة أفواههم الفاغرة
دعني أستريحُ
على جفافِ مسلتنا الغارقةِ بالصمت
وبقايا الرُّقمِ النادبة
وتواريخ الدم المتيبّس في الطرقات
فالروحُ بلحنها المعتّق
تصرخ ُ من جمرِ الحفاة
وتشكو شحوبَ أهلتها
دعني
فالبلادُ اسرابُ ملائكة
يهيمونَ في النخل
يطعمونَ عذوقها الماءَ
ويزفرونَ العطرَ في الثرى
فتخضرُّ البراري
وتطيرُ الفزاعاتُ
والنهرُ يساقُ بدمٍ رطبٍ
يومضُ جسدَ الماء
لا الملوكُ ملوكٌ
ولا العوامُ عوامٌ
لكنَّ العمرَ يمضي
والخطيئة واحدة !!.
حين التأمل في هذا النص ستجد فيه الكثير من الإشارات والرمزية التي تحتاج رؤى بعيدة لكي تغوص في عمق المفردات اللغوية رغم سهولة ألفاظها ، وليقيني التام بأن أكبر ناقد لا يستطيع فك شفرات النص ليصل إلى حقيقة النص الذي تولد لدى الشاعر فعنوان النص (( تغاصن )) ذات مدلول كبير يدل على الترابط للوصول إلى ثمرة معينة وبداية النص
العمرُ وردةٌ تُراهقها الأيامُ
العمر وطن ……
بداية شفافة جدا وللغاية حينما يكون العمر وردةً ويصعب تداولها مع الأيام لشفافيتها المطلقة ، ثم العمر وطن تحليق بعيد يحتاج الكثير من الشرح لما تحمل كلمة الوطن من معانٍ كثيرة .
يتجذرُني الحرفُ
حين تغسل الشمسُ جنوبَ النهر
يحتشدُ الوردُ عذارى وضفائرَ تِبْرٍ
ثم الانتقال لصورة شعرية خلابة حينما تغسل الشمس على جنوب النهر ، هنا نجد المدلول اللغوي الذي اختاره الشاعر بحد ذاته بُعد رائع في طيه الكثير من المعاني بدلالة الفعل تغسل الذي هو أصلا استخدم لغسل الماء في النهر مصورا احتشاد الورد كضفائر بلون التبر
عند الفجرِ تصحو العرباتُ
ويخلعُ الشجرُ تثاؤبه
فيطوفُ الشعرُ في الأجراس
تراتيلَ تؤسرُ الفقراءَ
ألحانُها النازفةُ على راحاتِهم
فيُشْبِعونَ الطينَ أساورَ من طقوس
وتواريخ من قرابين
ويوخزونَ الاناملَ بالملح
ويجمّرون العيون بأسمال الآلهة
صورة لمعاناة موجعة ومؤلمة خرجت من لدن الشاعر بحرقة وألم ولربما كان المؤثر قوياً لدرجة التصاقه بالبيئة المملوءة بالمتاعب والوجع الدامي ……..
فهي نهضة لكل شيء من حوله العربات …. ونهوض الشجر ليوم جديد بعد سبات الليل ، أما لفظة الشعر في الأجراس هي ذات ايقاعات قوية لها عدة مدلولات وضربات شعرية قوية تحتاج التمعن في الولوج داخل الألم الذي رسمه الشاعر بطريقة رمزية بحتة تكاد تمتزج بين تراتيل الفقراء وتلك الأنامل التي تصيح بطريقة من الصعب ان يشعر بها سوى من يعيشها
حين يحتشدُ الوردُ ثانية ً
تلملمُ الارضُ زخرفَها
وتتنحَّى في معبدٍ كهلٍ
قناديلَ وأرغفة
وآلهة تسرقُ ضحكاتِ القلوب
يتسللُ الليلُ ناياً يلهبُ خيبةَ الدمع
ليرتوي الفراتُ أنينَ المزامير
هذا المقطع مزيج من الحالة الفكرية والوجدانية اذا ان الشعور والانفعال ادى لترجمة النص بطريقة فنية رائعة مكررا مفردات (( يحتشد الورد )) ومصورا تنحي الأرض في معبد كهل اتعبه الزمان ، وهو بحد ذاته صورة فريدة للوجع والمعاناة ، مع الإشارة إلى ذات قلقة من أنينها وماهيتها ،
العمق الثقافي لدى كاتب النص كان له الأثر الواضح على النص وهو بحد ذاته إبداع قد تجلي ولكننا وبذات الوقت ليس مع الإبداع فقط بل مع الحفاظ على الإبداع وهذا أمرٌ صعب قد لا يتحقق بالمطلق وفي كافة الأزمنة والأمكنة حتى لا يكون هناك سيطرة لأحد على وجه الاطلاق حينها ينتهي دور المتذوق للنصوص الأخرى وهو سر من أسرار استمرار الشعر والشعراء ،
وصورة الآلهة وهي تسرق ضحكات القلوب صورة رمزية بحتة تحتاج الغوص في مضمارها الواسع ، أما الليل وخيبة الدمع فهي ألفاظ مأنوسة وغاية الجمالية التي لا تتعب المتلقي ، وذاك الفرات الذي يرتوي من أنين المزامير ، بالكاد تكون ترجمة لإطار الوجع الذي سيطر على معظم النص
البوابات مرايا صدئة
وحده الصخرُ ينطقُ نازفاً
وأنت تمسّدني باشتهاء
وقميصي أبيض بلله الحفاةُ
برهولة أفواههم الفاغرة
دعني أستريحُ
على جفافِ مسلتنا الغارقةِ بالصمت
وبقايا الرُّقمِ النادبة
وتواريخ الدم المتيبّس في الطرقات
فالروحُ بلحنها المعتّق
تصرخ ُ من جمرِ الحفاة
وتشكو شحوبَ أهلتها
دعني
فالبلادُ اسرابُ ملائكة
يهيمونَ في النخل
يطعمونَ عذوقها الماءَ
ويزفرونَ العطرَ في الثرى
فتخضرُّ البراري
وتطيرُ الفزاعاتُ ..
والنهرُ يساقُ بدمٍ رطبٍ
يومضُ جسدَ الماء
لا الملوكُ ملوكٌ
ولا العوامُ عوامٌ
لكنَّ العمرَ يمضي
والخطيئة واحدة !!.
صورٌ شتى تجمعت في أواخر النص تلك البوابات الصدئة والصخر الناطق بالنزيف والقميص الأبيض والأفواه الفارغة المتعبة قد ترجمت ترجمة رائعة مخلفة ورائها صورا شعرية رائعة ومن ثم الانتقال إلى (( دعني )) وهو فعل حلق معه الشاعر إلى أبعد حدود الخصوبة والأماني تاركاً خلفه المواجع ومحلقاً بأمانٍ غاية الصعوبة أن تتحقق لذا أطلق لنفسه فضاء الحرية فراح بعيدا يصور لنا تحليقه بطريقة رائعة .
لا الملوكُ ملوكٌ
ولا العوامُ عوامٌ
لكنَّ العمرَ يمضي
والخطيئة واحدة !!.
هذه العبارات كانت ختام الرحلة المؤلمة الواسعة التي صاحبها الوجع والألم ، وهي عبارات جسد من خلالها أن الإنسان مهما كان ومن يكن فهو طين والخطيئة واحدة من أين ما صدرت وهي دلالة على مضي الجميع ،
النص مزيج من الوجدانية الذاتية تسيدها المستوى الفكري والمستوى الشعوري من التوتر والقلق واليأس والملل والعبث وبقية المؤثرات الشعورية ، وللعمق النفسي والفكري التأثير الواضح في قصيدة الحداثة مع مؤشر حركة التجديد للشعر الحديث ….. النص وحدة موضوعية جميلة وصورة شعرية غنية بالتعبير والمدلول مع لغة تحتاج الوقوف عليها طويلا ……….. أما المضمون فهو يصب في الوجع والمعاناة
























