الشاعر حيدر عبد الخضر وتأويل العنونة .. طرازات إنسانية من طينة الجنوب العراقي
وجدان عبدالعزيز
بغداد
حفل ديوان (جسد تعثّر .. بالندى) للشاعر حيدر عبدالخضر ، بالكثير من فصاحة الكلمات وبلاغة التعابير ، وبقي الديوان محاولا الافصاح والابانة عن المعنى .. واعتمد ايقاعا خارجيا واخر داخليا ، حيث الترنيمة الجمالية التي تغنت بالوطن والانسان ، رغم مسحة الوجع الجنوبي ، الذي طرز الديوان ، فمنذ الوهلة الاولى ، نجد عنونة الديوان بجسد تعثر غير ان عثراته كانت بالندى .. وتحتمل هذه العنونة تأويلان : الاول لكثرة العثرات اصبح الندى حجر عثرة ، رغم رقته في طريق تكوين الرؤية ، اما التأول الثاني ، فيشكل رؤية جمالية بأن العثرات ، ماهي الا تمسك بالحياة وجماليات النهوض والوقوف ثانية على اعتاب الحقيقة باعتبار الندى بداية وليس نهاية ومن المدخل الذي يقول فيه الشاعر :
(هنا البداية .. حيث الطين كان فما
يرتل النخل والاسفار والحلما
هنا تعثرت بالاسماء .. “فز”دمي
وكنت ارضعه جمرا ، وان فطما
هنا تلمس صوتي
وحي غربته
فحطم الصمت والتيجان والصنما
أنا الجنوب عويل الارض فوق فمي
فهل رأيت جنوبا ليس متهما ..!؟)
وهنا اورد حالة عامة تقليدية في الشخصية الجنوبية العراقية ، وهي ان الصورة الذهنية لهذه الشخصية ، تتجسم بالمحبة ، وصناعة السلام ، لهذا اجد الشاعر حيدر عبدالخضر ، رغم سلسلة الفجائع وركام الالام ، الا انه اضفى على مجمل قصائد الديوان مسحة جمالية مشرقة ، فيخاطب جنوب وطنه العراق : (منذ ان كثر/فيك الانبياء/منذ ان حط على جرفك عصفور السماء) ، كمقدمة لبوح رؤية مهمة وهي : (كنت انت الفيض والمعنى) ، فالتفكير الإنساني – إذن – معرض بطبيعته للخطأ والصواب ولأجل أن يكون التفكير سليما، وتكون نتائجه صحيحة، أصبح الإنسان بحاجة إلى قواعد عامة تهيئ له مجال التفكير الصحيح متى سار على ضوئها ، ومن هذه القواعد تقديم مقدمات ، لاجل البت بالرؤية الصحيحة ، فاشارة الشاعر: (هنا البدايا .. حيث الطين كان فما) ، لأعرق حضارة ، حضارة سومر ، تكفي لجعل الجنوب محل فخر ، وتراث انساني اسس العولمة الفكرية منذ فجر السلالات وهنا تبرز (أنا الجنوب) ، ولكن هل هذا تعنصر ومحدودية تفكير ، ما يؤكده المنطق هو تثبيت القيم والمحبة وصناعة السلام .. فديوان : (جسد تعثّر .. بالندى) ، طرح الاوجاع وتقابلها قيم الجمال والمحبة والسلام .. حيث يستمر الشاعر بخطابه الشعري ، كمشروع رؤيوي ، قائلا :
(مازلت اغزل من خيوط الشمس
سرّا لانسكابي
ـ عبقا ـ
ومازلت الذي
يحيا ويهتف للتراب
طافت على رُقمي
أساطير الوجود ، وبصوتي اختتمت
نبوءات الكتاب
أنا سادن النهرين
من مثلي توضأ .. بالسحاب.)
والايحاءات واضحة لقداسة وطهر بلاد النهرين ، بدليل قول الشاعر : (من مثلي توضأ .. بالسحاب.) ، ويضيف ايضا : (باق الوّح للندى) ، وهذه اشارة جمالية لبداية انبلاج الصباح ، للاستمرار بالحياة والتمسك بها .. وبين قصيدة واخرى ، يؤكد حالة الافتخار كما حدث في قصيدة (وأرخ نبضي بالقصب) منها : (“هلي” رغم الاسى والضيم /ما شحّوا ومانضبوا) .. (لذا هتف الندى بأسمي/وأرخ حزني القصب/اذا قالوا عراقي/يفوح الكبر والغضب/وكل فضائل الدنيا/ الى معناي .. تنتسب/فان شحّت قناديلي/وأدمى صوتي العتب/سأكمل رحلتي شمسا/ بها تتعثر .. السحب/وأطلق من دمي طفلا/على الشرفات .. ينسكب) .. يقول ادونيس : (الشعر بحسب هذه الجمالية ، كمثل النسيم المبثوث في العالم حيث الابداع انبثاق يشيع الحياة في كل شيء ،وحيث تزول الحدود بين الأنا الآخر ، الذات والموضوع ، وتتآلف الاطراف)1 ، واعطى الشاعر مثالا راقيا للجسد العراقي وهويته ، اضفى عليه سمات انسانية عامة ، الا انه استثناه بأنه لاينتمي لاحد ، رغم صابون الحضارة ، واضفى ايضا جمالية اخرى على الجسد العراقي في قصيدته (رفّوا عليه .. نوارسا وحماما)، فـ(أديم الموت خمرتنا/وعزرائيل ساقينا عند الصباح) ، الا ان (كل الوجوه تنفست خطواتها/نحو “الامام” ، هي قبة خضراء/طرزها اليمام/تتناثر الاقمار حول ضريح/فنهز جراحنا شوقا/ لنولد في المقام) .. اذن في حضرة الامام موسى الكاظم “ع” وهو جدث نولد من جديد .. فـ(في ضوء تطور الفكر الانساني واتساع افاق المعرفة في البحث عن ماهية الذات والوجود وسبر اغوارها في مدى ارتباطها باحداث عصرها المتحرك وظواهر واقعها المتجدد ، برزت مفهومات في الثقافة الادبية تحاول الربط بين التجربة الادبية واثر المجتمع والاحداث فيها . فالثقافة الادبية ، على سبيل المثال ، هي جزء فعال من ثقافة بيئة انسانية او مجتمع بشري ، وهي في الواقع حصيلة اجتماعية للافكار الانسانية والحرف والمعتقدات والعادات ، مهما كانت تلك الثقافة بدائية او معقدة حضارية جامدة او متطورة . فالتراث الثقافي له القدرة على الحركة والتطور والانتقال من جيل الى جيل . ولابد في مثل هذه الحالة من وجود بعض المناهج والحركة في كل ثقافة .. لاننسى ان تطور المعرفة والقيم الاخلاقية ، هو جزء لايتجزأ من مفهوم الثقافة . فالخصائص الثابتة لأية ثقافة تنعكس عادة على التجربة الادبية التي تولد بين احضان الذات والروح الجماعية. لذا فان نسق العمل الادبي الذي هو في الواقع نسيج التجربة الادبية من الناحية الفنية ، يمثل الادب في مفهوم المعرفة الانسانية وفي حكم القيمة لأنه ، أي النسيج الادبي ، جزء من خبرة القاريء)2 ، وبهذا نسلم بان الشاعر حيدر عبدالخضر ، عمق رؤيته الشعرية وغذاها بتجربة استيعاب حضارة الجنوب ، وبدالة وطنية عابرة للفئوية وناصرة للانسانية ..
هوامش البحث :
1 ـ كتاب (الصوفية والسريالية) ادونيس /دار الساقي طبعة 2010م ص142
2 ـ كتاب (التحليل النقدي والجمالي للادب) الدكتور عناد غزوان / دار افاق عربية للصحافة والنشر بغداد 1985م ص73ـ74
3 ـ ديوان (جسد .. تعثر بالندى) للشاعر حيدر عبد الخضر /دار الشؤون الثقافية العامة ـ بغداد الطبعة الاولى 2016
























