الشاعرة السورية وفاء دلا.. لمعُ الرذاذ وترتيل العنفوان

الشاعرة السورية وفاء دلا..  لمعُ الرذاذ وترتيل العنفوان

طلال سالم الحديثي

شاعرةٌ تكتب لمحها الوامض بـ(رذاذ الجمر) عنوان إحدى مجموعاتها الشعرية ، وكأنها تلخص معاناتها بذلك اللمح ليشاركها القارىء راضياً وقانعاً _ حالة التشظي _ بدلالاتها المستقرة في أطواء النفس وهذا ما توحي به عناوين ثلاث مجموعات شعرية مطبوعة هي : رذاذ الجمر ، طفلة الإحتراق ، لي .. تراتيل العنفوان ، فالعنوان (يمثل أحد المفاتيح الإجرائية التي تُسهم في توجيه المُتلقي إلى مقروئية النص من خلال ماتمنحه له من صورة إستباقية عن المتن ، وشحنة دلالية مُكثّفة تدفعه إلى البحث عن جماليتها في المتن)  (1)  فعلى مستوى الدلالة نلاحظ إشتراك العناوين الثلاثة بمُشترك واحد هو (الإحتراق) ، ببعده النفسي الذي يتمظهر في مستويات التعبير المُختلفة عبر المجموعات الشعرية الثلاث للشاعرة ، ففي (رذاذ الجمر) نجد : زهورك ناري ، تهليل صراخي ، النار المغسولة بالقبلات . وفي (طفلة الإحتراق) نجد : وردة الدم ، لبن الإشتعال ، دم الإحتراق ، لهيب السؤال ، ينبثق الحزنُ بلوراً ، جثمان الضوء ، أوقد الدمع ، لحد الريحان ، وأبكيك ، والنار تأكل ما تبقى من جنون الدم ، هل تبصرون دمي ، عناقيد إحتراقك ، فأنا إحترقت بجمر حبك . وفي مجموعة (لي .. تراتيل العنفوان) نجد : نثار الجمر ، ها أنا المقتولة ، إلياذة موشحة بالنار ، مُرصعة باللهيب ، والنار تشقى ، نارٌ تُحدِّثُ أطوارها ، خبز الدماء ، شوارع القتلى ، دماء أطفالي البريئة .   هذه التعابير ومثلها كثير تُخيم بمدلولاتها على ضفاف المجموعات الثلاث لتؤكد للقارىء مدلولية النصوص من خلال عناوينها ، ومن خلال عناصرها أيضاً . إن مرارة التجربة عند الشاعرة وفاء دلا_ وهنا أعني التجربة الحياتية _ هي قرينة هذا التشظي الذي تدل عليه العناوين ومضامين النصوص ، منها هذا النص الذي يكاد يلخص التجربة كلها بمرارتها ، تقول في نصها (إيقاع الظل) من مجموعتها (رذاذ الجمر) :

إلى غاياتها الأشياء تسبقني/ أنا غيب الدموع /وصورة الماضي / ثماري في المدى جفّت / وقبل ثمار ضيعتنا / وإذا قلتُ إقرأوا عمري / تروا شواردي غرُبتْ ، وقبل أوانها شاخت / تروا حدود أحلامي محاصرة / وأشجار الندى فيها / إنتظارات معلقة / على الأوهام / سماويٌ لهاثُ دمي / وإثمُ النور / في لغتي / أنا الأنثى التي تعبت / وأنهكها الوقوف / على مدارات الفصول / أنا الأنثى التي ، خطفتْ ، من الشمس الأفول / فهل أمحو السرابَ ، عن الضبّاب / وأبدأ المجهول … ؟؟؟ إن اللغة _ لغة الشاعر _ منْ شأنها أنْ تفتح أفقَ المعنى ، ولغة الشاعرة وفاء دلا لغة تتسم بحيوية التعبير المباشر الذي ينأى عن القاموسية والجمود ما دام معبراً عن مرامي الجمل والعبارات الشعرية التي تكوِّن القصيدة أو النص الشعري ن وهذه ميزة في شعر الشاعرة التي قليلاً ما تنساق إلى إضافات تعبيرية من الأفضل للشعر أنْ يتخلى عنها للحفاظ على رشاقة النص الشعري وشعريته . إن إشعاع النص الشعري إنما ترسله للمتلقي عناصر تركيبية في النص من أهمها : الصورة الشعرية ، والصورة الشعرية النابضة هي مبعث الومض في أية قصيدة أو نص شعري ، كصورتها التي يرسمها قولها في قصيدة (شذى روحي) في مجموعتها (رذاذ الجمر) :

ماذا أقولُ لنرجس الأحلام ؟

إذْ يغفو على كتفيِّ فاختة

تلوِّن بالهديل ثيابَ أُغنيتي ؟!

في قصائدها ثراءٌ في التعبيرات المجازية وما في مضمونها من إستعارات وكنايات يعجزني إحصاؤها في مثل هذه المقالة التي أكتبها كترحيبٍ بمثابرتها في إنتهاج كتابة القصيدة على هذا النحو من السلاسة والشفافية والعمق ، كمثل قولها :

وأنضجُ مثل الزهر ومسك العنبرْ

بركانُ وردي يقذفُ عطراً

يغمرُ خفقات فؤادي بالمرمر

خيمةُ روحي ترجفْ

وعمادُ الخيمةِ صوتُكَ

حينَ يهزُّ القلبَ فيسكرْ

ولدي … وحبيبي الأصغر

أو قولها في (طفلة الإحتراق) :

أزرعُ بين ثنايا الطين

لهاث الروح العطشى

وأسكبُ في الثغرِ الولهان

رضاباً تتوهجُ منْ لذعته

الشفتان أو الشطآن

ومقالتي هذه قاصرة عن الإلمام بما في مجموعات الشاعرة وفاء دلا من موجبات فنية تستحق الاهتمام والبحث ، كالإيقاع في قصائدها وتفعيلات القصيدة ، وهذا ما يتطلب وقتاً مضافاً لايُتاح لي الآن في هذه الوقفة القرائية في شعر الشاعرة التي أثق بقدرتها على مواصلة خطوها الشعري بثقة أكيدة على كتابة القصيدة المتجاوزة إلى أفق الإبداع .

{{{

{ عصام حفظ الله ، عن التناص التاريخي في شعر أبي همام ، مجلة عالم الفكر/ الكويت عدد (1) مجلد 44 / 2015