الشاعرة الأردنية غدير سعيد حدادين: التعبير عن نفسي تستجيب لمشاعري ورؤيتي

الشاعرة الأردنية غدير سعيد حدادين: التعبير عن نفسي تستجيب لمشاعري ورؤيتي

عزيز البزوني

غدير سعيد حدادين شاعرة أردنية من مواليد مدينة عمان عام 1977م،بكالوريوس تربية رياضية، جامعة اليرموك/كلية التربية الرياضية، اربد ماجستير تربية رياضية، الجامعة الأردنية / كلية التربية الرياضية، عضو الهيئة الثقافية في مجلة المنافذ الثقافية” الصادرة من بيروت، عضو رابطة الكتاب الأردنيين ، وعضو رابطة الأدباء العرب 2013، صدر لها ثلاثة دواوين شعرية( “سأكتفي بعينيك قمحاً للطريق”، “أُشبهني” ، “أحلمُ كما أشاء”)، شاركت في العديد من الأمسيات الشعرية ونالت اغلب الجوائز وكتب الشكر والشهادات التقديرية خلال مسيرتها في عالم الشعر، التقينا بها فكان هذا الحوار معها:

{ تحملين شهادة أكاديمية في مجال التربية الرياضية ولكن مجالك الرحب هو الشعر ما موقعك في الإعراب في عالم الكتابة؟ ما جدوى الكتابة وماهيتها؟”

– صحيح أن تخصصي الجامعي هو التربية الرياضة، ثم تابعت دراستي فحصلت على شهادة الماجستير في التربية الرياضية تخصص: العلاج الطبيعي، كما أنني أيضا لاعبة كراتية، قد يبدو هذا للبعض غريباً، ولكن لا أرى في ذلك أي تناقض في حال توفرت الإرادة والموهبة والرغبة، وأنا لست المثال الوحيد على ذلك، فهناك أطباء ومهندسون وسياسيون وعلماء وإعلاميون هم في ذات الوقت أدباء وشعراء وفنانين، ففي كثير من الأحيان لا يكون هناك علاقة واضحة وحاسمة بين فرص الدراسة المتاحة والتخصص المهني والمواهب أو الرغبات العميقة في الإنسان .الإنسان حالة مركبة، وردود فعله وتفاعله تجاه الواقع متنوعة، بالنسبة لي وفي مراحل مبكرة كنت منشدة إلى عالم القراءة في الشعر والرواية، كما أن البيئة الحاضنة أقصد الأسرة هي بيئة مشغولة بالثقافة والأدب فوالدي هو الفنان التشكيلي الأردني سعيد حدادين، كل هذا شكل سياقات وعيي وذوقي، كنت من الصغر أتعايش مع الألوان والنقاشات، مما شكل قوة دافعة لتعزيز ميولي وموهبتي ورغبتي. لهذا فلا أجد أي غرابة في خوضي تجربة الشعر والفن التشكيلي، أصلا هذه المسألة لا تشغل بالي كثيرا، فأنا أقوم بالتعبير عن نفسي بالطريقة التي تناسب وتستجيب لمشاعري ورؤيتي للحياة، وبما يستجيب لانفعالاتي الخاصة والعامة تجاه ما يجري حولي، إنني أخوض تجربة تتناغم مع أعماقي.ولعل الشق الثاني من السؤال أقصد موضوع الكتابة وماهيتها يعزز هذه الفكرة، فالكتابة كما أفهمها هي فعل وتفاعل مع الذات ومع المحيط الاجتماعي والطبيعي، إنها ليست مجرد تفريغ، إنها أبعد وأعمق من ذلك، الكتابة الأدبية هي فعل ثقافي اجتماعي، تستهدف وعي الذات والواقع بصورة أعمق، يمكنني ان أقول أنها رد فعل ووسيلة لكشف الوعي، وبهذا المعنى فهي أيضا قوة تغيير، وبالتالي فالكتابة ليست ترفاً أو عملاً منعزلاً عن الواقع بكل ما فيه، فلنتخيل المجتمع بدون الإبداعات الثقافية الأدبية وغيرها، إذن الكتابة بصورة ما هي تعبير عن قدرة واستعداد الذات لوعي الواقع والتفاعل معه.

{ يقال بان الومضة الشعرية نص مهجن من فنون عربية وغير عربية وشعرية ونثرية، ظهرت مع الانفتاح التكنولوجي والترجمات ما هو ريكِ؟

– جيد أن نصنف ونحدد، ولكن حذار من تحويل هذا التصنيف إلى قيود وحكم قيمي على الأعمال والمحاولات الإبداعية. كنقطة انطلاق في التعامل مع هذا السؤال أود أن ألفت النظر إلى أن المنتوج الإبداعي في أي مجتمع لا يحدث في غرف مغلقة، أو في كهوف العزلة، بمعنى في هذه الأيام لا توجد ثقافة لا تتأثر ولا تؤثر بغيرها من التجارب الثقافية، فانفتاح العالم جغرافيا واجتماعيا وحرية التواصل الهائلة، كل ذلك يجعل من عملية التفاعل مسألة تحدث بصورة طبيعية.انطلاقاً من ذلك فإن الومضة الشعرية هي نتاج طبيعي لكل هذه التفاعلات والتحولات، وأنا لا أرى في ذلك مشكلة، فالعملية الإبداعية بغض النظر عن أسلوب وطريقة تعبيرها عن نفسها عند هذا الكاتب أو ذاك في هذا المجتمع أو ذاك ليست وحيا فجائيا يهبط من السماء أو من الفراغ.أقصد أن الومضة الشعرية هي استجابة لحركة الواقع، وهذا الموضوع لا يقتصر على الومضة الشعرية فذات الشيءيمكن قوله عن الفن التشكيلي وتأثره بالتجارب العالمية ، وايضا القصة والرواية والسينما، كلها تتفاعل مع غيرها من التجارب، ولكن يبقى التحدي الأصعب في سياق هذه العملية التفاعلية هي قدرة الكاتب على تجاوز الاستجابة الميكانيكية، بمعنى كيف يمكن الاستفادة من تجارب غيرنا من الشعوب ولكن بطريقة نحافظ فيها على روح التجربة إرتباطاً بالخصوصيات الاجتماعية والحضارية!؟. بعد ذلك لا خوف من عملية التفاعل مع ثقافات الشعوب الأخرى، يتولد الخوف حين تصبح الثقافة والمثقفين في مجتمع ما مجرد متلقين ومستهلكين للثقافات الأخرى، هنا يحدث الاغتراب والتقليد الثقافي، وهذا يشكل خطورة على دور ووظيفة الثقافة في المجتمع المحدد من خلال إسقاط أسئلة ومشاكل مجتمعات أخرى تختلف خصوصياتها وهمومها عليه. وبكلمات بسيطة لا يمكن لأي كاتب أو مثقف أن يقرأ ويستمع ويتابع تجارب وإبداعات الشعوب الأخرى دون أن يتأثر بذلك، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بل إني أرى في ذلك شرطاً للارتقاء، ففي النهاية الثقافة هي منتوج الإنسانية بكاملها عبر تاريخ تفاعلها وتراكمها الطويل.

{ الشاعر حامل قضية الإنسانية والوطنية، ما لم يملك الروح النقدية لن يحلق خارج السرب؟

– هذا سؤال جيد، نعم الشاعر أو أي مثقف ليس فاعلاً إجتماعياً مقطوعاً ومنعزلاً عن واقعه الخاص والعام، من هنا فإن الثقافة هي الحقل الأكثر حساسية تجاه قضايا الإنسان والوطن، بهذا المعنى فهي عملية وعي للواقع ونقده وأيضا قوة دافعة للتغيير الإيجابي. وحتى يقوم الشاعر بوظيفته على هذا الصعيد عليه أن يمتلك وعيا جيدا لهذا الواقع سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي، هذا لا يعني أن عليه أن يكون سياسيا، ولكن عليه أن يملك رؤية تجعل من تجربته الأبداعية ذات جدوى عامة، حتى وهو يقوم بالتعبير عن مشاعره أو همومه الشخصية، عليه أن يدرك بأن ذلك هو جزء من عملية ثقافية أشمل.مثلا حين يكتب الشاعر في الحب أو في الهم الوطني أو الاجتماعي أو غير ذلك، حين يكتب عن الألم أو الأمل أو الأمنيات الشخصية أو الوطنية، فإنه بذلك يقوم بالتعبير عن أسئلة ومشاكل وحقائق اجتماعية وسياسية، فهذه المشاكل هي نتاج الواقع، وعليه فإن كان الشاعر يطمح للتغيير فعليه بالضرورة أن يتحلى بحدس نقدي عميق، بقدرة على الرفض والتمرد وكشف سلبيات الواقع، حتى لو أدى ذلك إلى تناقضه أو صدامه مع السلطة سواء كانت سلطة الأسرة أو السلطة الذكورية أو السياسية. وغير ذلك سيبقى يكتب في العموميات. فالأدب في كل المجتمعات كان دائما قوة تشجع على التغيير نحو الأفضل.نعم على الشاعر أن يكون مستعدا وأن يطور قدراته لكي يغرد خارج السرب حين يستدعي الأمر ذلك.

{ يقال بان تجنيس الأدب الى نسوي وذكوري قمة العنصرية؟.

– نعم هناك من يقوم بذلك، ولكني لا أرى أن الأدب أو الإبداع له جنس، فلا يعني أن تكتب امرأة الشعر بأن شعرها هو شعر نسوي أو العكس، فقد تكتب امرأة شعرا يحمل قيما أو ثقافة ذكورية، كما قد يكتب الرجل شعرا يعبر وبعمق راق عن أعماق المرأة وهمومها، فهل هذا الشعر “نسوي” أم “ذكوري”!؟

قيمة التجارب الإبداعية النسوية بشكل عام ومن بينها الشعر تكمن في كونها تعبر بصورة ما عن رؤية المرأة لذاتها في هذا الواقع، ولكن ليس بالمعنى الشكلي أو الانفصالي ، وإنما كحالة تفاعل عميقة. هذه المسألة تشبه من يقول أن كل فئة اجتماعية يجب أن تكون مختصة بالشعر الذي يتعلق بذاتها فقط، حسنا ولكن أليست المرأة هي جزء من المجتمع بكل همومه ومشاكله؟ وهل هناك فئة اجتماعية قادرة لوحدها على مواجهة تلك المشاكل والتحديات؟.

ما أريد قوله أن ” الأدب النسوي” أو “الأدب الذكوري” هو جزء ومكون طبيعي من المنتوج الثقافي الإنساني والاجتماعي، فلا يوجد أدب نسوي نقي كما لا يوجد أدب ذكوري نقي، والتصنيفات هنا وبهذا المعنى لا تفيد بقدر ما تثير الالتباس فقط، فلسنا في الأدب والشعر أمام جبهتين متصارعتين جبهة نسوية وجبهة ذكورية، نحن أمام حالة تفاعل يعبر بها الشعراء الذكور والشاعرات الإناث عن المشاكل والأسئلة التي تشغل بال الجميع، وكثيرا ما تتقاطع المشاعر والمواقف وتتفق، كما أنها كثيرا ما تختلف، أي بذات القدر الذي قد تظهر فيه التناقضات والخلافات حول قضية معينة بين الشعراء الذكور أنفسهم أو بين الشاعرات الإناث بحكم الفارق في الوعي والتجربة. بكلمة لا يمكن أن نتحدث عن انفصال في المنتوج الشعري أو الأدبي بين الرجال والنساء فيما هم وفي كل لحظة من لحظات حياتهم يعيشون الحياة معا بحلوها ومرها.

{ لنتكلم عن دواوينك الشعرية ، من ناحية الفكرة واختيار العنوان وما الذي يختلف أحداهما عن الأخرى، وهل للعنوان أهمية لديك؟ هل أنصفك النقاد؟.

– بخصوص تجربتي الشعرية هي تجربة تعبر عن تفاعلي وقناعتي ورؤيتي وما يشغل بالي من أسئلة خاصة أو عامة، وهي تجربة نضجت بالممارسة، أنا شخصيا استندت في تجربتي الشعرية إلى مشاعري وإحساساتي وكل ما لدي من أمنيات وطموحات وهواجس وآمال وآلام، لهذا فقد تركزت تجربتي بشكل رئيسي على التعبير الانفعال الداخلي لي كامرأة وأم ومواطنة أردنية، كيف أرى الرجل وكيف أرى مفهوم الحب، ما هي الصعوبات وما هي القيود، ولهذا فإن نصوصي الشعرية هي أشبه بالكشف والاعتراف بهدف وعي ذاتي أكثر، ومن خلال وعي ذاتي كنت أشعر بأنني أصبحت أفهم الواقع أكثر.

لقد جاءت مجموعاتي الشعرية الثلاث لتعبر عني في مراحل وأوقات مختلفة؛ مجموعة “أحلم كما أشاء” كانت تجربتي الأولى ، عبرها قمت باختبار ذاتي وقدراتي، وضعت فيها ما يشغل بالي في تلك المرحلة المبكرة، في المجموعة الثانية “أشبهني” ارتقت التجربة من حيث البنية والتركيز والعمل على الجملة الشعرية، ولكني واصلت التعامل مع ذات الأسئلة والهموم والوجدان، ولكن هنا جرى التركيز على وعي الذات أكثر، وبطبيعة الحال استفدت في هذه المجموعة من ردود الفعل والتفاعل الذي تحقق بعد صدور المجموعة الأولى. ثم جاءت المجموعة الثالثة “سأكتفي بعينيك قمحا للطريق”، إنها نقلة تستند إلى النقلتين السابقتين، صرت أكثر انشغالاً بالفكرة وأبعادها، وربما أكثر اقتصاداً في اللغة، بحيث تكون أكثر كثافة ورمزية. ولكن في كل الأحوال كانت تجربتي الشخصية تنضج كلما تقدمت في العمر والوعي وتراكمت المزيد من التجارب في الحياة، هذا بالإضافة إلى ما نواجهه كمجتمع من أسئلة جديدة، بهذا المعنى أشعر ان تجربتي أصبحت أكثر هدوءاً وعمقاً. اختياري لعناوين مجموعاتي، مسألة دائما تشغل بالي، فعنوان المجموعة هو مكون أصيل منها، إنه بصورة ما التكثيف العميق لها، ولهذا حين اخترت عنوان المجموعة الأول “أحلم كما أشياء” لأنني كنت أريد التعبير في هذه المجموعة الأولى عن أحلامي وأمنياتي مهما كانت واقعية أو جامحة، ثم كانت مجموعة “أشبهني” بمثابة وعي أعمق للذات، أي كانت محاولة لإقامة جسر ما بين الأحلام وما أنا عليه، ثم كانت المجموعة الثالثة “سأكتفي بعينيك قمحا للطريق”، هنا أقتربت أكثر من الواقع، بمعنى ربط الأحلام بالممكن كي نواصل الحياة من جانب ونحاول الارتقاء بهذا الواقع من جانب آخر. بالنسبة لموضوع النقاد، نعم لقد تم تناول مجموعاتي من قبل بعض الكتاب والنقاد على شكل قراءات، أحيانا كانت على شكل استعراض لبنية المجموعة أو اللغة، وأحيانا على شكل قراءة تحليلية اجتماعية، على أية حال موضوع النقد للأعمال الأدبية في المشهد الثقافي العربي عموما وفي الأردن بشكل خاص موضوع معقد، فالحركة النقدية في واقعنا تعاني من مشاكل جدية، وهذه إحدى مظاهر أزمة الثقافة في العالم العربي، وهي مشكلة تحتاج لجهود كبيرة كي يرتقي النقد ليلعب دوره الحقيقي في تطوير الحالة الثقافية بما يشكل قوة دافعة للشاعر أو المبدع فيغني تجربته ويلفت نظره إلى جوانب وأبعاد أحيانا لا ينتبه لهــــــــا.

{ هل التنوع مطلوب في العمل الثقافي ولماذا؟ وهل تشهد الساحة الثقافية هذا التنوع الان؟

جواب: إذا كان المقصود بهذا السؤال التنوع الثقافي في المجتمع، فجوابي نعم بالتأكيد، فلا يوجد مجتمع يمكن أن يعيش أو يبدع في حقل ثقافي واحد، فتنوع التعبيرات الثقافية في المجتمع هو تعبير عن تنوعه الاجتماعي وامتداده التاريخي والحضاري، ولكن إذا كان المقصود التنوع الثقافي عند الشخص المحدد، فهذه مسألة نسبية، إنها ليست شرطا، فقد يبدع البعض في الشعر فقط ، وآخرون في الرواية ، وغيرهم في الرسم، وهكذا. ولكن هذا لا يعني استحالة أن يكون البعض مبدعاً في أكثر من مجال في الشعر والنثر والبحث والنقد مثلا، غير أن تحقيق هذا التنوع عند الفرد المثقف مشروط بإمتلاكه المعارف والأسس التي تجعل من إبداعه في كل حقل من هذه الحقول إغناء جديا.بالنسبة للشق الثاني من السؤال، يمكنني القول أن ذلك حاصل بالمعنى النسبي، نعم هناك تنوع، غير أن هذا التنوع لا يعني التوازن، ففي مجتمعاتنا مثلا يحظى الشعر بمكانة مميزة ومتقدمة، وبصورة أقل الرواية ، ثم القصة ، ثم يأتي المسرح، أقصد أن هذه المسألة مرتبطة بالواقع من حيث توفر الحرية ومستوى الدعم وتوفر البنى التحتية، إنه يعكس بصورة ما مدى اهتمام الدولة بالثقافة ومدى الدعم الذي تقدمه وتوفره في حال توفرت رؤية وإستراتيجية وطنية.

{ يقال بان القصيدة العمودية هي أساس الشعر العربي؟.

– قد يقال أي شيء، وفي كل شيء جزء من الحقيقة، ما يهمني هنا هو أن أشير إلى نقطة رئيسية، وهي أن التعبيرات الثقافية لأي مجتمع هي تعبيرات لها وظيفة ترتبط بواقع ذلك المجتمع بهمومه وأسئلته وهويته والتحديات التي يواجهها، وهذه مسائل متغيرة في المكان والزمان، لهذا فإنني أرى أن القصيدة العمودية هي بنت واقعها الاجتماعي العربي، إنها قصيدة أصيلة طبعا، ولكن من قال بأن القصيدة العربية يجب أن تبقى مقيدة بهذا الشكل فقط، أو بشكل ومواضيع القصيدة التي كانت قبل ألف عام!؟المجتمعات العربية تغيرت وتطورت عبر الزمن ، كما أن أنماط الحياة تغيرت أيضا بصورة كبيرة جدا، يضاف لذلك تطور البشرية وثورة الاتصالات والمواصلات والثورة العلمية التكنولوجية، كل هذا أدى إلى الانفتاح والتفاعل بصورة واسعة جدا، وبما أن الثقافة بكامل حقولها هي جزء من هذا الواقع، إذن بالتأكيد ستتأثر بكل هذه التحولات والتطورات، وبالتالي فإن الثقافة العربية عموما والقصيدة العربية على وجه الخصوص من الطبيعي أن تتأثر بكل هذا، كما من الطبيعي أن تتطور أيضا من حيث الشكل والبنية والمواضيع، ذات الشيءيمكن أن يقال بالنسبة للرواية والفن التشكيلي والمسرح والسينما والموسيقى، كل هذه المجالات مفتوحة على التفاعل والانفعال، وبالتالي فإن القصيدة العمودية على أهميتها لا تعني إغلاق الأبواب في وجه أساليب وطرق شعرية جديدة تستجيب لهذه التطورات العاصفة، المهم هو أن يملك هذا التغير والتطور شروط الاستمرار، وبالتالي فإن نجاح أي تجربة شعرية بغض النظر عن بنية القصيدة مرتبط بقدرتها على التعبير عن مشاعر وأمنيات وطموحات الأنسان واسئلة وهموم المجتمع، هذا يشمل الحقوق والحريات، الأماني والأحلام ، فإذا نجح الشاعر والقصيدة على هذا الصعيد فإن منتوجه الإبداعي يصبح جزءا من الواقع والموروث الثقافي لمجتمعه.

مثلا لقد كانت القصيدة العربية في مرحلة ما تعبيرا عن حياة الإنسان العربي حين كانت حياته مرتبطة بالصحراء، ولهذا اخذت القصيدة حينها شكل البحور التي يسهل تداولها وحفظها وتناقلها، كما كان الشعر وسيلة للتكسب عند الكثير من الشعراء ولهذا كان المديح موضوعا أساسيا في الشعر العربي، ولكن هذه المسألة اختلفت مع تطور الحياة والأسئلة والهموم الفردية والعامة، وتطورت المدينة العربية، وعليه من الطبيعي أن ينعكس كل ذلك في الشعر، بمعنى لو أخذت تجربتي الشعرية الشخصية كمثال فهي تعبير عن أعماقي وأسئلتي ورؤيتي وتوتري الوجداني ولهذا فهي أقرب للبوح، أقرب للحوار الخاص ولكنه لا يقطع مع ما يجري حولي في وطني الأردن أو في العالم العربي. هذه المسألة بالمناسبة لا تتعلق فقط بالشعر في الواقع العربي فكل المجتمعات تواجه هذا التحدي ارتباطا بالتطور.ولو أخذنا الشعر العربي او أية تعبيرات أدبية وفنية ورأينا المساحة الزمنية والمكانية التي تفاعلت معها، وصولا إلى الوقت الراهن وتفاعلها مع الثقافات الإنسانية المختلفة بحكم التواصل والدراسة والأعلام والمؤتمرات والترجمة لفهمنا أنه من المستحيل أن لا تتأثر هذه التعبيرات الإبداعية العربية بكل هذا التفاعل الهائل، وغير ذلك ستكون ثقافة منغلقة على ذاتها.ما أريد قوله، أن أي مبدع له الحق في التجريب واستخدام الوسائل التي يمكن من خلالها أن يعبر عن مشاعره وهمومه وعواطفه، المهم أيكون صادقا؟