
(السيابُ يموتُ غداً) أنموذجاً 1-2
الإستبلاء وصيرورة الجملة الكونية
محمد شنيشل فرع الربيعي
مُدخل تنظيري
لو أحصيت مخارج الفهم كلها فأنها لا تتعدى التصور ، وللتصور ضروب كثيرة تُختزل بأكثر من مفهوم يسمى الوهم ، فالفهمُ نوع من الوهم يستوطن القناعات الفكرية المتباينة ، ويكون نتيجة إيمان الإنسان بالمؤثر الأيديولوجي المنسحب على حمولات عقله ، وما ينتجه من أفكار جديدة ، فيستحسن ظنه بها ، وبالتالي يَثقُّ في مفاهيمه ، ومبادئه وبروز مؤدلجات جديدة ، لأن موضوع التفاعل يكون في افضل حال وانسجام مع مجرداته الفكرية .
إن القراءة بإخراج تدبري تصنع (الوهم) الذي هو كتلة خيالية فيتحول سلعة يروجها العقل لتتهافت عليها الأفكار ، مما يجعلها تقدم نفسها ظنّا بتجرد غير واقع إلا في حسابات العقل ، وهذه المجردات لا تتعدى نسبة التصور الملازمة للفكر ، والتصور هو الآخر نوع مثالي لإتمام قضية الوهم .
فالفهم في تقديرنا هو نسبة وجود (الآن) المستبلى في الواقع فقط ، (الآن) الذي فهمته هو نتيجة وجودية في هذه اللحظة ، هو ليس (الآن) بصورة (الإستبلاء) الكلية ، أو الذي سأفهمه لاحقا وإنما هو تلك الشفرة من المحتجب الذي سيأتي لاحقا ، أو هو متحقق في فهمي للموجودات ، أو هو الشروق الدائم للإستبلاء ، وقد يكون الغروب الذي تليّفت به مقادير الضمير ، فلاذت كتل الإختبار بين سحبه ، وقد يكون المفارقة الوجودية التي تشير الى أن النهج القرائي للوجود هو نظام مطلق من (الاستبلاء) تصهره ثيمة الوهم ذاته في النزوع ، أو هو الموت الذي اترقبه بلا صيرورة أفهمها … فأتوهم بين مستويين متشابهيين من الفهم ، (الماضي المستبلى بصيرورته) الذي كان في تقديري يشكل الأن الزمني أو المستقبل ، و(الآن الزمني المستبلى بصيرورته) الذي يختلف عن تفاصيل الماضي ، فلا تقتضي الدلالة الجديدة أكثر من قضية وهمٍ مرتبطة بقضية وهم ماضية ننجرّ بها الى فخ ما نسميه (استعلاء الحقيقة في النهاية) .
إن (الدلالة) إيهام في رفد القناعات بالفروض التي لا تتحقق في أغلبها ، وترويض العمق الإنساني لإدمان ذلك الوهم ، يقابله إنتاج مستمر للاستبلاء .
فما كان من نتاج المحتجب هو اقتراضه لأنواع كثيرة من مفاهيم الحقل الفكري ، ومنه الفلسفي ، واللغوي ، والنفسي ، والتاريخي والميثولوجي … حينما تتطور تلك المفاهيم الوهمية عبر مبادىء اللامعنى تكون رافدا مثمرا لطبيعة الاستبلاء ، وهو نوع متطور من الصيرورة ، متوافق مع الطبع البشري ، يدمنه الحقل النفسي في اختباراته ، وتجريبيته ، وكذا الحقل الإجتماعي ، والفلسفي…
إن التفكير في كنه النص على أساس أنه بدءٌ للوجود لا يُعدُّ نتاجا إن لم يلازم صيرورته فكريا ، والإمعان في كيفية انجاز الوهم الذي هو مصدٌّ للإستبلاء عن طريق فرض أو إقحام دلالة تهيمن على النص .
يقينا أن الذي نمسكه من احتجابه لهو عملية معقدة غير مفهومة الانتاج ، والإخراج ، والدلالة … لكننا نقطع في طيات البحث أن النص ماهية الوجود وهو نوع من الإستكناه المبدئي لإنتاج وجوديات أصغر ، لذا ينبغي ايقاظ التوجه بالعملية النصية من غنائيتها ، ووجدانيتها الى فصيلة من فصيلات الفكر الجديدة ، وحاولنا أن نجد مخرجا أو تقاربا بين النص وسياقه ، منطلقين من المنهج المعبر عن وجودنا في كلية النص أو بعضه.
لقد عولنا على منهج النص نفسه ، وليس المنهج السياقي ، فكل الذين تناولوا مفهوم النص لم يتجاوزه في دلالته اللغوية أو السياقية ، لهذا أردنا ان نؤسس لمدِّ قنطرة عبور من القراءة السياقية الى القراءة النصية .
إنَّ النص طَبْعٌ في ماهية الإحتجاب التي تُعدُّ من مكونات الماهية الأولى التي على ضوئها قام الوجود بتشيكل سمات تلك الماهية الأولى (النص) المكون من عدد من النصوص ، وبه يشكل (الوجود) معاذيره في حال الإحتجاب الكلي .
إن اللجوء الى تلك المعاذير إنما هو إنشاء طبقة من المفاهيم الوضعية الواهمة لتسد منافذ الفراغات التي من المفروض أن تكون في خدمة الحقيقة “كالذات والحضور والوعي والتطابق واليقين والثبوت… هذه هي الأدوات المفهومية التي تستعمل في خطاب الحقيقة” علي حرب ، نقد النص ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، المغرب ، ط5 ? ص17.
ا الإستبلاء ؟
لاء: (اسم)
مصدر بَلاَ ، لَمْ يَعْرِفْ إِلاَّ البَلاءَ وَالمِحَنَ : الْمَصاعِبَ والْمَصائِبَ مَنْ طالَ غِناؤُهُ عَظُمَ بَلاؤُهُ
أَظْهَرَ بَلاَءً : بَسَالَةً لَقَدْ أَبْلَى البَلاءَ الحَسَنَ ( التوحيدي )
أصحاب البلاء : المجذومون
البَلاَءُ الغمّ والحزن
البَلاَءُ الجهد الشديد في الأَمر .
تعريف و معنى بلاء في معجم المعاني الجامع، المعجم الوسيط …
www.almaany.com/ar/dict/ar-ar
إن قضية (الاستبلاء) عند عبد الجبار الفياض هي الكيف الصيروري في الطين البشري ، وعنده تنصهر في نظام وجودي فطري باتجاهين مختلفين من حيث :
أولا الإتجاه السلبي .
ثانيا الإتجاه الإيجابي .
أما الاتجاه الثاني ، تمثله حقيقة تطهّر (الاستبلاء) للجسد البشري الذي يحمل خاصية الكائن الحي ، ومن الجدير بالذكر أنها تكمن من خلال تواصل ذلك الجسد مع فلسفة (الاستبلاء) التي تُشفَعُ بقدرات عقلية عالية ، فكلما علا استبلاء الوجود بطريقة طردية كلما تنامت قواعد (القناع) وتعزيز مكامن الأصل الصوفي في النفس البشرية ، إنها لغة رفيعة تدل على التطهر ، ولا أقصد التطهر على المبنى الإفلاطوني ، أو الشكسبيري ، أو البراغماتي ، أو الصوري …وإنما هذا التطهر قد يكون كسر للمحتجب ، أو تطور وتشذيب لمبحث هويّة الذات ، فـ (المتبلى) هو الإنسان في رتبته الوجودبة ، وحقيقته المضمرة ، ودلالة معانيه الفوقية ، أي أن المتبلى في قيمته ، وقيّمه الوجوديّة ، ونظام صيرورته… و(الاستبلاء) هو نظام الوجود المشفر المرافق للانسان .
والإتجاه الأول(السلبي) هو قضية الألم الوجودي المكرور، وما آلت اليه (الأنا) الوجودية من عطب ، والمثول أمامه بطريقة الإستسلام ، فتتحرك قوى مكينة داخل الكيان البشري تعلو وتسيطر على منافذ الحل ، فتحيل الأنظمة الداخلية البشرية الى مصنع لإنتاج الوهن المتنامي ، فيسقط به كل شيء .
لقد شكلت البنية الوجودية كل ما من شأنه أن يكون محتجبا في السلوك البشري بزعامة مفاهيم غير منقطعة ، ومنها (الاستبلاء) وعن طريق التأمل في المستغرق ، والقناع ، والألم ، والمرض ، والموت…
وهذه التقنية تعني البحث عن آلية موت الظروف التي تخلق المأساة نفسها ، وموت الموجودات الضارة ، وموت النظام السياسي ، والإقتصادي… والتخلص من قضية الحاكم والمحكوم ، وكل ما من شأنه أن ينظر الى الإنسان نظرة استعباد من خلال إحالته الى منظومة من التشيىء ، ونظريات الهدم الفكري… التي تعمل على تفقير كيانه ، وتفريغه محتواه ، ونزع خلافته تحت ظل هذه الظروف مجتمعة .
يبدأ الفياض مسيرته التطهرية عن طريق الدخول الى مغنطة المحتجب والتقرب اليه عن طريق محتوى (الاستبلاء) نفسه ، ليكتسب خاصية وجودية متدفقة في ممارستها النصية ، وكشفه لقناعات تمكّنه من كسر القناع الذي ما عاد يجدي في احتجابه المعلن ، ولأن (الاستبلاء) بات استعارة في تغيير مفهوم القناع الذي فضحته أساليب العصر وكشفت لونه ، وحجمه ، وشكله ، وعمره…
. . .
المُدخل الى الإستبلاء(قبليته)
إنَّ الفرق جلي وواضح بين أن تتواصل مع الوجود عن طريق (كتلة غير منقطعة من نصوصه) أو تتواصل مع تلك النصوص عن طريق (الوجود) على ألا يكون المحتجب متلاصقا ، أو متواصلا مع المحتجب من اللغة المعجمية أو النحوية…لأنها (اللغة) لا تمثل صيرورة دلالية محتجبة بل هي محور باق للمحايثة الإنعكاسية في بنية من بنياتها المتوترة التي لا تخضع لمعايير تركيبية ، وبلاغية ، وصرفية ، (الإحتجاب معنوي غير مرئي) فهي (اللغة) لا تؤدي دور المعنى المناط بها إلا وهي مرتبطة بممارسة سياقية خارج النص (الواقع) لذا قلنا أنها محمول(اللغة) مهمتها إنتاج أصوات في الحامل الاول (النص) ونحن نبحث في أولوية قدم النص على السياق ينبغي أن نعيد له (النص) حياة التطهر لإعادة استقرائه (واقصد أن تعاد معالجة النص وفتح مراتبه الفلسفية ، واستبيان سلوكيات الواقع المثخن بـ (الإستبلاء) عن طريق ترك التطرف العاطفي ، والتخلي عن فخامة اللغة وترافتها) ، ولأن المعاصرة تفرض علينا أن نشخص ما في أفكارنا من سلفية ، وإغناء نظام جديد للمستغرق ، بسبب تجديد القناعات التي تعني تجديد مفهومية النص .
لم يكن عبد الجبار الفياض قد استدعى مستقبيلة ، أو حضورية (الألم) السياب ، إلا من ذلك الواقع المناط باضطراب الفعل (تراكمية الألم) وليس الحركة (الإستبلاء) ، أي لا محالة من اضطلاع الفعل (الألم) على الواقع ، والضير الذي حمله الفياض يقدر بالحركة (الإستبلاء) المتروكة في النص ، فاذا كان (الألم) فعلا قد وقع على الواقع ، فلابد أن يكون (الألم) أكثر وقعا في (الحركة) التي تسبق الفعل ، وكأن الأمر برمته يقع ضمن طائلة الإستقراء في طبيعة الأصل ، لأن الترتيب في وقع الفعل ينبغي استباق الوقع على (الحركة) أي أسبقية (الاستبلاء) على الفعل (الألم)* .
هذا القدر الوجودي يعمم رؤيته على الجنس البشري فيستحيل الى حركة مؤثرة تنتج الفعل (الألم) ، فتنمو مع كل حياة .
لقد عَمَّدَ عبد الجبار الفياض النص باسم (السياب) ولم يجعل (الاستبلاء) يختص بفردانية واحدة ، أو نظام واحد ، فكان السياب قضية براغماتية للدخول الى المبنى النصي ، ثم أن قضية الموت لم تعد نوع من (الاستبلاء) وقتا زائلا في الحضور لكنها تترك بادواتها أثرا ، فقد يكون (الاستبلاء) في القدرة الفكرية عامة ، وقد يكون في تنامي طريقة العيش ، وقد يكون نمطا تذاوتيا… عموما هو محصلة من محصلات الوجود التي تمس الكائن البشري .
و(الاستبلاء) من خلال تجربة السياب التي مسسناها في الإبتداء لا تنتج (فعلا) إن لم يكن هنالك اتصال مع متلقي ، أو مستجيب ، وهو الإنسان سيد (الحركة) .
لقد أسهم (الاستبلاء) في قص أثر بناء منظومة العمل الإبداعي ، والإنساني ، والشهرة ، والفاقة ، والغنى… وكل ما يدلل على بقاء أهلية الإنسان باتجاهيه المذكورين آنفا(السلب والايجاب) وإن تحكمت به قوانين الطبيعة المكشوفة ، والتيارات الفكرية الجليّة ، لكن هذا لم يكن إلا بعد (الفعل) فحركة السياب في التجديد باقية ، وهي من مدونات (حركة) الفكر والتاريخ التي لا تنقضي إلا بانقضاء الكون .
. . .
ألقى ما أثقلَهُ سَفَطاً في جوفِ الخليج
آلامَه
جيوبَهُ الخاوية
ألقابَاً لم تأْتهِ بشروى نقير
عملةً مُلغاة
رُدّتْ بوجهِه
شربَها كأساً فارغة . . .
عادَ عارياً
ليتوسّدَ ذراعَ الحسنِ البصريّ
. . .
قضية (اللغة الإستبلائية) في نصوص عبد الجبار الفياض .
لا تقطن اللغة التي أجدها متنوعة السياق والإستقراء ، لا تقطن كثيرا في النص الذي لا يتقبل منها انفجارها الدلالي ، أو انشطارها ، إلا وهي خارجه متممة لسياق آخر قد استحدثه الفكر .
ولإنها (اللغة) محمول معجمي ، أو نحوي…تتكون من تراكيب متباينة في أصل الحامل (النص) فهي لا تستطيع أن تلج النص إلا بسمة دخول منه (النص) فاللغة ليست لها قابيلة المطاولة في رصد ما يود أن يقوله النص في جزئيته ، أوكليته (إن اللغة مزاحة أصلا في مفهومها الإعتباطي) راجع / محمد شنيشل فرع الربيعي ، عبد الجبار الفياض حكيــــــم من أوروك ، ص223 ط1 2016 مطبعة المتن .
إنها(اللغة) تنتهي حالما يوافق عليها النص ، فهي تتوهج بتلك الموافقة ، وتسمو بوجود النص ، وهذا ما ذكرناه في بحثنا الطويل الموسوم بـ (حواضر في فلسفة النص) المنشور في صحيفة المستقبل العراقي .
فجدلية السياق والنص قد لا تنشئ منهجا نقديّاً بمقدار ما يكفي للإيهام ، أو انتعاش اللأعيب وتكثيرها ، لأن المحتجب ليس في منظومة اللغة والسياق ، بل في تعددية سقف مطاليب المستبلى في النص ، وتنظيم الوظائف الوجودية ، ولكن لو فهمنا ان اللغة كيان بايلوجي كما يعتقد تشومسكي ، نفهم من خلالها أن النص يعطي للغة مجسات لتتشابك مع الواقع ، فنفهم من كلام تشومسكي أن النص هو محمول في اللغة المتعددة الأنظمة ، وهو حامل لها في عالم الإمكان بوقتٍ واحد ، وهذا يعني أنه ينبغي البحث أساساً في ثنائية اللغة (صوت ـ صورة) داخل أي بنية سياقية .
هذا الأمر لا يُعدُّ إلا فرضية للنهوض بنظرية نقدية لغوية فقط..كما أن التلاصق بجسد واحد بين النص وسياقه على هكذا مساحة لا يصب في الركون في تحوير نظام نقدي قديم الى نظام نقدي جديد ، إلا في تهيئة عقل نقدي جديد .
. . .
تلميح
تكون الإحالة في تاريخانية النص خاضعة في دلالتها الى ظروف تشكل النص الأول ، وهذه الأنساق من اللغة ، والفنية الداخلة في مكوناته تعدُّ عناصر معنوية له يعني (الزمكان في إحالته ــ الحس في إحالته ــ توقعات القارىء في إحالته) وهي بنى تُشكل مفهوم النص وتُشكل المعنى الأول له ، والإشتباك بين كل هذه العناصر يكون هو الناتج المحقق لمعنى سياق النص .
فإذا أخذتَهُ من أوليته المُحالة يكون بذلك قد أتم له معنى واحدا يعتمد على وضع الإحالة الأول ، أما إذا أردت له أن يخسر تلك الإحالة ينبغي أن تُفقر ميتافيزيقيته الأولى ، وتذهب به الى عوالم التفكيك التي لا إحالة لها ولا مرجع .
وعند عبد الجبار الفياض تنقسم الإحالة الى ، التاريخانية الفكرية التي يستل منها نضج النص ونقل تراثه بكليته لا بتاريخانيته ، والى الواقعية الإنعكاسية التي تقبل التفكيك لإحتوائها على (الجملة الكونية) ويمكن إجمالها بنقاط قد توجز لنا الكيف القرائي في نصوصه:
1ــ كشف المأزوم وكسر القناع
زيادة في مساحة الألم وجعله شكلا وجوديا يتسع بحجمه الهندسي المطابق لهندسة الوجود ، فقضية فتح المثلث قضية خرق النظام القديم في بنائه الهندسي والايتان بشكل هندسي جديد هو اكثر سعة للاختناق الوجودي ، لم يكن الشاعر ليستعمل القناع (الاستبلاء) المشفوع بالرمز (الموضوع) على أنه شخصية للمُماهاة ، وإنما كان تمركزا متجددا في معرفة (المستغرق) وكشف ، وجلاء صورة القناع الجديدة التي تمر عبر تلاصق وتنظيم جديدين لإجل تأثيث هوية موحدة بين (الموضوع) وبين السياب ، وآلامُ بروموثيوس ، أيوبِ النّبيّ ، وآلام فارتر ، نضيف اليها آلآم الفياض فيتحول شكل الوجود من مثلث الى مربع ، هذه الإضافة هي أشبه بنقصان الزمن من تاريخه ، وهي عودة الى التشكل الأول ، لكن إضافة ألم آخر تكون به أسس الوجود قد علقت راية (الاستبلاء) من قضية الضلع الجديد الذي هو من حيث إضافته يبدو للقارىء (ألما) جديدا ، وضلعا مضافا الى وجود متعثر سائر الى حدَّ الإختناق وهو (الموت)
أراد عبد الجبار الفياض من (الاستبلاء) أن يستدعي تاريخه بواسطة ربطه باحَكام المستقبل ، أو (الآن الزمني) الذي يُستفتى في كشف القناع ، وتكون طريقة الاستدعاء هذه هي نوع من استحضار التجربة الأليمة لتلك الشخصيّة المتوحدة في صيرورة رمزيتها ، فهي (الشخصية) ليست معزولة عن محيطها الكوني المأزوم ، وكأن ذلك الزمان في انتقاص من صيرورته ، فلم يتغير هو الآخر إلا نحو استغلاق ألية التفكر في تلك المعضلة الوجودية ، وعبد الجبار الفياض قد ضرب على وتر التماهي ، ومضارعة الظروف عينها التي مر بها السياب وفارتر وايوب وبروموثيوس.
لكن في موطن آخر أراد عبد الجبار الفياض استجلاء عمومية (الاستبلاء) ليكون نمطا كونيا مفروضا على الجنس البشري ، مفروضا من أول معرفة فتحت نفق الألم من الميثولوجيا ، وعالجت مشتغلاته مؤكدة أنه (الاستبلاء) ثيمة وجودية متحركة ، تتغذى من المشيمة نفسها التي أعدها الوجود في احتجابه لماهية الجنس البشري ، إذ أن الإسطورة نظام وجودي قائم بذاته ، يشترك فيه العقل الجمعي تفسيرا ، وإقامةً ، وتبضعا سلوكيا ، فكانت طريقة الإستبدال الميثولوجي هي تسيّح آخر في النمطية النصية وتوسعتها في استجلاء قضية (الاستبلاء) .
أراد الفياض أن يجعل من بنية الإسطورة مُدخلا للإفصاح عن عالم قد تنبأ به ، وذلك لإحكام السيطرة على السياق لئلا يفلت الى دلالات أخرى ، فقد “كان بروميثيوس واحدا من حكماء التايتن . كان أسمه يعنى بعيد النظر وقد كان يملك المقدره على التنبؤ بالمستقبل” https://ar.wikipedia.org/wiki/ بروميثيوس/ ويكيبيديا .
هذه الأسماء (بروموثيوس) و(أيوب) و(فرتر) و(السياب) و(عبد الجبار الفياض) ما هي إلا نماذج كونية مجتمعة على محيط (الاستبلاء) واختبار الكيف الوجودي لهم ، وهم في تعداد متزايد ، وهذا التنوع في الإختيار دليل على أن الجملة الكونية التي أفردها الفياض هي جملة شعرية عابرة للقطرية ، تتوحد في كليتها الجمعية .
آلامُ بروموثيوس
أيوبِ النّبيّ
*فارتر
مثلثٌ
صارَ معي مُربّعاً مُغلقَ الجّهات
حدَّ الاختناق
تابوتاً
أودعتْهُ أنا
وآخرَ القصائد . . .
لقد أحدث عبد الجبار الفياض توأمية بين الفكر المتحول من التفكير الإسطوري الذي يعدّ دائما لترجمة تصرفات الإنسان الأول وبه تشكلت مجسات الحضارة الأولى ، وبين قضية ابداعه ، فهو لا يرغب بتفقير الذاكرة البشرية منذ كنهها الأول ، وهو الفكر الذي ينشط من ظروف غامضة ، فتجلى الألم الأول نتيجة الحسد وتنامى في موضع الفاقة ، وتربع على الحصار النفسي الناتج من تدوير علائق العادات مع الطبيعة القلقة في اتخاذ القرار، وصولا الى البنية الفكرية المعاصرة .
لكن ما دام هنالك وفرة من الإنتاج وهو المادة المعبرة عن تلك الصيرورة ، فالبعث عند الفياض بيدأ من تفكيك (الاستبلاء) نفسه . فعدّ الآم (فارتر) على سبيل التمثلِ الكوني الى أعلى سقف في العقل الجمعي ، سواء أكان ذلك قديما ، أم حديثا ، لتتوحد الآلام على مساحة وجودية مشتركة ، وليهيمن النص على موجوداته كلها ، هذا من جانب ، واعطاء الأدب بمُجناسته عمومية التسيّح في (الجملة الكونية) وحرث الموجودات من جانب الآخر .
. . .
الموشّاة بخيوطِ شمسٍ سومريّةٍ
تنقشُ السّمرةَ على جلودِ الحُفاة
مشقتْها من قبلُ على جبهةِ ديموزي
وضع عبد الجبار الفياض شخصيته في قناع قابل للكسر والإفصاح في عصر لم يعد ينفع فيه التخفي ، والكشف باطلاق صرخات متوالية أولى ، فلا قيمة للقناع في زمن تكشف فيه كل شيء.
ففي مقدمة النص وصدره القاءٌ لهذه الجيوب والتراكمات التي لا تنتج التطهر بل تقود اليه ، أو تؤسس له مبرهنة أنها ستنمو مع الألم ، والتخلص من تلك الحمولات يعني التوجه الى سبيل آخر من سبل الوجود. ومن خلال ابتداع سلوك شعري جديد وايصاله حد تكسير الأنماط الشعرية لابد من تطهير ذلك المستغرق المتاتي من قوالب الفراهيدي نفسه ، فإننا نشاهد أن (الابداع حقيقة من حقائق التطهر ، الأمر الذي يجعل الفياض في حال تواصل مع ذلك التطهر ، واستدعاء الألم الوجودي يعني إستغلاق نظرية القناع وصولا الى تفكيك الإستبلاء ، وفتح المنتج الأبداعي عند الشاعر ، ومنها القضمة الأولى على ثوابت الفراهيدي كلها ، التي أحدثت وقادت الى تكسير قناع السياب فيما بعد ، فكانت قوانين الفراهيدي غير ملزمة للإبداع ، ولا تقاس الأخيرة عليها ، فحل “الإستبلاء” بها وهي طائعة لا محال)
. . .
يقبّلهُ الخليلُ معاتباً . . .
. . .
وقد يكون الاستدعاء هو استشعارا لمأساة قادمة قد وضعت تلك الشخصية (القناع) تقديرات لها من خلال تثبيت اشارات تبعث بها الصيرورة بكنهها الى الوجود لتنسيق المعنى مع القناع قبل كسره ، ولتجنب التلف الوظيفي للمعنى ذاته بما فيه ايقاظ الوعي بالمعنى قبل أن يُستهجن الأخير ، فينتزع هذا المُعطى وجاهته .
. . .
نمْ نمْ جيكورَ
لفجرٍ قد لا يُريكَني
غفوتُ عنكَ بعيداً
لم أتعبْكَ بعدُ لغسلِ عيوني كُلَّ صباح
فقد غسلتُها للمرّةِ الأخيرةِ من ماءِ طفولتِنا معاً دونَ أنْ تدري
لم أردْ أنْ أيقظَك من اغفاءةٍ تحتَ ظلال باسقاتٍ
هُنَّ الأطولُ من كُلِّ عهودِ الظّلام
بسطْنَ أمامَنا النظرَ إلى السّماء
ما دونَهُ تسوّل في دروبِ الإنحناء !
1ــ فتح لغة القناع
وهي لغة اشخاص يتكلمون الواقع الذي تكلمه قبلهم رجالات ضارعوهم في الألم ، وهذه اللغة إما أن تكون خارج النص وذلك للحصول على سياقات متعددة ، وليس بالضرورة أن تجمعهم لغة ، أوظروفا مشتركة ، بقدر ما يجمعهم نوع المحتجب المشترك نفسه ، وهذا ما انماز به شعر عبد الجبار الفياض الذي يُكثر من الشخوص في كتاباته ليعلن في تراجيديا كونية ، كبيرة أن شخوصه أبطال في وجود مهترىء يحملون معاناة (استبلاء)الأنسان ، ويفكرون بوسائل عديدة لإنقاذ العالم منه التعلم من نظرية (الاستبلاء) وتصميم نوازعها فلسفيا ، لهذا السبب تبدو لنا لغة القناع لغة غير مستقرة ، قابلة للكسر .
أو قد تكون محتجبة ، تراكمية ، أي أنها لغة تهتم على قدر كبير بالذات المأزومة ، وهذه اللغة هي متشكل فردي يشتغل على ذايته مكونا قنطرة من الوشائج بغية الوصول الى الفعل الشعري ، وبذلك فهي لا تربط الحركة مع الفعل عن طريق القنطرة ، لكنها موصلة بينهم ، ولا تستحق الإحتجاب في أن تكون عبارات كونية متطورة يشترك فيها الإنسان الواحد ، لأنها تهتم بالحركة قبل أيصال الفعل ، أي أنها لا تخــرج من مدارات النص فتبقى بنية داخلية لا سبيل لإخراجها .
إن الحركة هي الصيرورة الأولى التي أنتجت الفعل وتقدمت عليه ، فملازمة الحركة لفعلها ينبغي أن تنتج طبيعة فكرية لا طبيعة عاطفية ، وهذا هو الجدل الذي ينبغي أن يعدل من طبيعة العاطفة ، والذي نراه يهتم كثيرا بنوع النظام القادم من العقل .
وفي اطارها الأول يعني فصل اللغة عن معناها الضيق ليتضح للقارىء أنها منظومة كونية واحدة وبطاقة هائلة من الدلالات تعمل على التواصل مع اللامعنى الذي تجزأ منه المعنى .
ما تقدر لعبد الجبار الفياض أنه ألغى الحركة في الفعل وجعل النظام الكوني قضية مبعثرة ينبغي التعرف عليها من جديد ، لأنها سُحِبَتْ الى مدارات ساكنة ، وتُركت في واقع متأزم .
. . .
نمْ نمْ جيكورَ
لفجرٍ قد لا يُريكَني
غفوتُ عنكَ بعيداً
لم أتعبْكَ بعدُ لغسلِ عيوني كُلَّ صباح
فقد غسلتُها للمرّةِ الأخيرةِ من ماءِ طفولتِنا معاً دونَ أنْ تدري
لم أردْ أنْ أيقظَك من اغفاءةٍ تحتَ ظلال باسقاتٍ
هُنَّ الأطولُ من كُلِّ عهودِ الظّلام
بسطْنَ أمامَنا النظرَ إلى السّماء
ما دونَهُ تسوّل في دروبِ الإنحناء !
. . .
4ــ استراتيجية كسر القناع
فاذا كان القناع يمثل فصيلة تناصية بامتياز (استدعاء الشخصيات ، ومنها التراثية ، الفكرية ، الفلسفية ، الإقتصادية ، الأدبية…) تتلاصق وتتلاقى وأدلجة الشاعر ، فحريّ بنا أن نبحث عن أساسين مهمين يرتكز عليهما النص الأدبي في كسر القناع عند الفياض ، هما :
1ــ هشاشة الرمز المشفوع بالقناع .
2ــ التفريق بين أدلجة النص وفلسفته .
أما المبحث الأول فيفهم من خلال وضع نظام اعتراضي نستشكل به على ضرورة ايجاد محتجب في النص ، إذ ليس من الحكمة أن نسوق الخطاب بلا وجود مثل هكذا محتجب يؤصل الى فرضيات تقنع القارىء أن المستغرق (الممعن في التفكير) في النص هو المنشود الذي وضع من أجله النص ، والا ما فائدة التوسع في حرث الأرض ، وتكثير أصناف البذور ، وهي لا تنتج إلا محصولا واحدا .
هكذا يكون الفعل الكتابي في صيرورة الإستدعاء لا يشكل عبأ لدى الشاعر ، والعبء يكمن في توفير طقوس الإستدعاء وتوجيه السياق الى مدارات اكبر مما يتخيلها القارىء ، فنحن في فضاءٍ مقدسٍ له مساحةً تعبرُ مساحة الواقع الذي أطلقنا عليه (السردية الإنعكاسية) وهي من اهتمامات عبد الجبار الفياض بالواقع المكشوف في (قناعه) من حيث يمكن تكسيره من جهاته كلها .
نحن موجودون في خضمِّ تركيب اللامتجانس ، موجودون بلغات كثيرة تجتمع من أجل أن تنعم بقضية الفصام ، فصام في كل شيء ولا انفكاك عنه ، نحن موجودون بقدر وجود ذلك التساؤل القديم ، كيف ، ولماذا ، وأين ، ومتى… وواعون بقدر وعي الصيرورة بذاتنا ، وقادرون على التعبير قدرةَ (اللغة الكونية) نفسها على بناء القوانين .
ألسنا نستمد من لاوعينا أنموذجات لغوية نخلق بها مرادفاتنا اللغوية من القوانين الكونية ؟ ألسنا ننشطر دون وعي فنصبح سابحين في اللاوعي ، فنسير بما لا نشتهي أن نكون في ذلك الطريق ؟ كذلك لغتنا تنشطر فينا وتنفصم في كتاباتنا ، فكيف نستطيع إذن تجريد المعنى ، ومن جهة أخرى ، هل يمكن وضع تصوُّر ، أو فهم ، أو معتقد نهائي لفهمنا ، إذا كانت صيرورة اللغة الكونية نفسُها صيرورةً متحوِّلة ومتطوِّرة على الدوام ؟
تحمل هذه الأسئلة تعارضاً إضافياً قد خُفيّ في هذا التعقيد ، فنحن في تقديمنا هذا نكون مع محاولة رؤية موضعنا من الكون بطريقة أن ننفصل عنه ، إننا نريد أن نجعل من لغتنا الذاتية برنامجا لذاتنا ، لكننا نكتشف في اللحظة نفسها أن ما نتساءل عنه كامنٌ في أسئلتنا وفي طريقة طرحنا للسؤال ، ألا يعني ذلك أن الوجود لا يتعيَّن بمعزل عن أسئلتنا، من جهة، ولا يتعين أيضاً إلا بمعناه وحقيقته ، من جهة أخرى ؟ فعلا نحن نعاني من الفصام ؟
يقودنا ذلك المنبر إلى جوهر المسألة التي نتقولها : إذا كان الألم يتعيَّن بلا اختيارنا له ، وهو في الأساس من شفرة وجودنا .
ألا يعني ذلك أن الألم هو سؤال كبير في ماهية (الإستبلاء) المتمددة وجوديا ؟
الجملة الكونية (بعديّتُهُ)
إذا كان هنالك ما يسمى الإقتصاد اللغوي في الجملة الشعرية ، ينبغي أن لا يؤسس هذا المفهوم الى ما يسمى بـ (الإقتصاد الدلالي)
إنَّ السير بالنص الى العالمية بوساطة (الجملة الكونية) هذا الأمر يحتاج الى فتح آفاق ثقافية جديدة عند المتصدي للكتابة ، وتغيير قناعات بقناعات أخرى ، وسلوكيات ، وقراءات نمطية جديدة …
لإنتاج (الجملة الكونية) فالجملة الشعرية لم تعد تدور في نظام قطري محدود وتعالج مشلكة الوجود في اطار ضيق أو مخصص ، إنها لغة تعميم المشتركات ، لا لغة تخصيصها ، إنها تتشابه في الكثير من تبعيضاتها مع وجوديات أخرى ، لأن المشكل الإنساني قد ارتبط بمشيمة واحدة ، والكاتب الذي لم يعد يكتب قطريا ، أو قوميا هو المعوّل عليه في تقييم الأنماط الوجودية . راجع / محمد شنيشل فرع الربيعي ، مثاقفة النص ، لوجيا علي عيدان عبد الله.
وبما أن الجملة الشعرية ينبغي أن تكون (جملة كونية) ملتقطة من مسحها في التعميم عند عبد الجبار الفياض ، فهي إطلاق في ذاتية الفكر ، وهي إطلاق نسبية من حيث كونها محدودة ، لذاعلاقة الكاتب مع الشعر ينبغي أن تتعدى علاقة النص بالقطرية الى التسيح الوجودي الأعم ، وليست علاقة الشعر مع القوالب الجاهزة بالتحجيم والتقنين ، فقضية الظلام الكوني لم تعد مقيدة في قطريتها بل تجاوزت حدود المناطقية .
. . .
أوّاه
ما زالَ منزلُنا الكبيرُ يغرقُ بالظّلام
أرى النّوافذَ مُغلقة
لكنَّما الأبوابُ مُشرعة
بلا أقفال
كُلُّ المفاتــــــــــيحِ في حوزةِ علي بابا والمليون . .!!
























