
الرباط – الزمان
صدر حديثاً، للإعلامي والشاعر والمترجم المغربي سعيد عاهد مؤلف مترجم موسوم بـ “السحر في المغرب” للدكتور إميل موشان.
“السحر في المغرب” الذي يضم 209 صفحة من القطع المتوسط، صدر ضمن منشورات “دار القلم العربي للنشر والتوزيع”، وهو ترجمة لكتاب الدكتور الفرنسي إميل موشان (1870/1907) الذي نشر سنة 1911، أربع سنوات بعد مقتل مؤلفه في مراكش. خلف القتيل حزمة أوراق مخطوطة حول المجتمع المغربي ومعتقداته وممارساته السحرية والخرافية، سلمت لأسرته، مع جثمانه، ليكلف والدُ القتيل الكاتبَ والصحفيَّ متعدد الاهتمامات والباحثَ في مجال العلوم الباطنية، جول بوا، بمراجعتها وإعدادها للنشر على شكل كتاب.
علاوة على تقديم المترجم المستفيض حول سيرة الدكتور موشان وظروف مقتله وتداعيات هذا الحدث وتبعاته، ومقدمة الطبيب لمؤلفه، تضم الترجمة جزءان اثنان، الأول يشمل أربعة فصول (الفصل الأول مخصص للزواج، والطلاق، والولادة، والمولود الجديد، والنفاس، والختان، والوفاة والجنائز؛ والثاني لبعض العادات المرتبطة بمختلف ظروف الحياة الاجتماعية وحياة الأفراد؛ والثالث للتسول، والفقر المدقع، والرذائل والدعارة؛ والرابع للشريعة، والديانة، والطوائف الدينية والأولياء.
أما الجزء الثاني من “السحر في المغرب”، فيتكون من ثلاثة فصول يتمحور أولها حول العفاريت، وثانيها حول السحرة وثالثها حول السحر الدفاعي والأشربة والفتن الجالبة للصداقة والعشق والربط والسيطرة.
ونقرأ في مقدمة الكتاب للمترجم سعيد عاهد ما يلي :
في 3 آذار (مارس) 1870، شهدت بلدة “شالون- سور- ساوون” (Châlons-sur-Saône)، الواقعة شرق فرنسا، شمال مدينة ليون، ميلاد الطبيب الفرنسي بونوا، بيير، إميل موشان (Benoît, Pierre, Emile Mauchamp)، المعروف باسمه الشخصي الأخير (إميل)، والذي احتضنت مدينة مراكش حادث مصرعه على يد مغاربة في 19 آذار (مارس) 1907.
خلف القتيل حزمة أوراق مخطوطة حول المجتمع المغربي ومعتقداته وممارساته السحرية والخرافية، سلمت لأسرته، مع جثمانه، ليكلف والدُ القتيل، بيير موشان ، الكاتبَ والصحفيَّ متعدد الاهتمامات والباحثَ في مجال العلوم الباطنية، جول بوا (Jules Bois)، بمراجعتها وإعدادها للنشر على شكل كتاب، المؤلف الذي سيصدر سنة 1911 ضمن منشورات دار النشر الباريسية “دوربون- إيني” (DORBON-AINÉ)، تحت عنوان “La Sorcellerie au Maroc”.

تابع إميل موشان دراسته في الطب بباريس وتخرج منها بشهادة دكتوراه نالها سنة 1898 عن أطروحة في في موضوع “الرضاعة الاصطناعية للرضع بواسطة الحليب المعقم”، ليتم تعيينه طبيبا- رائدا مساعدا احتياطيا، كما قام بدراسة عدة أوبئة انتشرت حينها عبر العالم، منها وباء الطاعون في مدينة بورتو البرتغالية (1899) والبرازيل، وجائحة التيفوس في اليونان. وسنة 1900، عينته وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية بمستشفى سانت لويس التابع لفرنسا بمدينة القدس، حيث سيمكث إلى حدود سنة 1905، مضطلعا بدور مهم في علاج ضحايا أوبئة الجدري والطاعون والكوليرا، وهناك سيلتقي بجول بوا ليربط معه علاقة صداقة وبحث.
تنفيذا لقرار ذات الوزارة المتخذ سنة 1905، القاضي بإنشاء مستوصفات طبية في موانئ المغرب وبعض مدنه الكبرى والمندرج ضمن سياسة التدخل السلمي في البلاد عن طريق الطب والإسعاف، انتقل موشان إلى الرباط في صيف نفس العام، قبل تعيينه في مراكش التي سيحل بها في 28 أكتوبر 1905.
استقبل أهل مراكش الوافد الجديد بفتور شديد وإعراض جلي، بل منهم من لم يخف غضبه من حلوله بين ظهرانيهم، رافضين حتى كراء سكن له وتوفير خادم لخدمته، ومكرمين وفادته بالشتم في الشارع. لكن كفاءته الطبية وبراعته في علاج المرضى وتوزيعه للأدوية عوامل ستذيب جبل الجليد وتدفع الساكنة، من مختلف الفئات الاجتماعية، الأعيان أولا وتلوهم صغار القوم، إلى الإقبال عليه قصد المعالجة. هكذا وشهرا بعد استقراره بالمدينة الحمراء، سيصل عدد زواره إلى أكثر من أربعين مريض يوميا، ليرتفع العدد لاحقا إلى ما بين 100 و150 وافد كل صباح على مستوصفه المجهز حينها بـ 12 سرير والواقع بعرسة موسى.
في سنة 1906، سيفتك وباء التيفوس بسكان المدينة، مفاقما عدد الموتى الذين خلفتهم المجاعة الناجمة عن جفاف ذلك العام والعام السابق له. منفقا من ماله الخاص، حسب الروايات الفرنسية، كان موشان يوزع بنفسه “الحريرة” على ضحايا رداءة المحاصيل الزراعية، مثلما أبان عن كفاءة كبيرة في مداواة المصابين بالداء، ما جعل الأهالي يرون فيه “عالما ومحسنا”، ومولاي عبد الحفيظ، خليفة أخيه السلطان مولاي عبد العزيز على المدينة، يمتعه بحظوة خاصة وصلت إلى حد هبته حصانا ذا سرج مطرز بالذهب والفضة.
في نهاية 1906، سيسافر إميل موشان إلى فرنسا، حيث سيطلب من وزارة الشؤون الخارجية إمداده بالوسائل الضرورية لتحويل المستوصف إلى مستشفى، مع تعيين طبيب مساعد له، مقترحا أن يكون الأخير طبيب عيون؛ بيد أن القطاع الحكومي سيتلكأ في الاستجابة لملتمساته، تلكؤ لم يحل دون جلبه لعدة أدوات خاصة بالتقاط الأخبار وبثها لاسلكيا. وقد أدى به عدم التجاوب مع مطلبه إلى التعبير عن غضبه، موجها سهام النقد للمفوضية الفرنسية بطنجة، قائلا في هذا الصدد: “يمارسون لعبة البولو في طنجة، بينما الأمر يتعلق بتأثير فرنسا وكوني هنا من أجلها!”
في الفاتح من آذار (مارس) 1907، سيعود موشان إلى مراكش التي بيّن ابن زيدان أوضاعها حقبتها في “إتحاف أعلام الناس…”، كاتبا: “(…) تعدد رفع الشكايات للحضرة السلطانية بما لحق الناس من الأضرار وتورطوا فيه من الأخطار، بسبب سلب الأمن وتكاثف العيث في الطرقات، وقتل القوي للضعيف، فألقيت شكايتهم في زوايا الإهمال وكتمها أولو الأمر من الديوان المخزني عن السلطان واشتغلوا بلذاتهم وشهواتهم ولم يرفعوا لما يرفع إليهم ويقرر لديهم رأسا، ولا قرأوا لعاقبته الوخيمة حسبانا، فكانت النتيجة فراغ الأفئدة من خوف سطوة السلطان وشديد بأسه ومهابة صولته وبطشه، وتلاشي نفوذ ولاة أمره من قواد وعمال، وخصوصا بمراكش، وبقي الناس كالفوضى لا سراة لهم”.
أياما عقب الرجوع إلى المدينة الحمراء، وبالضبط يوم 19 آذار (مارس) ، احتشدت “غوغاء” من الأهالي، “كثيفة ومتراصة وعدوانية”، أمام مستوصف طبيب الحكومة الفرنسية، ليتعرض موشان من قبلها، يكتب الدكتور ماكسيم روسيل (Maxime Rousselle) في كتابه الصادر باللغة الفرنسية “أطباء، جراحون وصيادلة فرنسيون في المغرب: 1577- 1907: “للحصار والرشق بالحجارة، ثم الطعن بخمس وثلاثين طعنة خنجر، بينما النساء يزغردن من فوق السطوح مهيجات الحشود. كما أن مثيري الفتنة هؤلاء نهبوا بيت موشان” (ماكسيم روسيل / Maxime Rousselle).
ووفق وصف ابن زيدان للحدث ذاته، فإنه “اتفق أن ركب الطبيب المذكور علم بلاده بباب محله بعرسة موسى (…)، وفي الحين تسارع إليه همج الرعاع وقتلوه بالضرب والحجارة والعصي وتركوا جثته ملقاة على الأرض بباب داره”.
وإذا كان صاحب “إتحاف أعلام الناس…” قد اعتبر أن النقطة التي أفاضت الكأس تتمثل في رفع القتيل لعلم بلاده أعلى المستوصف، فإن الروايات الفرنسية تختلف بهذا الشأن. هكذا مثلا، يكتب روسيل، في مؤلفه السالف الذكر، بأن القتيل إنما أثبت قصبة تعلوها قطعة قماش بيضاء قصد إخبار مبعوث فرنسي آخر بوجوده في المستوصف، أو عمودا يساعد على قياس المسافات قصد إنجاز خرائط طُبوغرافية كان الأخير مكلفا بإعدادها، غير أن الأهالي اعتبروا القصبة أو العمود لاقطا للبث اللاسلكي مخصصا لعمليات التجسس.
لم يكن لمصرع موشان بهذه الطريقة على مقربة من مستوصفه ليمر دون إثارة عديد من علامات الاستفهام عن دوافعه، منها: “هل اشتم منه المغاربة ما يوحي بالتجسس لفرنسا في وقت كان فيه الصراع على أشده بين الدول الأوربية حول الانفراد بالمغرب؟”، مثلما يكتب بوجمعة روايان في ترجمته للطبيب ضمن “معلمة المغرب”، معتبرا أن “هذا أمر وارد إذا علمنا أنه عاد من سفره من فرنسا ببعض أدوات التقاط الأخبار (صواري حديدية، هوائيات)”، ومضيفا أن الدكتور روني كروشي (René Cruchet) نفسه وصفه بأنه “جاسوس بعثته الحكومة الفرنسية ليمهد لمجيء جيوشها”.
وعلاوة على ما سبق، فإن أحمد المكاوي، وهو يتناول تلازم الجاسوسية والطبابة الأوربيتين منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر ضمن مؤلفه: “الدور الاختراقي والاستعماري للطبابة الأوربية في المغرب”، اعتبر أن “أبرز نموذج على ارتباط الطبابة الأوربية في المغرب بالتمهيد للسيطرة الاستعمارية ما قام به الدكتور الفرنسي موشان”. وحول مصرع الطبيب الفرنسي، وردت في أحد هوامش الكتاب فتوى لعلماء مراكش تعرضت ضمن مضمونها لاغتيال الطبيب بالعبارات التالية: “… وبثت المكاتب في الأمصار كلها وجل البوادي بأن النصارى غضبوا على قتل ذلك النصراني الذي قتل نفسه بأن تحيل على تمليك مراكش في لحظة للنصارى قبض الله له رجلا لا يعرفه أحد ولا يعرف من أين جاء غيرة على السبعة رجال فقتله في أسرع ما يكون…”.
ويذكر أن موشان سبق له أن تعرض في المدينة نفسها، حوالي ستة أشهر قبل تصفيته، لهجوم ومحاولة قتل من طرف مغاربة، غير أنه استطاع النجاة بفضل إطلاقه النار على المهاجمين من مسدس كان بحوزته.
ويُدرج تفسير آخر دوافع عملية القتل في سياق الصراع الفرنسي- الألماني المستعر حول بسط النفوذ على المغرب، محملا مسؤولية تحريض المغاربة على إميل موشان لجاسوس ألماني حل بمراكش متخفيا في هيئة طبيب، كان الفرنسي قد كشف انتحاله لمهنة التطبيب، يدعى هولتزمان (Holtzmann)، وكان مكلفا بمهمة إفشال المحاولات الفرنسية للولوج السلمي إلى المغرب كيفما كان نوعها، وعلى وجه الخصوص عن طريق الطبابة. أشاع رجل ألمانيا هذا ضد رجل فرنسا كونه من الأطباء الفرنسيين المكلفين بتصفية أكبر عدد من المغاربة عن طريق دس سموم في الأدوية التي يعالجونهم بها، ما يؤدي بالمرضى إلى الشفاء مؤقتا قبل التحاقهم الحتمي بربهم لاحقا.
وحسب ابن زيدان، فقد “كشف الغيب بعد ذلك أن الذي أغرى على قتله هو رجل من الألمان كان قاطنا بمراكش، له إلمام ببعض العلوم الإسلامية، وكان كثيرا ما يتذاكر في تفسير القرآن ويتردد على العلماء ويحبب للمغفلين سيرة دولته، أوعز هذا الألماني لبعض الأغبياء الساقطين أن الطبيب المذكور عازم على نصب الراية الفرنسية بمحله، وتلك دسيسة يدسها لهم، وحضهم على منعه من ذلك والتعرض له والقيام في وجهه، ولو أدى الحال إلى قتله فإنه لا يتنطع عليه عنزان”.
ووفق روسيل ، فهولتزمان كان “يتمتع بتأثير كبير في أوساط الشعب لأنه اعتنق الإسلام وتزوج فتاة من البلد”.
رد الحكومة الفرنسية على مقتل طبيبها لم يتأخر وتمثل في وضع جيشها يده، تحت قيادة الجنرال ليوطي، على مدينة وجدة (27 آذار (مارس) 1907)، مدشنة بذلك احتلالها للأراضي المغربية، علاوة على مطالبة الحكومة المغربية بعزل وسجن باشا مراكش، وأداء تعويضات لعائلة القتيل ولفرنسا، مع تخصيص مبلغ مالي باهظ لإنشاء مشروع صحي بالمغرب يحمل اسم موشان.
إعمالا لهذا المطلب الأخير وفرنسا قد بسطت نظام الحماية على الإيالة الشريفة، شيدت الإقامة العامة بالرباط مستشفى مدنيا بمراكش حمل اسم موشان وشرع في الاشتغال نهاية 1913، وهو يحمل حاليا اسم ابن زهر ومشهور في الأوساط المراكشية باسم مستشفى المامونية.
نقل جثمان موشان على ظهر جمل إلى مدينة مازاغان (الجديدة) أولا، قبل ترحيله بحرا إلى فرنسا التي أقامت له جنازة رسمية في مسقط رأسه (شالون- سور- ساوون) حضرتها عدة شخصيات سامية من ضمنها وزير الشؤون الخارجية، ستيفن بيشون (Stephen Pichon)، الذي وضع على نعشه وسام جوقة الشرف الذي منحته إياه الحكومة الفرنسية بعد مماته. وكان من بين الشخصيات التي أبنته صديقه وزميله جول بوا، الباحث في العلوم الباطنية الذي سيكلفه والد القتيل بإعداد الكتاب حول السحر بالمغرب الذي خلفه، شارحا حرصه على نشر مؤلف ابنه ودوافع تكليف بوا بالذات بإعداده ضمن رسالة وجهها للأخير مصحوبة بمخطوط الهالك .
ولم تتعرض ذاكرة موشان للمحو في “شالون- سور- ساوون” إلى حدود اليوم، إذ يحمل أحد شوارع البلدة اسمه كما أنها تحتضن نصبا تذكاريا له أقيم سنة 1910، لكنه مبتور حاليا من أحد مكوناته: لوحة منحوتة تمثل امرأة مغربية تحمل طفلها الرضيع وتمد يدها للطبيب نهبها الجنود الألمان خلال الاحتلال النازي لفرنسا.
بالإضافة إلى رسالة موشان الأب، يتضمن الكتاب نص الكلمة التأبينية التي ألقاها جول بوا خلال مراسم الدفن، إضافة إلى دراسة مستفيضة خصصها لاحقا لمناقب صديقه القتيل وأعماله وشريط اغتياله. وعن إعداده المخطوط للنشر، يكتب بوا في دراسته هذه: “حرصت على أن أبذل قصارى جهدي لأكون في مستوى الثقة التي أحاطني بها السيد بيير موشان. وقد راجعت بعناية الملاحظات المدونة التي جمعتها قبليا أياد ورعة، مضفيا عليها شكلا أقل ارتجالا، مع الحفاظ على بساطتها. (…) وهمت التنقيحات المدخلة على النص الأسلوب وحده دون غيره، كما أنني احترمت ليس أفكار المؤلف فحسب، بل أيضا وعلى العموم الترتيب الذي وردت به وأسلوبها المباشر والتلقائي”.
لا تخلو رسالة الأب ولا كلمة ودراسة معد المخطوط للنشر من نظرة محتقرة لمغرب ومغاربة مرحلة ما قبل الحماية، ومن دعوات صريحة أو مبطنة لبسط فرنسا الاستعمارية يدها على الإيالة الشريفة قصد نشر رسالتها “الحضارية” في أرجائها وإنقاذها من براثن “الجهل والجهالة”، ومن تبريرات لأحقية باريس، وليس غيرها من القوى المتنافسة على احتلال المملكة العلوية، في الاستيلاء على “الكعكة المغربية”.
والمنحى هذا نفسه ساطع كذلك سطوع شمس منتصف النهار خلال الأصياف المراكشية في سطور المقدمة التي وضعها إيميل موشان لكتابه، وهي الجزء الوحيد من المؤلف الذي أنهى صياغته تماما قبل مصرعه، علما أن باقي فصول المخطوط، الذي تكفل جول بوا بمراجعتها وتبويبها وتنقيحها، تشكل وثيقة من المهم الاضطلاع عليها رغم ما يشوب بعض مضامينها من ذاتية كولونيالية تنتصر للحزب الاستعماري الفرنسي ولمراميه التوسعية خلال مطلع القرن العشرين، وما تحمله من تأويلات مجانبة للصواب عند تناولها لبعض المعتقدات والشعائر الدينية للمغاربة، المسلمين مثل اليهود.























