الزعيم أم الرئيس؟ ـ د. حسن حنفى
هما نمطان فى الثقافة قبل أن يكونا نمطين فى السياسة. وربما الأفضل الرئاسة أو الزعامة حتى لا تتشخص القضية. وهما خارج منطق الخطأ والصواب، والخير والشر، والتقدم والتخلف لأنهما نمطان ثقافيان يوجدان فى كل ثقافة بالرغم من غلبة واحد على الآخر فى لحظة تاريخية معينة. المهم مدى تلبية كل نمط لحاجة العصر. فالغاية عملية خالصة. قد لا تنجح الزعامة فى ثقافة أو فى لحظة تاريخية تتطلب الرئاسة، وقد لا تنجح الرئاسة فى ثقافة أو فى لحظة تاريخية تتطلب الزعامة.
وهما ليسا نقيضين. تتحدد علاقتهما بمنطق إما… أو بل قد يتكاملان. وقد يعبران عن حاجة أصيلة فى علاقة الشعب بالحاكم. وهما ليسا حتميين. تظهر الزعامة فى ثقافة متخلفة بالضرورة. كما تظهر الرئاسة فى ثقافة متقدمة بالضرورة. قد تحتاج ثقافة نامية إلى رئيس يعقّلها ويرشّدها مثل الرئاسة فى تونس ومصر بعد الثورة. وقد تحتاج ثقافة متقدمة إلى زعامة توحى إليها وتبعثها وتحركها كى تنبض فيها الحياة التى ترزخ تحت حكم القانون مثل الزعامة فى إنجلترا وفرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية لرد العدوان النازى الفاشى على الجنس البشرى مثل ديجول وتشرشل، وكيندى فى الستينيات الذى بدأ يجسد الروح الوطنية بعيدا عن المصالح وقيادة رجال الأعمال . ليس المهم ما تفعله أمريكا لك بل ما تفعله أنت لأمريكا . فلم تتحمله أمريكا واغتالته. يظهر النمطان، الزعامة والرئاسة، فى ثقافتين وفى لحظتين تاريخيتين مختلفتين. فقد ارتبطت الزعامة بحركات التحرر الوطنى فى شعوب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وتتميز ثقافاتها بحضور الأنبياء فى التاريخ، وظهور عقائد المخلص والمهدى المنتظر. وقد تحقق هذا النمط فى التاريخ بالفعل فى رمسيس، قائد العجلة الحربية وقاهر الهكسوس، وصلاح الدين قاهر الصليبيين، ومحمد على بانى مصر الحديثة، وأحمد عرابى قائد أول ثورة حديثة فى مصر، وسعد زغلول بطل ثورة 1919، وأخيرا عبد الناصر قائد ثورة 23 يوليو 1952.
وتتميز الزعامة بالبطولة الفردية، والجو الرومانسى، والخطابة الشعرية التى تبقى فى الأجيال التالية مثل قولة عرابى أمام الخديوى توفيق إن الله خلقنا أحرار ولم يخلقنا أثاثا أو عقارا. والله لا نُورث بعد اليوم أو شعار عبد الناصر ارفع رأسك يا أخى، فقد مضى عهد الاستعباد ، على الاستعمار أن يحمل عصاه ويرحل ، ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة . وقد يدعى الزعيم أنه مُلهم من السماء. فقد أتت عبد الناصر فكرة تأميم القناة عام 1954 ومدير البنك الدولى أوجين بلاك يسحب عرض تمويل السد العالى ما لم تدخل مصر فى حلف صريح مع الولايات المتحدة الأمريكية. وقد أتت السادات فكرة كامب ديفيد وهو فى الطائرة فوق السحاب وهو فى طريقه لرؤية صديقه شاوشسكو رئيس جمهورية رومانيا الذى أعدمته الثورة هو وزوجته بعد ثورة البلدان الاشتراكية فى أوروبا الشرقية ضد الاتحاد السوفيتى فيما يسمى بربيع براج. ومن طبيعة البطولة الفردية المغامرة. ففقد أدى غلق خليج العقبة وسحب القوات الدولية إلى عدوان 1967، وهزيمة مصر وسوريا والأردن واحتلال سيناء والجولان والضفة الغربية وأجزاء من جنوب لبنان. يبغى الزعيم الخلود فى التاريخ حتى تذكر سيرته الأجيال القادمة بصرف النظر عن شعبه ووطنه كما فعل صدام والقذافى وكما يفعل الأسد حاليا.
أما الرئاسة فإنها تنضوى تحت مؤسسات الدولة لأنها جزء منها مثل الدستور والقضاء والجامعات ومنظمات المجتمع المدنى. الكل يخضع للقانون. ولا مكان للبطولات الفردية خارج القانون. وقد كانت ديباجة القرار الجمهورى لفصل أساتذة الجامعات والصحفيين والبابا من مناصبهم تتضمن أنه بالرغم من أنه يعلم أن هذا القرار الجمهورى ضد الدستور والقانون إلا أنه يصدره حماية للوحدة الوطنية . والخطورة فى الرئاسة أن يتحول الرئيس إلى موظف بيروقراطى. لا يجذب الانتباه. ولا يستهوى من يسمعه. فتغيب القفزات السياسية المحسوبة والمفاجآت السياسية التى ينتظرها الناس. وقد سماها أحد الرؤساء السابقين سياسة الصدمات الكهربائية . وهى ضربة لا يتوقعها العدو ولا يعرف متى ستحدث.
هذان النمطان السياسيان الثقافيان التاريخيان ليسا ثابتين إذ يمكن التحول من نمط إلى آخر إذا تغيرت الظروف. فتتحول الزعامة إلى رئاسة وقت الأزمات الكبرى بعد أن يتعلم الزعيم ويعيش تجربة الهزيمة كما حدث لناصر بعد 1967 عندما أدرك أهمية بناء مؤسسات الدولة، والديموقراطية والتحول الاشتراكى. وقام بالنقد الذاتى للتجربة فى بيان 30 مارس 1968. فالتحول الديموقراطى من الزعامة إلى الرئاسة يتطلب تعليم الشعب وزيادة الوعى السياسى، وإعطاء فسحة للنقد الذاتى ومراجعة الحكام عن طريق حرية الصحافة. وهو ما حدث فى جنوب أفريقيا بالتحول من زعامة منديلا إلى رئاسة امبيكى ثم توالى الرؤساء. وهو ما حدث فى ماليزيا بالتحول من محمد محاضر إلى خليفته. والتحول من الرئاسة إلى الزعامة فى لحظة تاريخية تتطلب زعامة من أجل الحفاظ على وحدة الأوطان وضرورة ظهور مخلص أو منقذ، يهابه الجميع، ويعلق عليه الآمال. وهو ما تنتظره اليونان وأسبانيا والبرتغال للخروج من الأزمة الاقتصادية بعد أن فشلت الرئاسة فى حلها. وهو ما تحتاجه لبنان دائما عندما تبلغ سيادة القانون مداها ولكن دون أن توحد الشعب.
الزعيم والرئيس مثل القلب والعقل. الزعامة كالقلب. هى التى تعطى الحرارة والحيوية للوطن. والرئاسة كالعقل. هى التى تقوم بالترشيد والتبصير. القلب يمثل الفترة الرومانسية فى تاريخ الشعب. والرئاسة تمثل الفترة الكلاسيكية التى يتغلب فيها الشكل على المضمون، والقانون على الفوضى. الزعامة هى الحرارة والحيوية والنشاط، والرئاسة عى البرودة والاستقرار والهدوء. وهما تجربتان إنسانيتان فرديتان وجماعيتان، تجربتا الفرح والحزن، الإشباع والإحباط، الأمل واليأس. فكلاهما ضرورى للآخر. القلب المستمر فورة وغليان قد يحرق. والعقل المستمر قد يميت ويجمّد الجسد. الرومانسية المستمرة طفولة وصبيانية وأهواء. والكلاسيكية الدائمة شكلانية وتقليد. والحرارة المستمرة تحتاج إلى أن تكون مجرد دفء أو إلى تبريد فى لحظات القيظ. والبرودة الدائمة شتاء دائم يحتاج إلى ذوبان الجليد.
والسؤال هو ما الذى يجمع بينهما على التوالى، ويعطى كل منهما دوره وحقه؟ هل الشعب ووحدته الوطنية، يثور ثم يهدأ، ينفعل ثم يسكن، يغضب ثم يستكين؟ هل الشعب هو الذى يجسد هذه الحركة المتوالية بين الزعامة والرئاسة، ويفرض لحظته التاريخية على كل من الخيارين؟ الخطورة هو أن اللحظة التاريخية تقتضى زعامة، نوعا من الإنقاذ الوطنى فتظهر رئاسة، فيتم إدارة مرحلة الانتقال الثورى بعقلية النظام القديم. وتحل أزمة الخبز بمزيد من الاستيراد حتى أصبحت مصر أكبر دولة مستوردة للقمح فى العالم. وتحل أزمة المواصلات بزيادة جزئية لرواتب العمال دون مشروع قومى لإعادة هيكلة المدن بالطرق الدائرية خارج المدن، والكبارى العلوية أو الأنفاق السفلية أو بناء مدن جديدة ووضع المصالح الحكومية فيها. وحل مشكلة العشوائيات ومدن الصفيح وسكان المقابر بمشروع قومى للإسكان، مدن للعمال أو للمزارعين أو للموظفين أو للشباب. وحل مشكلة التعليم بمدرسة فى كل حى كما كان الشعار فى الستينيات، مدرسة كل ست ساعات. وحل مشكلة العلاج بعمل عيادات شعبية على ناصية كل شارع كما هو الحال فى اليابان بعد وضع الشعب كله تحت مظلة التأمين الاجتماعى. وحل مشكلة البطالة بمشروع قومى للاستثمار فى الصحراء بمدن صناعية وقرى زراعية وتجمعات سكانية جديدة. وبالتالى يعود الوطن من جديد قوة جاذبة لأبنائه بدلا من كونه قوة طاردة نحو الخارج فى الهجرة المشروعة أو غير المشروعة، الموت فى الداخل جوعا أو فى الخارج غرقا. وفى بعض الأحيان تتفتت الدولة وتقع المجموعات والتكتلات العرقية والطائفية فى حروب أهلية كالصومال ومالى. وتظهر الزعامات وهى أحوج إلى الاستقرار والبناء والتنمية بدلا من الموت من الجفاف والحروب الأهلية. وإذا آثر نظام سياسى الرئاسة على الزعامة والشعب فى أمس الحاجة إلى زعامة فإن ذلك رد فعل طبيعى على نظام سياسى سابق آثر الزعامة على الرئاسة والشعب فى أمس الحاجة إلى الرئاسة حفاظا على مصالح الناس ضد شكل الزعامة ورجال الأعمال.
AZP07

















