
الروائي محمود الغيطاني
إحتضار الأدب في زيف النقد ونقد الزيف
مؤيد البصام
– اثار كتاب زيف النقد ونقد الزيف …أحتضار النقد العربي. للكاتب والروائي محمود الغيطاني، موجة من النقاشات الحادة بين مؤيد ومعارض لما جاء في أطروحات الناقد، فهو قد تناول رواية ( مصائر كونشرتو الهولوكوست والنكبة ) لمؤلفها ربعي المدهون، الفلسطيني المولد والبريطاني الجنسية، والتي فازت بجائزة البوكر، والنقاد الذين كتبوا عنها، ولجان الجائزة التي اعتبرها المؤلف جائزة مشبوهة. عقدت دار فضاءات للنشر التي صدر عنها الكتاب جلسة حوارية على هامش ملتقى فضاءات السادس للإبداع العربي- دورة جمال أبو حمدان- في نادي الاردن القى فيها الناقد البصام ورقته بعنوان. نقد النقد والمنهج في كتاب … زيف النقد ونقد الزيف
النقد عملية معقدة وشائكة في تراث وأدب الشعوب لأنه مرتبط بمدى التطور الحضاري لأي شعب، والشعوب التي استطاعت أن تبني حضارتها وتستمر في تطورها في كل نواحي الحياة، هي التي قومت نفسها على ضوء المناهج النقدية وأتاحت للفلسفة أن تأخذ مكانتها في برامجها الثقافية والتعليمية ومجمل حياتها، وهو ما أتاح لها أن تتطور حضاريا في مختلف الأنساق، وتجاوزت مواقعها لتنضم الى الشعوب المتحضرة التي تقود عالمنا اليوم بغض النظر عن الأساليب الهمجية التي اتبعتها الرأسمالية للاستفادة من هذا التطور لبناء ترسانتها المادية وإخضاع الشعوب لسيطرتها، وهنا السؤال هل الشعوب العربية مواكبة للتطور الحضاري، وتقف بالضد من التخلف والتجهيل الذي يمارس بمختلف أشكاله على مجتمعاتها ؟ كل المعطيات على ارض الواقع تثبت نحن شعوب يعشش في نسيجه الاجتماعي والثقافي والاقتصادي التخلف والتراجع عن التطور الحضاري الذي يحكم العالم اليوم، وهي السمة الظاهرة في مجتمعاتنا التي تتحكم بها العقلية السلطوية الفردية والمزاجية السائدة على شعوب المنطقة، وإزاء هذه الحقيقة، فالنقد في المفهوم العام لمجتمعاتنا هو المديح والناقد مداح ، وما سواه فهو ذم، ويجب أن يخضع لعقوبات القبيلة والعشيرة والعائلة والفئة والسلطة التي يجب أن نطبل لها وعلى انجازاتها في إبقاء شعوبنا في ادني السلم الحضاري،. وهذه الحالة التي صاحبت البناء الفكري للحركة الثقافية العربية ما بعد منتصف القرن العشرين، أخذت ترسخ كلما ازدادت حالة التجهيل ورعاية التخلف الذي تقوده القوى الامبريالية والصهيونية ضد امتنا العربية، وبمساعدة السلطات الدكتاتورية التي تتحكم بمصائر شعوبنا، والتي يهمها هذا التجهيل لتبقى على مواقعها وكراسيها، وقد تعاظمت الرؤية النقدية المدائحية والاخوانية والفئوية، وقلما وجدنا من يتصدى لها بجرأة ليكشف المأساة الكامنة وراء ما تحدثه في الفكر والثقافة والمجتمع عموما من تخريب وتمزيق، وحتى الأصوات القليلة التي ظهرت بين آونة وأخرى قمعت بشتى الوسائل، وحوربت لإسكات صوتها.
مهمة الناقد
وهو ما يحيلنا للسؤال ما هي مهمة الناقد ؟ (النقد بتعريفه اللغوي هو تفحص الشيء والحكم عليه و تمييز الجيد من الرديء و يعرف بأنه التعبير المكتوب أو المنطوق من متخصص يسمى (الناقد) عن سلبيات وإيجابيات أفعال أو إبداعات أو قرارات يتخذها الإنسان أو مجموعة من البشر في مختلف المجالات من وجهة نظر الناقد.) ونضيف إليها أن يكون الناقد على اطلاع واسع ليس في اختصاصه وحسب وإنما بموسوعية معرفية تتيح له من كشف الحقائق التي تزيف في كثير من الأحيان.
وكتاب محمود الغيطاني زيف النقد.. ونقد الزيف- احتضار النقد العربي»? والذي يقع في 140 صفحة من القطع الكبير.إصدار دار فضاءات، الأردن يتكون من إهداء ومقدمة وستة مقالات وضع لكل مقال عنوان والخاتمة السيرة الذاتية للمؤلف.
ومن بداية الكتاب يشير لنا الإهداء انه واحد من الكتب التي تقف بجرأة وصلابة للحديث عن قضية ( الى فلسطيني الداخل الذين بقوا في أراضيهم ويشكك فيهم الآخرون ) وهي النقطة الرئيسية التي فيها تصويب لخطا متعمد، بان الذين تحملوا عبء المأساة تحت الاحتلال وسلطات المحتل التي تنكر عليهم وطنهم، يشكك في إخلاصهم ووطنيتهم وتضحيتهم، وهذه النقطة هي التي ستضئ لنا مسار الكتاب الذي يتناول رواية ( مصائر كونشرتو الهولوكوست والنكبة ) بالنقد الموضوعي لمؤلفها ربعي المدهون والتي فازت بجائزة البوكر لتكشف هذا الزيف الذي يغطي النقد الأدبي فيما كتبه عنها النقاد، والزيف الذي ينشر على نطاق واسع بالجوائز والشهادات والدروع المجانية التي توزع بدون معايير ، ويمثل واقعة قلة من تجرئ على البحث فيها بهذه القوة. ووضع إصبعه ليشير إليها منقبا وباحثا في أعماق الرواية من جهة، وفي كتابات النقاد الذين كتبوا عنها مادحين وغافلين عن إجراء الحساب لما ينطوي عليه النص من مغالطات وأخطاء في التقنية وعناصر النقد وفي المعلومات، كاشفا عما تنطوي عليه من ادعاءات لصالح المحتل على حساب الشعب المحتل. موضحا لنا بالبيانات الخيانة في نقل الحقيقة عن شعب سلبت أرضه وشرد من وطنه ولكنه ظل ملاحقا من القوى الصهيونية لمحو تراثه وتاريخه وتزييف الحقائق التي تثبت حقه في أرضه، وليس الدعاية والإعلام وحدهما بكافي لطمس معالم وطن له تاريخ بعشرات السنين وتراث راسخ منذ عصور سحيقة، ولكن هذه القوى من الذكاء والإمكانيات تحركت إلى الوسائل الفكرية التي تنتزع تاريخه وتراثه من عقل أبنائه أولا والعالم ثانيا، وزرع فكر وثقافة المحتل، وهنا يأتي دور النقد الحقيقي في كشف الزيف الذي تتلبس به المواد الثقافية التي تبث بلا انقطاع لغسيل الدماغ، وإيجاد بديلا ثقافيا يمد يد المساعدة لادعاءات الغاصب لتثبيت ادعاءاته المزيفة.
إن مطالعة النقاط التي أوردها الكاتب محمود الغيطاني توضح الإمكانية التي وصلت إليها القوى المناهضة للأمة العربية وشعوبها في بث الفكر المغاير للحقيقة والذي يرسخ مقولة نحن شعوب همجية وفكرنا إرهابي، الكتاب يبدأ في مناقشة الرواية من أوجه اللغة وتركيب الجملة والأسلوب والقدرة على بناء الشخصيات في داخلها ونموهم. وكيفية وضع الدلالات في مواقعها، ويتسلسل في قراءة إبعادها من حيث التقنية وكيف استخدم أدواته السردية التي أهمها اللغة، ثم يتحول إلى ما يمكن إن يغفل عنه المعلومات التاريخية والجغرافية والاجتماعية في داخل النص، وعن كيفية دس السم بالعسل، الرواية تتحدث عن شعب ويصور الروائي كتابته على أنها الواقع العيان الذي شاهده وعايشه خلال زياراته ومقابلاته للناس في فلسطين الأرض المحتلة، (وهذا ما قام به المدهون بالفعل أكثر من مرة داخل متنه الروائي الذي حرف فيه عددا غير قليل من الحقائق التاريخية التي ستعلق في أذهان القراء باعتبارها وقائع ومسلمات تاريخية مما يعمل على تشويه صورة وتاريخ الفلسطينيين كاملا وبشكل صريح ومباشر في لقاء مشتركا بذلك مع (الكيان الصهيوني) في العبث بتاريخ المنطقة كلها، وخادما لأهدافها. ) ص37.
لغة الدلالات
وإذ ينتهي الناقد الغيطاني من مناقشة الرواية في القسم الأول (الأسلوب واللغة والدلالات ) . يناقش في القسم الثاني المغالطات التاريخية التي انطوت عليها المعلومات عن فلسطين والفلسطينيين في الداخل، .. ( يحاول المدهون في الجزء الأخير من الرواية التأكيد بكل الطرق الممكنة على أن } الكيان الصهيوني { دولة لا مثيل لها، وإنها كسويسرا في إنسانيتها وتقدمها وقدرتها على التسامح والتعايش مع الفلسطينيين ) ص41. ومن ثمة يحاول التشكيك في عرب فلسطين الداخل. (في وطنيتهم وانتمائهم الفلسطيني بكافة الطرق المتاحة ) ص41. وهي النقطة المهمة المراد لها أن ترسخ في عقلية القارئ ومن ثم تصبح بمرور الوقت حقيقة يستند إليها، ومنحه الجائزة لتأكيد ما جاء بها من تحريف وتزييف، ينتقل بنا في القسم الثالث من نقد رواية المدهون الى نقد النقد ، ليتناول في نقده نقاد لهم مكانتهم في الحركة النقدية العربية، ويبين الخطل الحاصل في تقييمهم مع إغفال التدقيق والتمحيص المعرفي الذي يجب إن يتصف به الناقد، حتى لا يقع في فخ الدعاية وتمرير برامج جهة على جهة. إن كان مخلصا للمبادئ وأمينا على التقييم الموضوعي وعلى أفكاره. ولكن ما يناقشه الغيطاني يكشف عن الهفوة التي وقع فيها هؤلاء النقاد عن علم او بغير علم، ( مع ظهور هذه اللارواية التي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، لتكشف عورة النقد العربي وعوار النقاد العرب لاسيما الأسماء الكبيرة ) ص101. ويصيبنا بالإرباك عندما يناقش نقاد لهم مكانتهم في الحركة النقدية العربية وأسماء راسخة في الذهنية العربية النقدية، منها من وقع في الفخ بدون دراية ومنهم من قصد إن يكتب لأنه تقاضى أجره، وهي المسالة التي يضعنا فيها بمواجهة حقيقة مرة إن نجـــــــــــــــد اسما مثل صلاح فضل ومحمد براده وفيصل دراج قد كتبوا مديحا لمثل هذا العمل وآخرون.
ينتقل بنا إلى القسم السادس لمناقشة جائزة البوكر (الجائزة العالمية للرواية العربية، التي ترعاها هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة في الإمارات العربية المتحدة، ما يدعو لتأمل هذه الجائزة التي باتت مشبوهة ) ويضعها تحت المجهر ويضع لجانها متفحصا ومبينا أين موقع الشبة والأساليب المتبعة للوصول الى ما يراد إن تحققه الروايات الفائزة من نتيجة، وإذا ما سال احدهم ولكن هناك روايات جيدة ومهمة صعدت الى القائمة الطويلة والقصيرة، وهذا صحيح لان القائمين على الجائزة ليسوا بأغبياء ليرتكبوا هفوة مثل هذه بان يجعلوا كل ما في سلتهم من رداءة تصعد فقط في قوائمهم، إنما من يفوز هذا هو المهم، ويخلص إلى النتيجة ( إن ما يدور في أروقة البوكر يجعلها من أكثر الجوائز في المنطقة العربية فسادا، وبالتالي تصبح معظم الروايات الفائزة فيها مجرد أعمال أدبية مشكوك في فنيتها ونزاهة لجان التحكيم فيها.) ص133.
كتاب الناقد محمود الغيطاني من الأهمية في هذا الوقت الذي تنتشر به ظاهرة العمل على تدمير الثقافة العربية واللغة العربية أداتها الرئيسية، وما يدس من معلومات لتغيير بنية العقل العربي والأجيال الفلسطينية التي لم تشهد قيام الدولة العنصرية وفاشيتها، ولابد من الإشارة إلى أن هذه الشجاعة مقرونة بالتكاتف مع دار النشر التي قدمته مضحية بما يمكن إن تكسبه من عدم النشر.
























