الذكرى الأولى لرحيل بهجة عبد الواحد

الذكرى الأولى لرحيل بهجة عبد الواحد

برامج لغوية ونحوية تتوّج نصف قرن من العمل الإذاعي

فائز جواد

في مثل هذه الايام وتحديدا في الخامس والعشرين من شهر آب عام 2016 فقدت الاوساط الثقافية والاعلامية احدى  ابرز نجومها الاذاعية   عندما تلقت الاوساط  الفنية والثقافية والاذاعية العراقية والعربية  نبا رحيل المذيع والخبير اللغوي الرائد بهجت عبد الواحد الذي غيبه الموت عصر الخميس الماضي في احد مستشفيات الولايات المتحدة الامريكية  عن عمر ناهز 77 عاما وبعد معاناه مع المرض ، وعمل الراحل في اقسام الاذاعة والتلفزيون مذيعا وخبيرا لغويا من الطراز الاول اكثر من نصف قرن قبل مغادرته العراق متوجها الى عمان ثم الولايات المتحدة الامريكية التي اعلنت عن رحيله ، والراحل كان مذيعا متميزا في البرامج الثقافية وقدم العديد من البرامج اضافة الى تقديمه نشرات اخبارية في اذاعة بغداد في ثمانينيات القرن المنصرم ،

 وكان لي الشرف انني عملت الى جانب الراحل وسجلت له برامج ثقافية واخرى منوعاتية وكان يمتلك حنجرة متميزة تمتاز بالعذوة وكانها موسيقى عندما تقع على مسامع المتلقي وعرفته ملتزما واستاذا وابا وصديقا للجميع ولايبخل بمعلومة للاذاعيين من الذين عشقوا الاذاعة وبرامجها وخاصة من المذيعين ومقدمي البرامج ، وكان يحثهم دوما على احترام اللغة العربية ولايرضى ان يساوم عليها وان يفوت معلومة او هفوة وان كانت من الاخطاء الشائعة وكان يشدد على ان الاخطاء الشائعة غير مسموح بها فاللغة العربية لها قواعد واسس واصول لايمكن التلاعب بها او تحريفها وكان يؤكد لطلبته وزملائه ان اللغة العربية من اجمل لغات العالم واحترامها من قبل المذيعين ومقدمي البرامج يعني احترام المستمع الكريم وسر نجاح الاذاعي وتطوره وتقدمه وشهرته في احترام اللغة العربية التي هي اساس اللغات في العالم بل ومن اصعبها واجملها نطقا وكتابة واعرابا وقوانينا ، نعم كان الراحل بالرغم من قساوته على الذين يخطاون بحق اللغة العربية كان يمتلك روحا طيبة ويمتلك النكتة والابتسامة الجميلة حتى صار قريبا وصديقا حميميا لكافة الاذاعيين والتلفزيونيين من الشباب والرواد على حد سواء  . اتحاد الاذاعيين والتلفزيونين ورئيسه المخرج المجتهد مظفر سلمان اصدر بيان نعي للراحل جاء فيه في بيان  (ببالغ الحزن والاسى ينعي اتحادنا ,اتحاد الاذاعيين والتلفزيونيين العراقيين بوفاة المذيع الرائد بهجت عبد الواحد . اذ كان رائدا اذاعيا وتلفزيونيا ولغويا وموسوعيا صاحب (الكلمة الصحيحة في لغتنا الفصيحة ) وعشرات الموسوعات في اللغة وعلومها منها كتاب ( الاعراب المفصل في كتاب الله المرتل).بعد 57 عاما من العطاء المتميز بدأه عام 1959 م تغمده الله برحمته الواسعة ولعائلته الكريمة الصبر والسلوان ) المذيع الرائد جنان فتوحي كتب على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي موقع نادي الاذاعة (إنا لله وإنا إليه راجعون . فقدت الاوساط الاعلامية واللغوية رائدا اذاعيا وتلفزيونيا ولغويا وموسوعيا مع مرتبة الشرف صاحب (الكلمة الصحيحة في لغتنا الفصيحة ) وعشرات الموسوعات في اللغة وعلومها منها كتاب ” الاعراب المفصل في كتاب الله المرتل “.بعد 57 عاما من العطاء المتميز بدأه عام 1959 م ،ليس لي الا ان اذكر بعضا من كلماته الخالدة (المذيع قائد لغوي) تغمده الله برحمته الواسعة ولعائلته الكريمة الصبر والسلوان ..

صاحب تفسير القرآن الكريم …

اعمدة الاذاعة

وكتب المذيع الرائد نهاد نجيب معزيا بوفاة  زميله بهجت عبد الواحد يقول ( لقد رحل احد ابرز اعمدة الاذاعة والتلفزيون احد ألمع مذيعيها المثقفين صاحب تفسير القران الكريم في اثني عشر مجلدا..واستاذ الاسلوب اللغوي المميز في الاداء والالقاء..لقد رحل الزميل والصديق وصاحب المعشر الجميل الاستاذ الكبير بهجت عبدالواحد رحمه الله تعالى برحمته الواسعة واسكنه فسيح جناته والهم ذويه والاسرة الاذاعية والتلفزيونية الصبر والسلوان) .

المذيعه الرائدة كلادس يوسف كتبت تقول ( في الذكرى الاولى لرحيل الزميل والاستاذ والاخ  العزيز المذيع الرائد بهجت عبد الواحد  لايسعنى الا ان نبتهل الى الباري عزوجل ان يتغمده بوافر رحمته الواسعة وان يمد ويحفظ رواد الاذاعة والتلفزيون من الزملاء والاصدقاء فالراحل بهجت عبد الواحد هو زوج صديقة العمر هيفاء عبد القادر.. ووالد المذيعة الشابة رونق بهجت عبد الواحد…..ولقد وافته المنية بعد صراع مرير مع المرض العام المنصرم .الرحمة لروحه واسكنه الله جنات النعيم والصبر والسلوان لذويه. انا لله وانا اليه راجعون المذيع الرائد بهجت عبدالواحد رحمك الله  واسكنك فسيح جناته ). المذيعة الرائدة هالة عبد القادر كتبت تقول (وداعاابا رونق ..وداعا استاذي وزميلي وزوج اختي المنكوبة الغالي وابو رونق ابنتي الحبيبة .. وداعا وقلوبنا واعيننا تبكيك وتدعو الباري عز وجل ان يتغمدك برحمته الواسعة ويخفف عن الغالية ام رونق المها لفقدانك ويمنحها الصبر والسلوان ورضاه عليها لانها رافقتك بصبرها وايمانها ورضاها بقدر الله ولم تفارقك لحظة في مرض وحمدا للباري عز وجل ان سهل لرونق ان تكون في وداعك الاخير …اودعك بحرقة والم كبيرين ياالستاذي ونبراسي واخي وابو االغالية رونق .. واليوم وبعد مرور عام على رحيلك  اقول نم بسلام ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ….. وانا لله وانا اليه راجعون)

اهمال للغة

دخل الإذاعي بهجة عبد الواحد المولود ببغداد عام 1939 الإذاعة العراقية عام 1959 وفي عام 1988 طلب أن يُحال للتقاعد ليتفرغ للكتابة. عمل لسنوات طويلة مذيعا ومعد برامج في تلفزيون العراق ثم مذيعا ورئيسا لقسم المذيعين في إذاعة بغداد بالإضافة إلى عمله مشرفا لغويا. ويتذكر عبد الواحد أول يوم دخل فيه مبنى إذاعة بغداد، حيث تم اختباره من قبل الإذاعي المعروف حافظ القباني. قدم العديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية العراقية في بغداد منها برنامج (دعاء الغفران) و برنامج (سؤال على الهواء) وبرنامج (الكلمة الصحيحة في لغتنا الفصيحة) ثم أصبح يُعد البرامج الإذاعية. ترك الراحل العراق عام 2004 وذلك بعد تلقيه تهديدات بالقتل في فترة كان يُستهدف فيها الإعلاميون والمثقفون العراقيون، فأستقر في عمان مدة عامين عمل خلالها في إذاعة عمان حيث أعد وقدم برنامجاً لغوياً بعنوان “الكلمة الصحيحة في لغتنا الفصيحة”.في 2006  انتقل مع عائلته إلى الولايات المتحدة وأقام في ولاية بنسلفانيا، حيث أنجز كتابين الأول بعنوان “جزاء تلاوة الآيات عند رب الكائنات”، وكتاب لغوي بعنوان “الأخطاء الشائعة في الصحافة والإذاعة”. ألف ثلاثة كتب دينية هي: “الإعراب المفصل لكتاب الله المرتل”، و “بلاغة القرآن في الإعجاز أعرابا وتفسيرا”، و “حكم الحذف والاختصار في كتاب الله الجبار”، وكتاب آخر قيد الطبع هو: “موسوعة لغة القرآن لغة الإعجاز والبيان”، وكتاب “فضلُ قراءة السور عند رب الكون والبشر”. تمتد مسيرته الإذاعية لأكثر من 35  عاماً من العمل، قام بتدريب العشرات من المذيعين والمذيعات من خلال الدورات التي كان ينظمها معهد التدريب الإذاعي. وتخرج على يديه العشرات من المذيعين والمذيعات، وهو يزور عمان حالياً ليشرف على دورات تدريبية تنظمها بعض القنوات التلفزيونية العراقية لعدد من مذيعيها.ويعرب عبد الواحد عن أسفه لإهمال إدارات القنوات الفضائية التلفزيونية والإذاعات العراقية والعربية للغة العربية ويعتبر هذا بمثابة معول لهدم أركان اللغة العربية، داعياً المذيعين الشباب إلى الاستفادة من تجارب المذيعين الرواد والاهتمام باللغة العربية والإلقاء. ويؤكد أن المهجر ورغم صعوباته وفر له ما لم يجده في بلده العراق كالأمان والاستقرار والشعور بإنسانيته، معربا عن شكره للحكومة الأميركية التي منحته الإقامة والتأمين الصحي والعيش الكريم. الاعلامية الامريكية ايما جا كوبز كتبت عن الراحل قبل وفاته مقالتها  التي ترجمها صباح سالم الى العربية وقالت جاكوبز فيها  ان (النسخة العراقية من المذيع الاميركي الاشهر “والتر كرونكايت” يعيش الان حياة العزلة وبعيداً عن الاضواء في ولاية فيلادلفيا في الولايات المتحدة ). وقالت ايما ان (بهجت عبد الواحد يمتلك وجهاً مألوفاً للعديد من العراقيين. وفي احدى المناسبات تعرف عليه احدهم هنا في فيلادلفيا في المكان الذي يبعد نصف العالم عن بلده الأم العراق. وتروي زوجته هيفاء ابراهيم كيفية ان مجموعة من طلاب صفه باللغة الانكليزية يوماً ما اقتربوا منه. وتوضح هيفاء “قال احدهم، “انا اعرفك. لقد رأيت وجك. ولكن اين، لا اعلم. قل لي رجاء، ما اسمك؟ ويعرف الناس عبد الواحد لانه كان مذيعاً للاخبار لأكثر من ثلاثة عقود على قناة التلفزيون العراقي والاذاعة العراقية كذلك. وقرأ الاخبار التي تتحدث عن قصف بغداد خلال الحرب العراقية الايرانية. ولكن لحظات الترف هذه نادرة جداً. وبالتأكيد فان بعض اللاجئين، يبدأون من الصفر بعد ان كانوا مشهورين في بلدانهم وسرعان ما يصبحون غير معروفين ويعيشون في عزلة حالما يصلون الى البلد الجديد. وحينما ادرك طلاب عبد الواحد من يكون، “بدأوا بالصراخ “نحن نعرفك! انت في فيلادلفيا معنا؟” بحسب ما تقوله زوجته هيفاء.اما اليوم، فان الزوجين يعيشان في شقة صغيرة في شمال شرقي فيلادلفيا بالولايات المتحدة الامريكية .

اعمال عنف

وبعد الغزو الامريكي للعراق في 2003  وبعد اندلاع اعمال العنف الذي تبع الغزو، بدأ عبد الواحد باستلام رسائل تهديد بسبب شخصيته المعروفة. وفي احد الايام تلقى رسالة عبر البريد ظرفاً يحمل رصاصتين: الاولى كانت موجهة له والثانية لزوجته. وهربا الى الاردن بعد ان تلقيا ظرفاً ثانياً وحصلا على الموافقة للمجيء الى الولايات المتحدة في 2009. ويقول عبد الواحد “قال لي العديد من الناس “يا سيدي يوجد العديد من محطات التلفاز والاستوديوهات في بنسلفانيا والعديد من الصحف”. وفكر مع نفسه في الذهاب للعمل. ويقول “كنت سعيداً جداً”. ولكن تبين ان لا وجود لمحطة تلفاز عربية تبث في فيلادلفيا. اضافة الى ان صحة عبد الواحد قد تدهورت، وحددت خياراته. وعادة ما يسافر بصحبة قنينة اوكسجين. ويقول “انا رجل مسن الآن، ولكني اشعر في بعض الاحيان بأني جاهز لقراءة الاخبار او القيام بشيء يمكنني فعله. وحينما اجلس، استطيع العمل مدة خمسة الى ستة اشهر”. انه شعور بالابتعاد الذي ينتاب العديد من الناس المتقاعدين وان بعض اللاجئين يشعرون بذلك بقوة. وتمكن الزوجان من تشكيل مجموعة صغيرة من الاصدقاء، معظمهم من اللاجئين الناطقين باللغة العربية: الفلسطينيين ومن شمالي افريقيا وبعض العراقيين مثل الرجال الذين تعرفوا على عبد الواحد في صفه باللغة الانكليزية. وتقول زوجته ان مشاعر العاطفة تنتابها كلما حصلت على اصدقاء جدد هنا. وتقول “ابكي كثيراً مع نفسي لانه من الجميل ان تحظى باصدقاء بهذه الطريق من البلد نفسه حتى لو كنا في بلدنا ربما لم نكن لنعرفهم. ولكن حينما اصبحنا موجودين في الولايات المتحدة فنحن اصدقاء الآن معهم”.وفي منزلهما في بغداد، كانا يملكان مجموعة جميلة من الكتب المغلفة بالجلد الطبيعي كتبها عبد الواحد عن قواعد اللغة العربية. وبعد ان تقاعد عن عمله مذيعاً للاخبار، بدأ بتعليم الشباب العراقيين الذي يعملون في الاذاعة والتلفاز اللغة العربية الفصحى وكيفية تقديم انفسهم على الهواء مباشرة. وفي كل اسبوعين، ما يزال يتلقى رسائل من طلابه في بغداد مع اسئلة بشأن اللغة العربية الكلاسيكية. ويكتب لهم رداً يصحبه روح النكتة قائلاً بأن لغته العربية اصابها الصدأ الآن لانه في الولايات المتحدة. ويقول لهم “نسيت لغتي الام لاني شخص امريكي الآن. ويقولون له، “كلا ما تزال معلمنا”. وعمل على تعلم وتطوير لغته الانكليزية. ويعرف بالتأكيد انه يرتكب الاخطاء، وهو امر متوقع لانها لغته الثانية. ولكنها حياة مختلفة بالنسبة لمذيع الاخبار السابق، الذي يقضي الآن حياته بهدوء وسكينة ويشاهد ويسمع الاخبار القادمة العراق ولكن بصوت شخص آخر لا بصوته هو ).