الخط العربي والصحافة
35 سـنة للبـحـث في فن الكاريكاتير
عـلي إبراهـيم الدليمي
بغداد
لم يدر بخلدي يوماً أنني سأصبح بمثل هذا الذي رسم وخط كتاب (القراءة الخلدونية)، وأنا أتصفحها بتأن وتأمل عميق، عندما أستلمتها في الصف الأول الابتدائي.
فقد كانت تلك هي البداية أو القدحة الأولى لأعشق فن الرسم والخط بشكل عام، حيث أخذت أحاكي كل ما يقع تحت يدي من رسومات وخطوط الكتب المدرسية، ومن ثم الصحف والمجلات، فضلاً عن مشاهداتي الدقيقة والتفصيلية للطبيعة، واستلهامها بتخطيطات كثيرة.
إلا انني أتجهت الى فن (الكاريكاتير) بالتحديد، في مرحلة الدراسة المتوسطة، عندما أخذت أتطلع الى رسومات الصحف اليومية، التي كنت أقلدها بحذافيرها، وأحاول أن أقرأ أفكارها أو (طلاسمها) أحياناً، بتمعن وبتفحص يختلف كلياً عن ما يشاهده القارئ العادي، فقد لازمتني مع الرسم ايضاً، هواية المطالعة أو القراءة المتنوعة في السياسة والثقافة الشاملة والفن ومدارسه وقراءة القصص والروايات، بغض النظر عن أسماء الكتّاب، اضافة الى ممارستي فن الخط العربي بأنواعه والزخرفة الاسلامية بأشكالها كافة.
كل ذلك كان في العقد السبعيني، حيث انفتاح الثقافة العراقية على مصراعيها، كانت لها دور ايجابي لنا كشباب هواة في خطواتنا الأولى، وقد برزت طاقات ومواهب فنية وأدبية عديدة كانت لها الدور الايجابي في المشهد الثقافي العراقي فيما بعد.
وقبل نهاية السبعينيات، بدأت أرسل رسوماتي الكاريكاتيرية الى بعض الصحف والمجلات العراقية، التي كانت تنشرها مباشرة مع دعوتهم لي لارسال المزيد منها لغرض نشرها، وهذا ما حفزني فعلاً لأن أهتم وأتخصص بفن الكاريكاتير، كفن انتقادي شعبي لاذع، وكرسالة إنسانية اجتماعية يفهمها الجميع، ولاسيما ان الكاريكاتير (لغة) عالمية تخاطب جميع أبناء المعمورة بمختلف لغاتهم وثقافاتهم وأعمارهم، من خلال خطوط فنية مختزلة ورموز عالمية معروفة.
ومع بداية العقد الثمانيني، توظفت في وزارة الثقافة والاعلام، حسب مؤهلي الفني في الرسم والخط ، وهناك قد تعرفت على العشرات من الفنانين التشكيليين والخطاطين والصحفيين ، وكانت تلك مرحلة مهمة جداً في صقل مسيرتي الفنية، فقد كان لي حضور متواصل العطاء في التلاقح الفني والفكري معهم، فضلاً عن تعدد أماكن نشر رسوماتي بشكل أكثر، وأخذت تحتل حيزاً بارزاً ومتواصلاً.. ولم يقتصر جهدي على الصحافة فحسب، فقد بدأت مشاركاتي تتوالى في المعارض المتخصصة بفن الكاريكاتير والبوستر السياسي والخط العربي والزخرفة، داخل العراق وخارجه.
عام 1982، أقمت معرضي الشخصي الأول، على قاعة الواسطي، تحت عنوان (قضايا بالكاريكاتير)… والمعرض الثاني على قاعة المتحف الوطني للفن الحديث، عام 1987، تحت عنوان (أحداث بالكاريكاتير)، كما طبعت لي أربعة بوسترات كاريكاتيرية ملونة عن السلامة المهنية عام 1981.
وطيلة العقد التسعيني، حيث كانت فترة حصار ظالم وأجور وظيفية معيبة جداً ومطالب عائلية كثيرة، كان لابد لي من العمل في اكثر من مكان، على مبدأ مايسمى بالمكافأة على القطعة، لكي أوفر لقمة العيش البسيطة، فكانت رسوماتي حينذاك تـتسم بالطابع السياسي المرير في فضح جرائم الحرب على العراق، وتأثيرات الحصار على أبناء شعبنا، اضافة الى رسومات الطابع الاجتماعي، التي هي الأخرى، تناولت الظواهر السلبية المدانة في البلد، وقد توزعت تلك الرسوم على أغلب الصحف والمجلات العراقية وبعض الصحف العربية.
وقد أثارت رسوماتي، خاصة، التي نشرتها وقتذاك، جريدة (بغداد أوبزرفر) التي كانت تصدر باللغة الانكليزية، أنتباه الشبكات الاجنبية العاملة في بغداد، حيث أجرت معي لقاءات خاصة، وكانوا يظنون بانني أجلس وراء مكتب رسمي خاص وأداوت رسم ممتازة وحاسبات متقدمة.. ولكنهم تفأجوا بانني أركن الى زاوية من غرفة بائسة جداً في الطابق الثالث لمقر الجريدة، والصعود اليه بالسلم المتعب، مكان يفتقد الى أدنى وسائل الراحة، وقنينة محبرة متواضعة وريشة رسم قديمة متهالكة.. وعمل اضافي أخر غير الرسم، هو التصميم والتنفيذ الصحفي اليومي لجميع صفحات الجريدة، بطريقة يدوية بدائية، بعدما ترك المصممون العمل فيها لتدني رواتبهم، إلا ان هذا الجهد المكثف قد عـزز من ممارستي الفنية والادبية بعدما بدأت أنشر المقالات المتنوعة ما بين الفنية والثقافية والسياسية، بعد ترجمتها الى اللغة الانكليزية من قبل زملائي.
بعد أحداث الاحتلال من عام 2003، واختلال الموازين العامة في كل شئ واعمام الفوضى في البلاد والعباد، أصبح الكاريكاتير لايشكل شيئاً محسوباً له في حياتنا اليومية، فالكاريكاتير كما هو معروف لكشف وانتقاد الظواهر السلبية المدانة في المجتمعات عموماً، فعندما ينشر فانه يؤشر للناس لهذه الحالة التي يجب اتخاذ اللازم بشأنها ومعالجتها من قبل الجهات الرسمية، إلاَّ انه لم يحدث هذا، والسبب لان حياتنا أصبح فيها السلبي هو السائد، والايجابي هو الذي لابد من معالجته واجتـثاثه..!.
إلاَّ انني مازلت أرسم لنفسي وأبحث عن الافكار الانسانية الجميلة في الرسم والأدب والصحافة هنا وهناك، وأشارك في المعارض والمسابقات، وقد حصدت الجائزة الثالثة في مسابقة (مؤيد نعمة) التي نظمتها جريدة الصباح عام 2006، والجائزة الثانية في مسابقة فن الملصق التي نظمتها وزارة الاسكان والاعمار عام 2008، والجائزة الثالثة في (مسابقة الابداع الثقافي) التي نظمتها هيئة النزاهة في مجال الرسم الكاريكاتيري عام 2011.
ومايزال في جعبتي الكثير الكثير من الافكار والمشاريع الجديدة التي أعمل الآن على تنفيذها بشكل متأني، ما بين فن الكاريكاتير وفن الخط العربي والزخرفة وكتابة القصة القصيرة والصحافة…فضلاً لدراسات متنوعة بحاجة لترتيبها واعادة النظر فيها بشكل نهائي من أجل طبعها في اصدارات خاصة.
{ { {
عـلي إبراهـيم الدليمي، مواليد بـغداد/1963، بكالوريوس كلية الفنون الجميلة، ودبلوم جيد جداً/ معهد الفنون الجميلة، خبير ومعاون مدير المتحف الوطني للفن الحديث، عضو في كل من: نقابة الفنانين ونقابة الصحفيين وجمعية الخطاطين العراقيين، وأمين سـر المركز الثقافي العراقي للخط العربي والزخرفة.
























