بعد أن إختتم الشاعر مسيرته الشعرية
الحصيري أنصفه الخمر وجفته بغداد
خالد العزاوي
رغم انه احب بغداد واحب الارتباط بها وعلى طريقته الخاصة الا ان بغداد لم تنصفه كما يجب حيث كان ( يخضع لسلطان رغباته وما يلوج لعينيه واحاسيسه وعشقه للخمر والشعر ) بهذه الكلمات يصف لنا الكاتب والشاعر والناقد رزاق ابراهيم حسن النخلة التي غيبها الخمر بسرعة انه الشاعر عبد الامير الحصيري ..
ولحسن حظ عبد الامير الحصيري ان من كتب عنه هم رفاق دربه ومحبيه فلو كان الحصيري في محيمة الجاهلين لنعتوه بالمجنون ..
الكتاب الذي بين يدي هو ( الحصيري وكأس القصيدة ) الذي سلط فيه رزاق إبراهيم حسن الضوء عن حياة وشعر وضياع عبد الامير الحصيري شاعر الخمر الاول في ستينات وسبعينات القرن الماضي وهو اي الكاتب واكب الشاعر المخمور منذ وصوله بغداد وحتى اسلمت روحه وكان رفيقه في رحلة اعادته الى بلدته النجف جسدا من دون روح ..
عندما بدأ رزاق ابراهيم حسن الكتابة بموضوع يخص شخصية شعرية غامضة في تصرفاتها تفردت كتابته بنوع من التصرف كاد يكون شاذا وغير مألوف لأن من يكتب عنه وهو الشاعر صاحب الكأس الخمري الذي لا ينضب عبد الامير الحصيري .. وجد نفسه اي الكاتب انه لا بد ان يواكب مفردات هذا الشاعر منذ قدومه لبغداد وحتى مشاركته في تشيع جنازته لمثواه الاخير .. ولرزاق باع كبير في الكتابة الادبية ناقدا وشاعرا واديبا استمر اكثر من خمسين عاما .. لذا كان لزاما عليه ان يرافق الحصيري وهو ابن مدينته بل وابن الحي الذي يسكنه .. الا انه تعذر عليه ان يلقي الضوء عن مسيرة حياة الشاعر قبل قدومه لبغداد حيث التيه والحالة الخمرية التي عرف بها الحصيري الا من خلال مصادرحريصة في النقل اذ لم يتسن للكاتب ان يشهد فصولها ..
في مقدمة كتابه موضوع البحث النقدي (الحصري وكأس القصيدة ) الذي يقع في 180 صفحة من القطع الوسط والتي صدرت باحدى مطابع بغداد و وقد وقع الكتاب في ثماني فصول تبدو في اول الامر منفصلة لكنها في الحقيقة مترابطة بعمق وهي ((مقاهي الحصيري ــ الحصيري في منظور عزيز السيد جاسم – كأس الشاعر والقصيدة ملاحظات عن الخمر في شعر الحصيري – الحصيري يعرض قصائده للبيع على الادعياء والشعراء المزعومين – من هو المثل الاعلى للشاعر عبد الامير الحصيري – عبد الامير الحصيري يكثر من القصائد الغزلية واخيرا الصورة الاستعارية في شعر عبد الامير الحصيري شاعر يتحرر بعد الموت من قيود الإهمال والتجاهل )) فيها يلقي الاديب والشاعر والناقد رزاق ابراهيم حسن الضوء عن الشخصيات والاماكن او العوامل المؤثرة قي سيرة الحصيري وشعره ..
ويقول بهذا الصدد بتواضع ( لا ادعي انني احطت بحياة وشعر الحصيري في هذا الكتاب ، فهو يستحق اكثر من ذلك ولكنني ازعم انني فـــي هذه الصفحات قـــد كتبت عـــن الحصيري بما يــدل عليه والتقطت له صورة ليست فوتوغرافية وانما صورة شعرية ورسمت لـــه حضوره في الشعرفي حالة السكر والصحو ) .. وبهذا يدنو المؤلف من حقيقة الشاعر الخمري ذلك بأنه الم نوعا ما بجوانبها وما كتب عنه واستقصى اثره من لحظة التيه التي بدأت في مسيرة عبد الامير الحصيري وهو يحط ببغداد .. ضائعا تتقاذفه الحانات والمقاهي البغدادية حتى تلك التي لا تمت بصلة الى الوسط الادبي الذي عرف به الشاعر ..
من المستحسن ان نعرف ان رزاق ابراهيم حسن صاحب سيرة ادبية امتد زمنها لاكثر من خمسين عاما بدأت منذ كان فتى ينشر في الدوريات التي كانت تصدر بمحافظة النجف ثم انتقل الى بغداد وعمل في اغلب انشطتها الثقافية والادبية محررا وكاتبا وناقدا وشاعر وكانت ارتبط بحكم ذلك بصلات وثيقة مع كبار المثقفين المعروفين في الوسط الادبي وحتى ممن كان يكتب في المجال السياسي واخص بالذكر منهم الكاتب الكبير المرحوم عزيز السيد جاسم الذي سنجد له حضورا متميزا في ما استند اليه الكاتب من مراجع تخص الشاعر الحصيري ..
مقاهي وحانات الحصيري
ومن المعروف ان من يبحث عن مكان تواجد الحصيري لا بد ان يبدأ بالمقاهي والبارات وهو الفصل الاول من كتاب ( الحصيري وكأس القصيدة) وسيجد ان كل من كتب وكل ما كتب عن هذا الشاعر مطلي بصورة العبيثية التي انتشرت بشكل غير مفهوم في شخصيات متشابهة عاشت ببغداد في ستينات وخمسينات القرن الماضي وخصوصا بعد قيام ثورة 14 تموز عام 1958 ولا اريد بها السير نحو حالة سياسية بل ان حالات متشابهة ظهرت فيما بعد عام 1958 مع اختلاف نمط ظهورها الاجتماعي او الثقافي ..
لقد كانت مساحة عشق الشاعر الحصيري في المقاهي والبارات تمتد عبر مناطق الميدان وسط بغداد وشارع الرشيد والباب الشرقي على ضفاف دجلة في ابي نؤاس وما بعد المساء يدلف الى اتحاد الادباء في بعض الاحيان ولم يكن ذلك نمطا متواصلا حيث يحتسيه الخمر في غالب الاحيان ولم يكن هو من يحتسي الخمر .. وما بين هذه المناطق من حانات ومقاهي منتشرة في هذه المساحة يهيم الشاعر مترنحا ومستريحا هنا في بعض الاحيان وهناك في احيان اخرى وملقيا كأكياس الطحين على الارصفة .. ثم تقوده قدماه في اخر الليل الى منطقة الكرخ حيث يرقد في احد فنادقها قرب منطقة علاوي الحلة ليصحو وبجانبه القناني الفارغة من خمور عراقية كانت تملأ جيوبه حيث كانت تعشقه ويعشقها ..
و بغداد كانت تشتهر بمقاه وحانات ذات نكهة خاصة .. ففي الميدان كان يجلس عبد الامير الحصيري في بعض الاحيان بمقهى البلدية …وكان يشاكس صاحب المقهى (قاسم بلدية ) صاحب اللكنة الكردية ولم يكن مرغوبا به اسوة بكل الاماكن التي يرتادها مما يضطر ( حامد ) وهوعامل المقهي الذي يقدم الشاي للزبائن ان يقف بوجه الحصيري وهو يقترب من المقهي في محاولة لصده عن الدخول لكنه لا يفلح فالحصيري مرحب به من بعض الشخصيات التي تجلس في هذا المقهى تنتفض لمناصرته وتجده وقد دخل الى المقهى بمظهره الرث.. واخطأ مـــن قــال انـــــه كـــان يتناول ( النركيلة ) في هذه المقهى ذلك ان المقهى لم تكن تقدم النركيلة وكان صاحب المقهى يكتفي بتقديم المشروبات الساخنة والباردة .. وقاسم بلدية كان من اشد المحاربين لرواد هذا المقهى ممن يرمي اعقاب السكائر على ارضها .. ورواد هذا المقهى كانوا معروفين… غالبيتهم من السياسين ممن ينتمون الى احزاب وطنية وبعض الفنانين ومنهم المرحوم يوسف عمر.. كما ويجلس في هذا المقهى طلاب الكليات وطلاب الاعدادية المركزية حيث كانت هذه الاعدادية قريبة من المقهى ومن بين المقاهي التي يتردد عليها عبد الامير الحصيري مقهى البرلمان الكائن مقابل جامع الحيدرخانة وكـــان صاحبه المرحوم خـــزعل جـــواد العزاوي ( ابو غازي ) وهذا الرجل كان دمث الاخلاق يراعي امزجة جلاس المقهي وكان لا يتوانى عن تلبية طلبات الحصيري حتى في النركيلة .. كما كان هناك مقهى عارف اغا الذي يجد الشاعر فيه متعة الراحة نائما على اريكته بحالة الجلوس وقد تحول هذا المقهى لاحقا الى بناية تضم محلات تحتوي على مكتبات تبيع الكتب القديمة ثم كان الحصيري يتواجد في مقهى حسن عجمي وهو نفس المقهى الذي ينام فيه بعض الاحيان الشاعر الكبير الجواهري عندما يقدم باكرا من محافظة النجف وكان اي الشاعر عبد الامير الحصيري يجد راحة في الجلوس فيهما ..حيث يقضي فيهما ساعات منتصف النهار ويمضي قبل المساء الــى حاناته الجميلة التي ترفض استقباله فــي اكثر الاحيان ومنها بار ( شريف حداد ) الكائن في اول جسر الاحرار من جهة الرصافة .. حيث يجد ترحيبا يقتصر على منحه المشروبات وبالمجان من قبل ثلة من موظفي امانة العاصمة كانوا في غالب الاحيان يعودون من مضمار سباق الخيل وكان احدهم يغدق عليه واسمه صلاح خيري الدين العباسي اذ غالبا ما يتطلع الى الحصيري وفي عينيه اسى من يعرف ان وراء هذه الثياب الرثة عبقرية تستحق التكريم ..
ثم يدلف الحصيري الى الباب الشرقي وعلى ضفة دجلة ليركن في حديقة اول بار وغالبا ما يجد من يدفع ثمن مشروبه .. واذا ما كان جيب عبد الامير الحصيري عامرا فسيكون تصرفه كتصرف ابي دلف يغدق على نفسه وحتى على الاخرين ..
الكاتب رزاق ابراهيم حسن ينتقل الى الفصل الذي يخص الحصيري في منظور عزيز السيد جاسم فعزيز السيد جاسم يعرف عبد الامير الحصيري ووضعه في اطار كمن كان يغري الاخرين بعدم احلاله المكانة التي يستحقها والتعامل الذي يتناسب وشاعريته وربما كان مرشحا للنسيان التام والاهمال المطبق لعبثيته ولا مبالاته ومجونه ، وانفلاته ،واستغراقه في الشراب ، والسكر المتواصل والنوم في المقاهي والحانات والارصفة وعدم مراعاة التقاليد الاجتماعية لولا اهتمام عزيز السيد جاسم به في حياته وبعد مماته ..كما كان عزيز السيد جاسم ويعرف ان الحصيري ( منبوذ ومرفوض من كثير من الناس والادباء بسبب ذلك وضعه المزري) ..
وقد سمح عزيز السيد جاسم لنفسه وهو الكاتب السياسي المعروف والناقد الادبي والمؤلف في الفلسفة والسيرة والتاريخ والاقتصاد والاعلام سمح لنفسه ان يبحث عن المتفرق والمبعثر من شعر الحصيري عند عائلته واصدقائه وان يضع ذلك في كتابين منفصلين يخصان حياة الشاعر الحصيري وشعره ..
ينقل الكاتب رزاق ابراهيم حسن في كتابه الحصيري وكاس القصيدة رايه ويقول ( ان عزيز السيد جاسم كتب لكل كتاب من الاصدارين الخاصين بالحصيري مقدمتين وهو تعبير عن اهتمامه للشاعر الحصيري ) فقد حمل الكتاب الاول الصادر عن دار الشؤون الثقافية عنوانيين الاول ــ ديوان عبد الامير الحصيري والثاني ــ شموس وربيع ــ ولقد تحدث عزيز السيد جاسم عن سلوك الحصيري المرفوض وغير المقبول من اغلب الناس لكنه تحدث في ذات الوقت بحميمية وحب حيث راى ما لم يراه الاخرون ( فها هو الذي كان حاضرا مثلما كان وكما اتمنى ان يكون وجها مزدهرا بأيات الحسن والترف الهناءة التي لم يمنحها له البشر ) ثم يمضي عزيز السيد جاسم مدافعا عن شاعر اوجد قصيدة من نمط جديد اطلق عليها القصيدة الخمرية (لقد كان اطراقه جليلة للنبل التي فرضت عليه زلات الحياة التافهة ان يرقد على الرصيف كهزأة ، كشيء ملقي بإهمال ، في عيون الذين مرقوا قناع النبل وتسربلوا به ولكأنما استنبطوا النفاية ، والجيفة التي فرت عنها ديدان الارض )
وحديث عزيز السيد جاسم بهذه اللغة الشعرية عن الحصيري كان يقصد به حديث الشعر بلغة الشعر حيث تعامل مع الشاعر باخلاقه وما يموج في داخله اضافة لذلك فقد تعامل عزيز السيد جاسم كما ينقل لنا رزاق ابراهيم حسن مع المظاهر والجوانب التي ابعدت الحصيري عن الاخرين على انها من ايجابيات الشاعر فيه اذ ان الشعر هو الذي دفعه لان يمارس الاختيارات والسلوكيات التي عرف بها ..
وفي الفصل الثالث ينتقل بنا الكاتب رزاق ابراهيم حسن ليروي لنا ملاحظاته عن الخمر في شعر الحصيري والتي كانت تنطوي شعرا وسلوكا على مفارقات كثيرة يصل قسم منها الى حدود التناقض بين حالة واخرى ، وبين سلوك واخر .. فقد ولد الحصيري في مدينة النجف وهي الاكثر محافظة والتزاما بالتقاليد الدينية وعرف بداياته الادبية الاولى في هذه المدينة لكنه سرعان ما انفصل عن اجواء مدينته وتقاليدها ، واصبح بعد انتقاله الى بغداد من اكثر الناس ارتيادا لحاناتها ، ومن الشعراء الذين كرسوا معظم قصائدهم للحديث عن الحانات وخمورها وكؤوسها والعلاقات بين روادها ..
قاموس الشاعر
وقاموس عبد الامير الحصيري الشعري ينتهي في غالبيته الى قاموس الشعر الحديث الا انه كان امينا على تقاليد القصيدة العمودية وهو من اشد الشعراء ابتهاجا بقدرته على وحدة القافية في القصيدة ووحدة الوزن وطول القصيدة ايضا .. والحصيري طبقا لرؤية الكثير ومنهم الكاتب رزاق ابراهيم حسن يرى ان الاساس في شعره يتمثل في ( الخمر) وكان هذا الموضوع يتسرب الى جميع قصائده ويضع بصماته على صورها ومفرداتها كما انه كان موضوعا للعدد الاكبرمن قصائده .. اذ لم يلجأ الى هذا الموضوع لقصور في ثقافته الادبية فهو اي الحصيري معروف باطلاعه على الشعر العربي وحفظ الكثيرمن عيون هذا الشعر ..
على اننا لا بد ان نشير ان من مفارقات شعر الحصيري انه كان يتعامل مع ( الخمر ) بدلالات وحالات متناقضة مع بعضها فهو في بعض القصائد شديد الاعتزاز بذاته .. وفي الاخرى كان يتجاوز هذه الذات من خلال ( الخمر ) الى التحاور مع الاشياء والنفاذ الى دواخلها والتعامل معها بروح مليئة بالفرح ومحاولة التوحد معها .. ومن القصائد التي تعكس ذلك بدقة قصيدة ( تمرد ) وفيها يخاطب الحصيري ذاته بقوله:
تمرد على الدنيا وعش صحوها سكرا
وعش بظلال الجنة البرد والحرا
ولا ترتهب قولا اسيفا حروفه
من الزور يرسمن الدجى لوحة نكرا
سلام على سود التعاويد ان رمت
على اضحيات الفجر من سهمها نهرا
وتبسم اشجار النعيم وان شدا
باغصانها ثلج الشتا المزدهي جمرا
ويقول ايضا :
وها انت قد اصبحت للخمر ربها
واصبحت للاقداح ترعتها الكبرى
وحاناتها امست لنفسك روضة
تنادم فيها الحلم والصوت البشرى
في الفصل الرابع وهو الفصل الذي يلقي الكاتب فيه الضوء عن تباهي الشاعر بالتشرد والحرمان والحزن .. والغريب اننا نجد ان عبد الامير الحصيري عندما يترك شرب الخمر وهو ما كان يمارسه بعوامل داخليه وربما تكون بسبب تاثير من يسديه النصائح من اقرب المقربين اليه .. نجده يظهر بهيئة مختلفة عن هيئته الخمرية اذ يظهر انيقا ووسيما وبملابس جديدة ويبدو بصحة جيدة فحياته كانت في سكر متواصل وهو عندما يترك الخمر ( يظهر وكأنه في اجواء احتفالية وكاي شخص مقبل على حياة جديدة ، ويجد من الاخرين الاحتفاء والثناء ويقسم لاصدقائه انه لن يعود للشراب ثانية لكنه سرعان ما يعود الى الانهماك والاستغراق في شرب الخمر ) ..كما حاول الحصيري استغلال شهر رمضان في بعض السنوات ان ترك الشراب وتانق عائدا لبلدته النجف فقد كان يحمل الكثير من الغرائز ونوازع الطفولة وقد يكون سلوكه بمثابة انتقام من حرمانه من الطفولة ومن حرمانه من حاجته الى الحب والحنان .. شهية الخمر كانت اكبر عنده من اي نوازع اخرى لذا سرعان ما كان يعود للملابس الرثة واللحية المهملة والتشرد والنوم على الارصفة .. ومن المحاولات التي يذكرها لنا الكاتب رزاق ابراهيم حسن ان الشاعر الكبير سعدي يوسف ان اشترى له في يوم ما لوازم الحلاقة والتعطر مع بدلة جديدة لكنه فاجأ الشاعر سعدي يوسف والاصدقاء ببيع هذه المشتريات وشراء الخمر بثمنها مع طعام يحتاجه اثناء الشراب .. الكاتب والمفكر الكبير عزيز السيد جاسم الذي يعد من اخلص اصدقائه بادر هو الاخر الى محاولة تغيير هندامه بتزويده بمساعدات مالية وملابس جديدة ومستلزمات اخرى لكنه وبعد ان يعلن عن شكله الجديد لايام فقط يعود كمن هو خارج من مستنقعات الطين او من جلسة شراب طويلة ..
ترك الخمر
واتيحت للحصيري فرص اخرى لترك الخمر حيث يتداول الوسط الادبي ان وزير الثقافة والاعلام صلاح عمر العلي وكان عارفا بموهبة الحصيري وشاعريته الفذة وما يعيش من اهمال وحرمان ووضع مزر بادر بصحبة عدد من الادباء الى زيارة الحصيري في احد المقاهي ودعاه الى الركوب معه بسيارته حيث اصطحبة للاسواق واشترى له عددا من البدلات والاحذية وما يحتاج من مستلزمات اخرى واعطاه مبلغا من المال وعينه مشرفا لغويا في الاذاعة والتلفزيون واوصى المسؤولين والعاملين برعايته والتعامل معه بشفافية وعاش الحصيري اشهرا من الاناقة والنظافة والالتزام لكنه لم يصبر طويلا وبدأ يجلب قناني الخمر والطعام لموقع العمل وانقطع عن العمل بعد ان دخل بمشادات مع بعض الموظفين ..
ويروي عن الحصيري انه عمل في مجلة وعي العمال في اواخر ايامه مشرفا لغويا وصبر فترة غير قصيرة من دون شرب لكنه عاد لمنهجه في التيه بحياته العبثية حيث احتواه الخمر ثانية
ومن امثلة فخره ( الحصيري) بحالة التشرد والبؤس والحرمان يقول في قصيدة ( انا الشريد ) :
ما زلت طفلا غريرا كيف تقربني
الى التشرد والحرمان والارق
انا الشريد فما للناس تذعر من
وجهي وتهرب من اقدامي الطرق
الدار تسكن احلامي وما اكتحلت
بالشمس والشمس من كفي تنبثق
هذه الابيات تشير من دون شك ان الحصيري كان يتلذذ بالعذاب والبؤس والحرمان والتشرد الذي سببه الشراب الذي ادمنه ..
ويقول في القصيدة نفسها مخاطبا اصحابه :
كفوا عن اللوم يا صحبي فما سلمت
لي الاصائل لولا ذلك الغرق
دقوا الكؤوس بكأسي غير صاحية
صبحا ولا تذكروا الايام واغتبشوا
وهو بهذه الابيات يدعو اصحابه الى الشراب كما يدعوهم الى التشرد ومعاناة البؤس ذلك ان الشراب بوجهة نظر الكثير من الناس مقبول ومستساغ اذا كان محافظا على وقاره وعلى احترامه للاخرين ..
الحصيري كان يعرض قصائده للبيع على الادعياء والشعراء والمزعومين ذلك هو ما تناوله رزاق ابراهيم حسن في دراسته عن الشاعر عبد الامير الحصيري في فصله الخامس ..كانت ظاهرة تكسب الشعراء بالشعرمن خلال مدح ورثاء الاخرين وخصوصا مديح الشعراء للسلاطين والخلفاء في الدولتين الاموية والعباسية وحتى الدولة العثمانية وهي ظاهرة يبرع فيها هذا الشاعر او ذاك في المديح فيجني من وراء ذلك مالا وجاها .. الا ان ظاهرة بيع الشعرمقابل القليل من المال ظاهرة التجأ اليها الشاعر عبد الامير الحصيري ليجني من خلالها ما يسد رمقه من نزر الطعام والشراب .. وقد كانت اتفاقات الشاعر الحصيري المريبة مع عدد من الادعياء ظاهرة فريدة من نوعها حتى قيل ان الديوانيين الكبيرين الذين اصدرهما عزيز السيد جاسم الذي عني كثيرا بالشاعر الحصيري كانت تضم القليل من شعرالشاعر الا ان قصائد لا تحصى الضائع منها اكثر من الذي وصل بين ايدينا من شعر الحصيري ولقد تفنن البعض في سرقة القصائد برضى منه حين كان يقايض القصائد بدراهم معدودة يسد بها رمقه او بلا رضى منه حينما كان السارق يشاركه النوم في غرفته ثم يهرب بالاوراق السرية كلص وفي وضح النهار .. ينقل الينا الكاتب رزاق ابراهيم حسن ما كتبه الاديب والشاعر الراحــل محمد حسين الاعرجي فــي كتابه ( في الادب وما اليه ) والصادر عن دار المدى سورية – دمشق عام 2003( كان من تناقضاته ويقصد الحصيري في هذا التمرد انه كان يبيع ابداعه الى من يشتريه فاما ما يكلف به من نظم ديوان فكان ينظمه لقاء ثلثمائة دولار واما ما كان يكلف به من كتابة اطروحة فكان يكتبها لقاء مبلغ لا اعلمه ولم اكن ادري انه ينظم دواوين لشعراء مزعومين في الخليج ).. ويستطرد محمد حسين الاعرجي انه فوجيء بوالده يصرخ به مناديا .. محمد حسن .. هذا عبد الامير بن عبود يطرق الباب لان ابي كان يستنجس مــن شارب الخمر وكان ذلك فــي شهر رمضان حيث طلب مني عبد الامير ان نـذهب سوية الــى مقهى ( ابراهيم لنكراني ) وهي مقهى المفطرين في شهر رمضان في النجف اذ يرخص عادة لاصحاب الجنائز الذين يأتون بموتاهم الى النجف من اماكن بعيد .. وجلسنا حيث فاجئني عبد الامير انه يحب ان ينظم ديوانا قبل ان يحل الافطار وسالته
ـ لمن ؟
ـ ما عليك
ثم علمت لاحقا انه يصنع دواوين شعر لبعض شعراء الخليج المزعومين لقاء مبلغ ثلثمائة دولار لكنه لم يبح لي باسم اي واحد منهم وان الوسيط بينه وبينهم هو الكتبي عبد العزيز القديفي .
اتضح لنا ان الشعر الذي اضاعه عبد الامير الحصيري اكثر من الشعر الذي صدر له حيث انه قضى معظم حياته ليس له عمل وقد كان يعيش من صنعة بيعه الشعر لاناس يحرص على عدم ذكر اسمائهم وبناءا على رغبتهم وهذا كان احد اهم شروط الشاري لشعر عبد الامير الحصيري.. لم يكن من السهل الحصول على احصائية بعدد الاشخاص الذين باعهم الحصيري قصائده ويقول رزاق ابراهيم حسن الذي استقصى مسيرة الشاعر بدقة ان بعض الاشخاص من اصدقاء الحصيري ذكروا له ان اغلب الذين اصدروا دواوين من نتاج الحصيري لم يدرجوا في عداد الشعراء ولم يتعرض لهم احد بالدرس والنقد منهم شخص كان بموقع اداري كبير في ستينات القرن الماضي وبالتحديد عام 1965 التقى بالحصيري في مقهى حسن عجمي وطلب اليه نظم قصيدة عن مدينة بورسعيد التي عرفت بدورها في مواجهة العدوان الثلاثي وقال له اني متعب واريد ان تنظم لي قصيدة حيث حدد الوزن والقافية وتم الاتفاق وانتقل كل واحد منهم الى زاوية معزولة عن زاوية الاخرليبدا الاثنان بنظم قصيدة حسب المواصفات .. انجز الحصيري اكثر من عشرين بيتا وانجزت انا اقل من ذلك وقمنا بالاشتراك لوضع تسلسل للابيات وتم تعديل واضافة وحذف البعض حتى بلغت القصيدة اربعين بيتا وهي ذات قافية دالية ومن البحر الطويل وطلب مني الحصيري الذهاب معه لبناية القشلة في المتنبي ودخل مبنى يعود لامانة العاصمة وفي الطابق الثاني سلم القصيدة لشخص واخبره انها اصبحت اربعين بيتا ومن غير اللائق نشرها ناقصة الا ان الشخص المعني اصران يأخذ من القصيدة عشر ابيات فقط طبقا لاتفاق مبرم سابقا بينهما ومقابل خمسة دنانير وحاول الحصيري اقناعه باخذ ثلاثين بيتا لكن الشخص ظل ثابتا على موقفه معلالا انه اعتاد على كتابة قصائد قصيرة وبدا صوت الحصيري عاليا حيث قال له ( متكلي وين اودي الثلاثين بيتا الباقية من القصيدة ) .. كان من الواضح ان الحصيري يساومه لرفع سعر القصيدة لكن الشخص المعني اصر على موقفه ودفع مبلغ خمسة دنانير ..
ربما وهذا هو المتعارف عليه ان يكون لكل شخص مثل اعلى في حياته فمن هو المثل الاعلى للشاعر عبد الامير الحصيري .. يذكر لنا الكاتب رزاق ابراهيم حسن في كتابه (الحصيري وكاس القصيدة ) وفي فصله السادس انه عندما توفي الرئيس جمال عبد الناصر حاول الحصيري الانتحار وعندما سئل عن السبب اجاب : لقد كنت شاعر الامة بوجود قائد الامة ولم يعد لي اي مبرر للبقاء برحيل قائد هذه الامة ..
وصرح الحصيري غير مرة انه شاعر الكرة الارضية والعالم من القطب الى القطب ويعرف الحصيري ان ثقافته الشعرية لا تتجاوز الشعر العربي القديم وشعراء العراق في مختلف المراحل ويذكر احد النقاد انه كان يرى نفسه انه اشعر الشعراء قدامى ومحدثين وكان لا يطيق اطراء اي شاعر معاصر ويتعامل في ذلك بخشونة مع الشعراء والنقاد ومحبي الشعر .. وعبد الامير الحصيري في ثقافته الشعرية لم يعط اهتمامه لشاعر معين اذ كان يحفظ الكثير من شهر المتنبي والبحتري وابي نؤاس والفرزدق وجريرو ودعبل ومحمد سعيد الحبوبي والجواهري ويرى البعض انه كان يقلد ابا نؤاس في الشعر والسلوك لما بينهما من تشابه الحالة ولكن هذا الشاعر ظل رمزا خمريا يذكره الحصيري في قصائده .. كان الحصيري مختلفا مع المتنبي وان كان يحفظ قصائد عديدة له حيث كان المتنبي يهتم بالبعد الاخلاقي والسياسي والفلسفي في شعره فيما الحصيري يهتم بالصورة الشعرية ويحشد الصورالذهنية والحسية في شعره والاختلاف بينهما واسع على صعيد السلوك فقد عرف عن المتنبي علاقاته مع الملوك والامراء الا ان الحصيري عرف بعلاقاته مع مختلف الشرائح ومع الذين يشاركونه الجلوس في الحانات والمقاهي .. وليس بالضرورة ان يكون الحصيري نسخة من المتنبي او يكون تلميذا رغم بدخله كان يحاول ان يكون خليفة للمتنبي وقصائد الحصيري اقرب الى اللغة الحديثة منها الى قاموس المتنبي لكنهما يلتقيان بالاعتداد بالنفس والزهو عدا هذا فان الحصيري عاش معظم حياته في المقاهي والحانات الا ان المتنبي عاش متنقلا بين الملوك والامراء معززا ذلك بطموح سياسي وبقدرة شعرية تتصاعد في شهرتها وعلو قامتها .. اننا حين نذكر مقارنة ذلك لم نكن نبغي ان يتساوى الشاعران الا ان القصد ان الحصيري يرى نفسه قريبا في الشعر من الشاعر العملاق المتنبي .. كما كان يطرح نفسه تلميذا وخليفة للجواهري ولكن البعض يشير اليه بخلافة الجواهري الا ان البون شاسع بينهما شعرا وسلوكا رغم مبادرة الحصيري كتابة قصائد تتماثل مع قصائد الجواهري .. واذا كان هناك من يضع الحصيري في خانة الموروث الشعري العربي وانه يشكل امتدادا للمتنبي وابي نؤاس والبحتري والجواهري فان هناك من يجعل الحصيري امتدادا لشعراء بدوي الجبل وعمر ابي ريشة .. الناقد والشاعر عبد الاله الصائغ وهو صديق الحصيري يقول : ( اننا في قصائد الحصيري نلمس تمكنه المتفرد المهم في امتلاكه ادواته الشعرية حتى كان مهيء للوقوف مع رعيل عمر ابي ريشة وبدوي الجبل لولا فارق العمر والتجربة ) ومعلوم ان هناك ديوان شعر للحصيري عنوانه ( مذكرات عروة بن الورد ربما يكون الحصيري اختارعروة بن الورد نموذجا لكنه غير صحيح ان يصل مبتغاه في التساوي مع ابن الورد لأن المسافة شاسعة بين ابن الورد وشعر الحصيري .. شخصية الشاعر الحصيري العبثية لا تنبيء انه ربما وقع في يوم ما بحب حتى كتب قصائد غزلية لانه كان حتى مماته منهمكا بحب الخمر فلا حاجة له في حب اخر .. الا ان رزاق ابراهيم حسن يستقصي الحصيري في الفصل السابع من كتابه يستقصيه في قصائده الغزلية التي تشكل نسبة كبيرة من قصائد الشاعر وهي منتشرة في دواوينه .. وقد بادر صديقه الاديب عزيز السيد جاسم الى جمع قصائده الغزلية التي لم يتم ادراجها في ديوان معين واصدرها بديون كبير صدر عن دار الشؤون الثقافية العامة بعنوان ( غزليات عبد الامير الحصيري ) ومن خلال الديون نجد ان للحصيري في غزلياته ما ليس بالقليل من هذا اللون من القصائد وقد كان يوليها مكانة خاصة عند كتابتها ، السؤوال الذي يطرح نفسه في حالة كحالة الحصيري العبثي الى حد التخمة في خمر لم يسكره بل هو من اسكر الخمر السؤوال هو هل ينبغي ان تكون القصائد الغزلية مقترنة بتجربة عاطفية؟ .. يصف لنا عزيز السيد جاسم الذي تولى جمع موروث الشاعر يصف الحالة العاطفية لدى الحصيري بالقول ( كان متلائما مع نفسه تلاؤما عجيبا ، انما بطريقته الحصيرية الحسية ، اللذيذة ، الشوقية .. فكان لا بد من الانتساب الى حب شيء او قضية وقد تكون القضية الانخراط في عصابة او ممارسة الاجرام ، او الرهينة ، ولكنه اختار شياطين ، شيطان العشق وشيطان الشعر بمواجهة شيطان الدماء والفاقة وهذا هو الحصيري )
باستثناء قصيدة ( الى القلق ) هي التي ساقته الى قدر الحب شكلا لا ممارسة حقيقية لحالة حب اذ لم يتقمص الحصيري صور الشعراء الذين احبوا وجعلهم الحب يبدعون شعرا لكنه ــ يقينا ــ كان يفكر بالحب اكثر مما احب في تلك البداية حيث ارتمى في بغداد ولعله حلم كثيرا بصدر امرأة ، ربما ادرك حدود رغبته الجنسية الفائرة ، لكنه كان يتراجع الى مملكة الخجل تلك المملكة التي احتوته صاحيا ومخمورا وقد كان الخجل اقوى خصلة فيه .. نعم كان يظهر وقاحة بعض الاحيان وخصوصا عندما ينتشي بخمر لم يصل به بعد الى ان يلقي بجسده على قارعة رصيف من ارصفة بغداد ..الاستذكارات عن اولى سنوات شباب الحصيري تشير الى انه كان يحرص على تجنب اية علاقة مع امرأة ، وكان لا يمتلك الجرأة والمسوغات للتقرب من المرأة لاسباب دينية واجتماعية .. اذ يقول صديق طفولته وشبابه الشاعر والباحث عبد الاله الصائغ في يوم ما ( جلسنا في الحديقة ولم تتعد اعمارنا الرابعة عشرة ، فجأة وكما الحالم مرت بنا امرأة لم تتعد العقد الثالث مـن عمرها كــانت ( وحشية الجمال ) ووقفت امامنا تتاملنا ورايت الحصيري يرفع قبضته ويلكم الريح وهو يزمجر ويبصق على الارض متقززا بعد ان رمقتنا ومضت ولم يدر بخلدي يوما ان يكون الحصيري على علاقة بتلك المرأة ، ويمضي الصائغ فيقول .. سالته .. ما الخبر يا عبد الامير ؟ .. وسمعته يرتجل عددا من ابيات الشعر لم احفظ منها سوى هذين البيتين لم يحوهما ديوان ..الاثم قد زرع الظلال على جوانب مقلتيك
قلبي تمزقه يدي كي لا يموت بناظريك ويبدو الحصيري في بعض قصائده الغزلية مقلدا لقصائد ايليا ابو ماضي في دعوته الى الابتسام والتفاؤل ويقول في احدى قصائده مخاطبا المرأة بقصيدة (ابسمي ) وهـــي مــن قصائد مجموعته الاولى ( ازهار الدماء )
ابسمي فالفؤاد تحت سياط العين ، غض مهدد بالفناء
وحناياي تسكب الدمع في الاجفان نجوى تنث سر الشفاء
ابسمي ليتني بثغرك اضواء ملاح تمتص شهد الوفــاء
ليتني نسمة تدغدغ نهديك فاحظى بمنيتي ورجائي..
الحصيري في قدومه الى بغداد لم يعرف عنه اية صلة بامراة رغم كونه يحمل توقا شديدا للمراة الا انه ظل يكبت هذا التوق ويزيده كبتا بتصرفاته ، فالذي يرد ان يكون محبوبا من النساء عليه الاهتمام بمظهره الخارجي وهذا لم نجده بائنا في حياة الحصيري الخمرية البغدادية لأن اغلب اوقات الحصيري كانت مكرسة للشراب والنوم والتنقل بين الحانات والمقاهي فيما الحب يحتاج الى اوقات يحضر فيها العقل..
مخاطرة امرأة
ويحصل ان يستهل الحصيري قصيدته بمخاطبة امراة ولكن الصور والجمل فيها سرعان ما تظهر وتفصح عن كونها ليست موجهة الى انثى وانما موجهة الى شيء اخر يمنحه الحصيري خصائص الانثى كما هو الحال في قصيدة ( تعمة الصبر ) ويقول فيها :
احمليني الى ضفاف السحاب
واعصميني من موحشات الروابي
يا ديار الربيع حتام تعتادني
ورباك من دم وثاب
لا تظني انا سنجفوا اذا ما
جف بحر يحلم نار اكتئاب
يجمع الكثير من الادباء ومحبي الشعر على ان عبد الامير الحصيري برع وتميز في العديد من القصائد التي كتبها ولا سيما قصيدة ( الخمر ) الا ان اغلبهم كان يتفق على ان الحصيري اساء لنفسه وشاعريته بسبب اندفاعه المدمن في شرب الخمر واهماه جانب العلاقات مع الاخرين اضافة الى بيعه الشعر واسهامه في اضفاء صفة الشعراء لعدد المدعين ، وقد كانت هذه الاخطاء والسلبيات سببا في الاساءة لنفسه وشعره ووضعه هذا التصرف خارج القيم الاجتماعية في الوقت الذي كان البعض من الشعراء يلجأ لهذا النوع من التمرد لاسباب ايدولوجية وسياسية وعاطفية ويوجد في الشعر من اتخذ هذا التهج لكن لم يمارس العبث مثلما مارسه عبد الامير الحصيري ..ولكنه وبعد وفاته اكد ان الشعر الرصين والجيد لا يمكن ان يموت وان الطاقة الشعرية اكبر من كل الحواجز والمعوقات وان الموت يحمل معه التحرر من هذه المعوقات والحواجز ويحمل كذلك اصرار التجربة الشعرية على نيل استحقاقها بعد رحيله كتب العديد من الادباء والمثقفين عنه الكثيرمن الدراسات بمناسبة وبدون مناسبة وطبعت وصدرت بعض دواوينه وقصائده الضائعة على اننا في مجمل مسيرة الشاعر وكل تلك الدراسات التي اسهمت في ابراز ثقافة الحصيري واعتباره شخصية تزدحم بالنقائض والاختلافات بين البعد والقرب ، بين السكون والانفجار، بين البراءة والخطيئة كما اشارت بعض الدراسات الى ان اغلب شعر الحصيري يهتم بالصورة الاستعارية الا ان احدا من المثقفين لم يقف بتمعن على هذه الصورة بسبب ان مثل هذه الصورة الاستعارية تتطلب الرجوع الى التراث النقدي العربي والعالمي وهذا ما لم يفعله احد من الدارسين لشعر الحصيري .. كما اتسم شعره بقوة العلاقة مع الحداثة والتراث وقد كان مهتما بطول القصيدة وحسن وجودة اهمية الاستعارة في القصيدة الواحدة .. على ان من المفيد ان نشير اخيرا الى ابرز من كتب عن الصورة الاستعارية في شعر الحصيري هو الدكتور عمار سلمان عبيد المعموري ولهذا الكتاب اهمية اشار اليها الاديب رزاق ابراهيم حسن مع مجموعة من الدراسات التي كتبت عن الحصيري .. بهذا نأتي على فصل مهم من حياة الحصري وعلاقته بالخمروقد بدات هذه الحياة منذ قدومه الى بغداد حتى عودته الى محافظته النجف مخمورا بالصورة الحتمية للانسان وهي الموت ومثل حالته فقد مات الشاعر مخمزرا كما بدا مخمورا ..
























