الحرب الإقتصادية وجذورها في الصراع النفسي – سامي الزبيدي

الحرب الإقتصادية وجذورها في الصراع النفسي – سامي الزبيدي

المقدمة

  1. 1. تعد الحرب الاقتصادية عنصراً مهما من عناصر الحرب النفسية وقد برز هذا المصطلح في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية ولا يعني ذلك أن الحرب الاقتصادية لم تكن معروفة قبل هذه المدة لكن تشابك المصالح الاقتصادية وازدياد الوعي لدى الدول النامية وحرصها على الاستفادة من مواردها وإمكانياتها الطبيعية التي استنزفتها الدول الاستعمارية خلال قرون طويلة خلت ومحاولة تثبيت استقلالها السياسي والاقتصادي عن طريق السيطرة على مواردها  واقتصادياتها أدى كل هذا إلى ظهور الحرب الاقتصادية بمظهر لا يقل في قوته عن باقي أنواع الحروب .
  2. 2. كما تعتبر الحرب الاقتصادية أحد أساليب النشاط التخريبي الذي تمارسه بعض الدول ضد دول أخرى لأسباب سياسية أو لتعارض المصالح أو لأسباب أخرى ولهذا النشاط التخريبي أهمية كبيرة لأنه لا يستهدف الميدان الاقتصادي حسب  إنما يستهدف الميادين السياسية والاجتماعية والعلمية والعسكرية والأمنية والتكنولوجية والفكرية والثقافية.

تعريف الحرب الاقتصادية

  1. 3. لم يتم الاعتماد على تعريف محدد للحرب الاقتصادية بل اختلف الكثيرون في وضع تعريف محدد لها فيعرفها البعض على أساس التدابير المستخدمة فيها ,ويعرفها آخرون على أساس الجهود التي تبذل لإدراك وتحقيق الأهداف المتوخاة من الحرب الاقتصــــادية ومن هذه التعاريف

    أ.يقول البروفيسور(مروث لورنج ألن) في تعريفه لها أنها محاولة متعمدة لتقوية مركز الدولة النسبي في النواحي  الاقتصادية والسياسية والعسكرية عن طريق العلاقات الاقتصادية الخارجية ثم يوضح بعد ذلك أن هدف الحرب  الاقتصادية يندر أن يكون واحداً وإنما في الغالب يكون مزيجاً من الأهداف العسكرية والسياسية والاقتصادية.

    ب.واستخدم اصطلاح الحرب الاقتصادية في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية للإشارة إلى كل التدابير الدبلوماسية والعسكرية التي تتخذ لتعطيل المجهود الحربي للعدو.

    ج.وحاولت الكلية الصناعية للقوات المسلحة الأمريكية عام 1965 وضع تعريف للحرب الاقتصادية وبعد بحوث  توصلوا إلى أن الحرب الاقتصادية تعرف بأنها استعمال التدابير الاقتصادية للهجوم على الأهداف الاقتصادية.

  1. 4. لقد وضح الأمر من أن هذا التعريف لا يمنع ولا يحرم وكالة الحرب الاقتصادية من العمل في تعاون وثيق مع الوكالات الدبلوماسية والعسكرية ووكالة الحرب النفسية للتخطيط لأنواع أخرى من الهجوم على الأهداف الاقتصادية فعلى سبيل المثال فان وكالة الحرب الاقتصادية هي التي تحدد الأسبقية المطلوبة للأهداف التي تتعرض للهجوم الجوي   وهي تحدد ذلك في ضوء الحرب الاقتصادية ولكن العملية في جملة إجراءاتها عملية من مسؤولية الوكالة العسكرية  وأن التعبئة الاقتصادية أي تعبئة موارد الأمة للحرب هي أحد وجهي الموضوع فأن الوجه الآخر هو الحرب  الاقتصادية أي تمزيق التعبئة الاقتصادية التي يقوم بها البلد الذي يستهدف بالحرب الاقتصادية وتحطيم معنويات السكان المدنيين وشل الحركة الاقتصادية في ذلك البلد .

الطابع العسكري للحرب الاقتصادية

  1. 5. لقد تم الاعتراف بالطابع العسكري للحرب الاقتصادية وأصبح هذا الأمر ضرورياً في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وكانت العقيدة الانكليزية على ما نقلها (مدليكون) في كتابه (الحصار الاقتصادي) تؤكد بأن الحرب الاقتصادية عملية عسكرية يمكن أن تقارن بعمليات الأسلحة المقاتلة الثلاثة (البرية والجوية والبحرية) في أن غرضها هو هزيمة الدولة أو الدول المعادية فهي تكملة لعمليات الأسلحة الثلاثة لأن وظيفتها هي حرمان الدول المعادية من الوسائل المادية للمقاومة ولكن على خلاف عمليات القوات المسلحة فان نتائجها لا تتحقق بالهجوم المباشر على العدو فحسب بل أيضاً بالضغط على الدول المحايدة التي تحصل منها الدول المعادية على مواد تموينها وإمدادها.

أسلحة الحرب الاقتصادية

  1. 6. لا تقل أهمية العوامل الاقتصادية كأسلحة تستخدمها الدول المتحاربة فيما بينها في التأثير على نتائج الحروب عن الأسلحة العسكرية التي توجه مباشرة للبلد المعادي ولكنها تهدف للقضاء على اقتصاديات ذلك البلد وخلق حالة عدم الاستقرار النفسي والمادي والأمني للمواطنين وانهيار الروح المعنوية لمواطني ذلك البلد وبالتالي التأثير على الموقف العسكري , وللحرب الاقتصادية مجموعة من الأسلحة أبرزها :

    أ.سلاح الحصار الاقتصادي

     يستند هذا السلاح إلى تعطيل وشل حركة التجارة الخارجية للبلد المعتدى عليه من قبل بلد واحد أو عدة بلدان لمنع  مرور صادرات البلد واستيراداته عبر أراضيه أو أراضي البلدان الأخرى ,ويكون تأثير هذا السلاح أكثر فاعلية على  هذا البلد المحاصر عندما يكون اقتصاده معتمداً أساساً على تصدير مورد معين أو مواد خام والذي يعتمد من خلاله  البلد في حصوله على العملات الأجنبية وعندما يعتمد أيضاً على مستورداته من السلع والمواد الخام من الخارج وقد  أستُخدم هذا الأسلوب في الحربين العالميتين الأولى والثانية وقبل وبعد حرب تحرير الكويت ضد العراق عام 1991     وتستخدمه السعودية والإمارات ضد قطر هذه الأيام.

  ب. الحصار البحري

  ويتضمن هذا الحصار تعطيل حركة التجارة الخارجية للبلد من قبل بلد أو بلدان عدة والمارة عبر البحر أو قطع   الطريق التجاري بواسطة البحر ويتم ذلك من خلال الاقتراب أو المرور عبر المياه المسيطر عليها من قبل البلد  القائم بالحصار .

  ج. المقاطعة الاقتصادية

  هو إجراء لا يتضمن تعطيل أو وقف العلاقات التجارية فحسب وإنما يشمل كافة العلاقات الاقتصادية بين البلدين  وقد يتعدى ذلك بحيث يشمل قطع جميع العلاقات .

 د.  سلاح المشتريات التمويلية

     حيث تقوم الدولة أو الدول المتحالفة معها ضد دولة أخرى بشراء المواد الإستراتيجية أكثر من الحاجة للمجهود  الحربي بهدف حرمان الدولة المعادية من تلك المواد .

 ه.  ضرب المنشآت الاقتصادية

    ويتمثل هذا الإجراء عمليات تدمير المنشآت الاقتصادية للبلد المعادي ووسائل إنتاجه وطرق مواصلاته بهدف  إضعاف موارد البلد وخاصةً ما يعلق بمخازن الحبوب ومنشات الطاقة والموانئ البحرية.

 و. العمل على تحجيم علاقات البلد الاقتصادية الخارجية مع البلدان التي يعتمد عليها في المواد الخام والسلع الأساسية.

 ز. التخريب المادي للمنشآت الاقتصادية الحيوية الذي تقوم به عناصر عميلة في البلد خدمةً للأجنبي .

تدابير الحرب الاقتصادية

  1. 7. تشمل تدابير هذه الحرب على عناصر عديدة متشعبة لا يمكن حصرها أما العناصر التقليدية الرئيسية التي تكوَن تدابير الحرب الاقتصادية فأهمها :

أ.        تقييد الاستيراد والتصدير ومراقبتهما.

ب.      الحصار البحري.

  ج .   التدخل ضد تهريب البضــــــــــــــائع المحـــــــــظورة.

   د.   مراقبة الاتفاقات التجارية التي تُعتمد مع الدول المحايدة.

أهداف الحرب الاقتصادية

8 . وتشمل كافة جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والعلمية والاجتماعية والثقافية وأهم هذه الأهداف:

   أ.الأهداف السياسية

     تهدف الدولة أو الدول التي تتبنى الحرب الاقتصادية من خلالها القضاء على النظام السياسي للبلد المعادي أو التأثير  على الحياة السياسية بما يتلائم وأهدافها ومصالحها في أقل تقدير .

   ب.الأهداف العسكرية

 والغاية منها تدمير قدرات البلد المعادي العسكرية والتي تشمل قواته المسلحة وصناعته الحربية ومعسكراته  وموانئه وقواعده الجوية وطرق مواصلاته وكل بناه التحتية العسكرية الأخرى .

   ج. الأهداف الاجتماعية

        الغاية منها التأثير على تماسك المجتمع وخلق الصراعات والنعرات القومية والطائفية والعرقية من خلال تأجيج  وإذكاء هذه النعرات والصراعات بين مكونات الشعب

   د. الأهداف الصناعية

 وتهدف الحرب الاقتصادية من ذلك تدمير المعامل والمصانع والمنشآت الصناعية الأخرى للبلد المعادي .

   ه. الأهداف الزراعية

       والغاية منها هو تدمير كل ما يتعلق بزراعة البلد المعادي كحرق وتلويث الأراضي المزروعة وتدميرا لبساتين  و مشاريع  والإرواء ومخازن ومستودعات المحاصيل الزراعية وتدمير الصناعات الزراعية ومراكز البحوث

       وغير ذلك .

   و. الأهداف التنموية الإستراتيجية

 والغاية منها تدمير مشاريع التنمية الكبرى والإستراتيجية  للبلد المعادي التي تتعلق بالصناعات الحديثة ومشاريع  الطاقة والمنشآت النووية ومراكز الأبحاث والدراسات الإستراتيجية .

   ز. الأهداف العلمية والتعليمية

       وتهدف الحرب الاقتصادية من خلالها التأثير على كل ما يتعلق بالتعليم والعلم كالجامعات والمعاهد والمدارس  والمنشآت العلمية ومراكز الأبحاث والدراسات العليا .

   ح. الأهداف الصحية

        وتشمل المستشفيات والمراكز الصحية والكليات والمعاهد الطبية ومراكز البحوث والمختبرات ومصانع  الأدوية والصناعات الطبية الأخرى.

   ط. الأهداف الثقافية والتاريخية

        وهي من الأهداف الخطيرة والمهمة التي يُستهدف منها تدمير تاريخ البلد المعادي وأثاره ومتاحف حضارته   ومخطوطاته التاريخية ومكتباته ومنشأته الثقافية ودور النشر ووسائل الإعلام المختلفة وكل البنى التحتية الثقافية  الأخرى.

الخاتمة

  1. 9. الحرب الاقتصادية هي تدمير الحياة الاقتصادية والتعبئة الاقتصادية للبلد المعادي وتحطيم معنويات السكان المدنيين وشل الحركة الاقتصادية لذلك البلد, وقد كانت القوة العسكرية هي الوسيلة الأساسية في الحرب الاقتصادية لكن مع التطور العام الذي حصل في عالمنا المعاصر فقد ظهرت وسائل أخرى للحرب الاقتصادية ومن أهم هذه الوسائل  الحصار الاقتصادي والحصار البحري والمقـــــــاطعة الاقتصادية وضرب وتدمير المنشآت الاقتصادية.
  2. 10. وكما أن للحرب الاقتصادية وسائلها فلها أيضاً تدابيرها التي تستند على عناصر عديدة منها تقييد الاستيراد والتصدير والتدخل ضد تهريب البضائع المحظورة ومراقبة الاتفاقيات التجارية مع الدول الأخرى, كما أن للحرب الاقتصادية أهدافاً عديدة أهمها الأهداف السياسية والعسكرية والاجتماعية والصناعية والزراعية والتنموية والعلمية والثقافية.