
الجنّة بالإكراه مرفوضة – لويس إقليمس
حرية الإنسان وخياراتُه في شكل الحياة التي يريدُها لنفسه في المأكل والمشرب والملبس والنقل والتعبير وبالأدوات التي يختارُها من دون فرضٍ أو إكراهٍ أو ضغطٍ من أية جهة أو طرف مهما كان، دينيًا أو مذهبيًا أو مجتمعيًا أو سياسيًا أو اقتصاديًا أو عشائريًا أو أسريًا، خطّ أحمر. فكلّ هذه مكفولة في دساتير وقوانين وأنظمة الدول التي تحترم نفسها وتسعى لسعادة مواطنيها ولا تضع عراقيلَ إلاّ فيما يعرّضُ البلاد والعبادَ لخطر خارجيّ داهمٍ أو كارثة موشِكة على تدمير الأرض والحرث لا سمح الله. فالحريات العامة تقع في خانة المقدّس أكثر من احترام قدسية الفرد الذي ينزع إلى فرض أدوات المقدس بطرق قسرية وقهرية وفرضية بحجة التقرّب نحو الجنة والتشويق لها بوسائل تخنق الحريات وتخرق الخيارات وتدمّر المسافات نحو سعادة البشر المخلوق بالفطرة ليختار ما يريد والطريقة التي يريدُها والأدوات التي يختارُها من دون فرضها عليه. والمفروغ منه أنّ حرّية الفرد تنتهي عند حرية الغير!
من هنا، فإنَّ مسألة التداول بالمشروبات الروحية والكحولية بأنواعها أو تناولها أو تصنيعُها مِن قبل مَن يستسيغُها ويستأنسُ بها لترضية الروح وتهدئة النفس وإسعاد الجسد، لا تمسُّ البلاد والعباد بأيّ سوءٍ أو خطرٍ داهمٍ كما يتصورُه أصحاب العقول المريضة والنفوس المهووسة بالمغالاة في الدّين والتديّن والادّعاء بالتواصل مع موجبات الشرع غير المنطقية بغية التقرّب من جنّة مزعومة يقدمها صاحب هذه الجنّة سواءً للممتنعين عن تناول ما يسّمّى بالمحرّمات من أنواع هذه المشروبات أو تصنيعها أو تداولها أو المتاجرة بها. ذلك لأنّ هذا الخالق الذي نعبدُه جميعًا، كلٌّ وفق تصوّره وأسلوب حياته وسلوكيات تربيته، لا يقبلُ الحديث أو الحكم أو الإدانة باسمه أو حتى باستخدام جبروته لإكراه البشر على سلوك لا يقتنع به الكائن الحيّ العاقل في قرارة نفسه. وإلاّ لماذا خلقه حرًا في أرضه الواسعة؟ أليسَ للتنعم بها واستغلال خيراتها لما يجد فيها من متعة وراحة وحرية؟ هذا إضافةً لكون كلّ ما خلقه وأوجده هذا الخالق على سطح الأرض مسَخَّرٌ لمنفعة الإنسان خليقته في حالة استخدامه إياه بطريقة عقلانية وحكمة ربانية وبصيرة إنسانية شريطة عدم تجاوزه على صالح الغير وحريته وخياره أو إلحاقه الأذى المطلق بالمجتمع والبلد على السواء. وتناول المشروبات الروحية بأنواعها والتي يسعى أدعياء الدين والشرع من “الإسلامويّين” المتشدّدين تحديدًا ليست بتلك السموم القاتلة والضارة في مطلقها ولا ترقى للتحريم “المطلق” في بلدٍ متعدّد الأديان والمذاهب والمكوّنات التي يكفل الدستور ممارسة حقوقها كاملة وغير منقوصة، ومنها حق أتباعها في تداولها وتصنيعها وتناولها والمتاجرة بها وما يطيب لهم من أغذية أخرى ولحوم بحسب أعرافهم وعاداتهم وتفضيلاتهم. وإلاّ تعرّضت أجزاءٌ كثيرة من حقوق هذه المكوّنات التي لا تنتمي لدين المدّعين ب”الحاكمين بأمر الله”، من زعامات الأحزاب والرئاسات الأربع التي تقود البلاد وتزعم دعهما ووقوفها إلى جانب أبنائها وأتباعها، إلى خطر الإزاحة التدميرية من مجتمعاتها وبلداتها ومدنها وأراضي بلادها عامة.
إنّ العقلاء ينظرون إلى هذا القانون، شكلاً ونصًا وفحوىً، كونه مخالفة صريحة لقدسية التعددية التي يكفلها الدستور العراقي والخيارات الطبيعية لجميع المكوّنات، بضمنها أتباع الدين الإسلامي ممّن يستسيغون التعاطي بها وتناولها أو تداولها كحقّ مكفول للجميع. بل يعدّهُ الكثيرون تناقضًا يسيء إلى لغة الحوار المدسوس سمًّا ضدّ أبناء هذه المكوّنات التي يسمّيها أدعياء الدّين من الإسلامويّين المتعصّبين ب”الأٌقليات”. وإلاّ وقعت البلاد والعباد جميعًا في خانة المحرّمات والإساءات والاستهدافات التي تسعى لتغليب فئة على أخرى وطرفٍ على آخر. ونقولها بالمطلق الصريح، إنّ ما جاء في أحد بنود المادة 14 من القانون الذي سنّه مجلس النواب في عام 2016 وتمّ إيقاف العمل به مذ ذاك لتناقضه مع الحريات العامة لبعض المكوّنات الأصيلة في المجتمع العراقي، قابل ٌ للطعن به أمام المحكمة الاتحادية. وحسنًا فعل رئيس كتلة بابليون في مجلس النواب برفع كتاب إلى المحكمة الاتحادية لإعادة النظر بنص هذا القانون المخالف للحريات العامة مطالبًا بأمرٍ ولائيّ لنقضه إدراكًا منه ومن الكثير من الجهات التي رأت فيه خرقًا واضحًا لحريات مكوّنات غير مسلمة تشكلُ أعمدة أصيلة في تاريخ وحضارة وثقافة هذا البلد العريق الذي لا يمكن بأي شكلٍ من الأشكال أن يتحول إلى قندهار أخرى أو قم أو مشهد في الخضوع لأجندات خارجية كما يحلو للبعض توجيهَه واصطفافَه ضمن ذات الثقافات الضيقة التي يرفضها المجتمع الدولي المتمدّن بكلّ تفاصيلها. وفي اعتقاد الكثيرين، أنّ إقراره ونشره في هذا التوقيت بالذات، سيصطدم برأي المحكمة الاتحادية التي ستراعي مجمل هذه الحيثيات والأسباب الموجبة بعدم إمكانية تطبيقه لتناقضه مع المبادئ العامة التي يشيرُ إليها الدستور العراقي وتعّززها حقوق الحريات العامة وما جاء في شرعة حقوق الإنسان التي تؤمن بترك “ما للّه للّه” وتنظر إلى علاقة هذا الأخير مع البشر في ضوء الحرية الشخصية التي منّها عليه في استخدام كلّ ما على الأرض ممّا هو صالح وغير مؤذٍ وفق رؤية مطلقة بتحريم ما يتقاطع مع دينِ ومعتقدِ مَن يسعى لفرض رؤية الأغلبية على الأقلية. فهذه الرؤية وفق هذا المبدأ غير السويّ تتناقض مع مبادئ الديمقراطية التي أتت بالأحزاب الإسلامية للحكم في العراق بعد التغيير المأساوي الذي جلبه الغازي الأمريكي الغاشم.
رؤية الأغلبية
ممّا لا شكّ فيه، أنّ قانون حظر تصنيع وتسويق المشروبات الكحولية وتناولها سيّء الصيت وبالطريقة التي تمّ فرضه وبما يتناقض مع حريات الغير من باقي المكوّنات، والضغط باستعجال نشره في الوقائع العراقية بالطريقة التي تمّت خلف الكواليس المغلقة وفق مساومات تلبي مصالح المتورطين به في هذا الوضع الحرج ليصبح نافذًا من تاريخ نشره، سوف يخلق أزمات إضافية على أصعدة عديدة بزيادة البطالة وتوقف مصدر مهمّ لرزق آلاف البشر، تجارًا وعاملين وأصحاب محلاّت ورميهم إلى المجهول. فيما ستجد أسرٌ عديدة من أبناء المكوّنات التي تكسب رزقها من هذه التجارة الحرّة وحتى من أتباع الأغلبية الحاكمة، أمام ضائقة مالية جديدة وأزمة وجود تُضافُ إلى ما عانته في تاريخها من تمييز مدمّر في الوصول إلى وظائف محترمة وتقلّد مناصب في الدولة التي أصبحت حكرًا على القريبين من أحزاب السلطة وزعاماتها وميليشياتها ومختلف أدواتها التي تحميها ولا تبدي أيَّ انزعاجٍ أو خجلٍ ممّا يتعرّض لها أبناءُ هذه المكوّنات الهشّة من “الأقليات” بين فترة وأخرى لغاية رؤية تهجيرها بالكامل. وهذا ما يبدو للعيان من سلوكيات مَن أتى بهم الغازي الأمريكي للحكم باسم الديمقراطية الهزيلة التي لا تنفع هذا البلد الفوضوي بسبب ساسته الموغلين في فرض كلّ ما تسوّلُ لهم أنفسُهم بإيقاع الأذى في نفوس الشعب البائس الذي تعلّم اللهاثَ وراء الأسياد الممعنين بأذاه والضاحكين عليه بالوسائل “التديّنية” الزائفة والمذهبية الاستعراضية التي تكفلُ لهم ولمَن يقف وراءَهم ولاءَ البؤساء من صفوفه للبقاء في بؤسهم ما شاء الزمن والأسياد. بل إن الخشية قد تتجاوز المنع والحظر لتصب في صالح إنعاش تجارة المخدّرات التي تدّعي الجهات الأمنية في البلاد محاربتها وقطعت وعودًا بإنهائها في نهاية هذا العام. ونحن نشكّ في هذا، انطلاقًا من حيثيات وتجارب سابقة أتاحت الفرصة الذهبية لنشاط التجارة الأخيرة كلّما تخرج إلى السطح مسألة التصدّي لتجارة المشروبات الكحولية وتزداد الدعوات لمنعها وحظر تداولها. وقد تكون المسألة صراعًا بين كبار الساسة والزعامات التي تتنافس فيما بينها بين الترويج لتجارة المشروبات الكحولية أو للمخدرات التي يعلم الجميع مصادرَ توريدها والمتحكمين بها، لكونها تدرّ سمنًا وعسلاً لهذه الجماعات.
في اعتقادي، إنَّ مَن ينظر إلى هذا القانون من وجهة نظر تسيّد الأغلبية الدينية والمذهبية على الأقلية وفق هذه الرؤية القاصرة، فكأنّه يضفي على دينه ومذهبه سمة القدسية والتفوّق على غيره من الأديان والمعتقدات الأصيلة أصالة تاريخ البلاد. وفي هذا تجنّي كبير على المختلفين دينيًا ومكوّناتيًا عن دين الأغلبية وخرقٌ واضح للحقوق العامة التي أقرّ ويقرُّ بها حكام السلطة أمام الملأ وفي المناسبات واللقاءات والحوارات والوعود المقامة لصالح أبناء “الأقليات” المختلفين عن أتباع الأغلبية دينيًا والمتميزين عنهم بالجدارة والوفاء والولاء للوطن أكثر من الكثيرين من الذين يبغون فرضَ رؤيتهم وشرعَهم بدفعٍ من أطراف مغرضة ولاؤُها خارج الحدود تسعى لتغيير بوصلة مدنيةِ الدولة إلى أخرى دينية شبيهة بقندهار أفغانستان وقمّ إيران من أجل كمّ الأفواه وكبح الأفكار المنفتحة التي تعرف كيفية بناء الوطن وإعماره وإعادة تأهيله وفق رؤية وطنية علمانية ومدنية منفتحة على العالم.
اطراف متشددة
فيما تسعى أطرافٌ متشددة داخلية مدسوسة أخرى لزيادة أدوات الخناق على أبناء المكوّنات قليلة العدد المقصودة من وراء سنّ هذا القانون المجحف من أجل فرض الهيمنة الكاملة على مؤسسات الدولة وإبعاد الكفاءات الوطنية بشتى الوسائل، ومنها هذه الوسيلة غير النظيفة التي تنمّ عن حقد وكراهية بيّنة في السلوك والأداء من أجل الاستئثار بما بقي من مكاسب ومنافع ومنها بلوغ المناصب والوصول إلى “خُرج” وخزينة الدولة وفرض الأتاوات والكوميسيونات بعيدًا عن رقابة الأصلاء من أبناء هذه المكوّنات. وليس ببعيدٍ القصدُ بسنّ وتمرير هذا القانون في ظلّ الخشية من تصدّع ائتلاف إدارة الدولة ومثله الائتلافات الفرعية التي تشكلُه بعد تزايد النقمة على معظم الزعامات من أجل التعويض عنها بكسب تأييد البسطاء من أبناء الشعب المغلوبين على أمرهم، ممّن اعتادوا تلقي الأذى من جلاّديهم لغاية الخضوع الصاغر المهين التاّم عليهم حتى لو جرى استخدام أدوات وأنواع التعذيب والتنكيل والقتل بحقهم بمثل هذه الخطوة غير الموفقة بل المدانة. فإن كان مثلُ هذا السلوك ضمن واجب السلطة الحاكمة وأدواتها غير السوية بهدف فرض دخول “أحباب الله” لجنّة هذا الأخير، فلا خيرَ بها ولا ترحيبًا بها طالما أنها قادمة من جهاتٍ تخرق إرادة الله الخالق الذي لا يرضى لخليقته أن تُداسَ حريتُها بأقدام هذه الفئات التي تدّعي العمل بحاكميته، وهو برئ منها ومن أفعالها ومغالطاتها. وما أكثرها!
في اعتقادي ومعي الكثيرون، ستترتب تبعاتٌ سلبية كثيرة وتداعيات اقتصادية واجتماعية في حالة الإصرار بالمضي بتنفيذ هذا القانون مثير الجدل من جانب المحكمة الاتحادية، ربما بسبب تزايد ضغوط بعض الأحزاب المتشددة التي لا تفقه غير الكذب على ذقون الشعب والأتباع البسطاء بتبريرات وحجج شرعية ليس لها أية صلة أو حُكم لما “بين الله وخيارات خليقته”. بل سوف تقضم ما تبقى من آثار الاستثمار في البلاد وابتعاد المستثمرين الأجانب الذين ينظرون إلى المشروبات الكحولية بمثابة زوادة غذائية تكميلية مرافقة لحياتهم. هذا علاوة على تقليل فرص عمل المؤسسات السياحية التعبانة والمنهكة في بنيتها التحتية، ما يزيد الطين بلّة ويُفقد البلاد ومواقعَها السياحية من فرص التطور والتقدّم والانفتاح في استقبال المجاميع السياحية التي تشكل متعةُ تناول المشروبات الكحولية جزءً من راحتها النفسية والجسدية. وأنضمُّ لمن وصف هذا القرار بكونه “قرارًا أحمقَ وغيرَ مدروس أو مبرَّر إطلاقًا” من وجهات نظر عديدة منها السعي لتداوله في الخفاء عبر أدوات التهريب التي سوف تنشط، كما حصل في تجارب أخرى، فضلاً عن الآثار الاجتماعية التي ستصاحب استبدالها بسموم المخدرات المنتشرة على نطاق واسع باعتراف الجهات الأمنية نفسها. إضافة إلى استشراء الفساد لاحقًا في أوساط الجهات الأمنية والحدودية وتورطها مع أدوات التهريب بشتى الوسائل. فالعراقيون أشهر من نارٍ على علم في استنباط الوسائل والطرق التي تضمن الحصول على الممنوعات من منطلق “كلّ ممنوع مرغوب”! قلناها سابقًا ونعيدُها: “لا لسموم المخدرات، نعم لتقنين المشروبات ومواقع تداولها وتعاطيها وتناولها والمتاجرة بها والترويج لها بأسلوبٍ حضاري متمدّن كباقي الدول والشعوب التي تحرص على تنمية بلدانها بانفتاحها على العالم بأحدث الوسائل، وتنشر الوعي وثقافة احترام الآخر، وتكافح من أجل استئصال أسباب الانحراف وسط الشباب وخلق موجبات التفاهم بين عامة الشعب.
يقيني أن معظم التداعيات في الوطن ناجمة عن قسوة البطالة والفراغ القاتل وغياب الاستراتيجيات والتخطيط واستمرار فساد الساسة وضعف الحكومات المتعاقبة وهزالة الخدمات بسبب المنظومة السياسية المتكئة على عصا الطائفية والتحاصص وشراء الذمم والتساهل في تنفيذ القانون ومحاباة القضاء لرؤوس الفساد وأدواتهم والجماعات المسلحة خارج القانون.
وطالما أنّ “الدستور يضمن الحقوق والحريات لكافة الاديان والمكونات، فلا يجوز تشريع قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الواردة فيه”، ومنه هذا القانون مثير للجدل. كما أنّ الأديان غير المسلمة لا تحرم المشروبات الكحولية قطّ!
























