الجزائر تواجه محاولات جرها إلى الحرب في مالي

الجزائر تواجه محاولات جرها إلى الحرب في مالي
بلمختار يجمع المال من تهريب السجائر والسلاح وحماية المخدرات إلى إفريقيا والخليج
الجزائر ــ الزمان
باختيارها اللجوء إلى العمل العسكري لإنهاء عملية تحرير الرهائن بمصفاة النفط بمدينة عين امناس، من قبضة خاطفيهم، تكون الجزائر قد طوت فصلاً أول من فصول محاولة جرها الى مستنقع الحرب في مالي، حرب تتخذ عنوان اعادة الشرعية لحكومة باماكو في السيادة على اقليم الشمال الواقع تحت سيطرة المجموعات المسلحة وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي منذ شهر أبريل 2012. ومنذ البداية فهمت السلطات الجزائرية أنها لن تكون بمنأى عن تهديدات هذه الجماعات والمصالح الاجنبية التي تحركها. وما يؤكد هذا الرأي تصريحات وزير الاعلام الجزائري محمد السعيد الذي اكد قبل يومين أن بلاده لن تركع أمام اي تهديد إرهابي ولن تتسامح مع أي مساس باستقرارها ومقدراتها الاقتصادية. وأوضح الوزير الجزائري بأن الهجوم على منشأة تيقنتورين النفطية، الأربعاء الماضي، كان الهدف منه ضرب استقرار الجزائر وجرها إلى الانخراط في الحرب في مالي ضد الجماعات الارهابية وعصابات تهريب المخدرات والسلاح والسجائر وأخيرا توجيه ضربة مباشرة إلى الجزائريين من خلال المحروقات حيث تعتمد الجزائر في تمويل اقتصادها بنسبة لا تقل عن 98 بالمائة على عائدات تصدير البترول والغاز الطبيعي. ويبدو أن الهدف الرابع غير المعلن من الهجوم الإرهابي على منشأة عين امناس تديرها شركات متعددة الجنسية هو تحقيق زخم اعلامي عالمي يسوق صورة من يمكن أن يكون في المستقبل زعيما جديدا للجهاديين في العالم العربي والاسلامي، وليؤكد للعالم أجمع الذي يتناقل صورته وخطابه اليوم على نطاق واسع، أن الجزائري مختار بلمختار، 41 عاما، الملقب الأعور خالد ابو العباس، هو من سيحكم في خيوط خلايا الإرهاب في الساحل أي من الصومال شرقا إلى موريتانيا غربا. من ناحية ثانية، يجمع المراقبون هنا على أن هجوم كتيبة الملثمين عبر ذراعها كتيبة الموقعون بالدماء المستحدثة حديثا، والتي توالي تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي، على عين امناس يؤشر على ثغرة أمنية سهلت على الارهابيين استثمارها لصالحهم وإحراج السلطات الجزائرية التي حذرت مرارا وعلى لسان رئيس الوزراء عبد المالك سلال خلال اجتماع ثلاثي، جزائري ليبي تونسي، السبت الماضي بمدينة غدامس الليبية من أنها سترد بصرامة على اي محاولة للمساس بأمن الجزائر وحدودها، التي أغلقت الجزء الفاصل مع مالي الاثنين الماضي أي قبل يومين من وقوع الهجوم على المصفاة.
وفي هذا السياق، يعتقد الخبير في الجماعات المسلحة طارق حفيظ أن وضع الجزائر الراهن معقد لسبيين اساسيين أولهما يخص الجانب الامني الذي يتطلب مستقبلا مراجعة سريعة ومعمقة لتفادي تكرار ما حدث في عين امناس، في أماكن أخرى، واما السبب الثاني، فيتصل مباشرة بالجانب الاقتصادي، حيث ستكون للهجوم تداعيات سلبية على الصناعة النفطية الجزائرية، على الأقل لمدة لا تقل عن سنة، على اعتبار أن عدة شركات أجنبية تتواجد في الجنوب الجزائري وتقوم بأشغال تنقيب واستكشاف النفط وأخرى تستغل مناجم الذهب وتعتمد في عملها على التحرك والتنقل الدائم من منطقة لأخرى، ما يعرضها على الدوام لخطر الوقوع في قبضة المسلحين. ويفسر نفس الخبير سهولة وصول المسلحين إلى المصفاة واحتجاز عمالها، إلى غياب مفهوم الحدود الطبيعية أو الجغرافية لدى سكان الساحل والصحراء فأغلبية القبائل والتجمعات السكانية يعتبرون أنفسهم أفرادا في عائلة كبيرة واحدة أو شعب واحد تجمعهم العادات واللهجة. ولا يستبعد طارق حفيظ وجود تواطؤ من بعض السكان بمنطقة عين أمناس المتعاطفين مع حركة ابناء الجنوب التي يتزعمها الطاهر بن شنب الذي قتل في عملية تحرير الرهائن من طرف الجيش الجزائري، بتزويد المهاجمين بمواعيد خروج ودخول عمال المصفاة ومستوى الحراسة والأمن بها. وبن شنب هو أحد أصدقاء مختار بلمختار، وحركته تطالب منذ سنوات السلطات الجزائرية بمراجعة سياسة التشغيل في الحقول النفطية بالسماح لتمكين الجنوب من حصة محددة من فرص الشغل، في إطار التوزيع العادل للثروة بين الشمال والجنوب. وسبق لهذه الحركة وأن هاجمت مطار مدينة جانت القريب من عين امناس قبل سنوات، وأعطبت مروحية، ثم هربت إلى الاراضي الليبية قبل ان يعتقل بعد أتباعها في المنطقة وتقديمهم الى القضاء. ويلقي المطلب الاقتصادي بالنسبة للمجموعات المسلحة بظلالها على نشاط عناصرها في الساحل على مدى العشرين عاما الماضية. فمختار بلمختار الذي سافر الى افغانستان مطلع التسعينات الماضية، وعاد منها مصابا في عينه اليسرى بعد انفجار لغم كان يتدرب على زرعه لم يكن ليصل الى هدفه لولا وجود عوامل مساعدة. وأول هذه العوامل هو المالي الذي يجمعه من نشاط تهريب السجائر والسلاح وايضا الحماية التي يوفرها لعصابات المخدرات القادمة من امريكا الجنوبية وشمال افريقيا والمتجهة الى منطقتي الشرق الاوسط والخليج العربي مرورا بالساحل. لقد حاولت السلطات الجزائرية خلال السنوات العشر الماضية اقناع بلمختار بتطليق السلاح عدة مرات وقامت في احداها بتمكينه من مقابلة والديه، وبالفعل اعلن في 2005 استعداده للتخلي عن السلاح وتسليم نفسه للسلطات شرط أن يشمله العفو العام هو ورفقائه، شرط رأت فيه السلطات تجاوزا لحدود اللباقة على اعتبار ان يدها الممدودة بالمصالحة لا تعني الرضوخ لشروط تعجيزية وغير واقعية. وردا على ذلك أعيدت محاكمة بلمختار وحكم عليه بالاعدام غيابيا في 2009، ويصبح العدو رقم واحد لاجهزة الأمن الجزائرية في الصحراء والساحل. ولانه كان يرى في نفسه بانه الاجدر بزعامة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي، بفضل ما يوفره من اموال وسلاح لعناصر التنظيم في شمال الجزائر، فقد نشب بينه وبين زعيم التنظيم عبد المالك دروكدال قبل سنتين خلافا انتهى باعلان انشقاقه عنه وتنصيب نفسه أميرا على كتيبة الملثمين وقطع كل صلة مع قائد إمارة الصحراء حميد أبوزيد المعين من طرف دروكدال بدل بلمختار، بل بدأت بينهما حرب نفوذ على مسالك التهريب في الساحل.
AZP02