الثيمة العامة وملاءمتها للحدث الشعري – مصعب الخزاعي

قراءة نقدية لقصيدة القاصد المشاركة بمسابقة المكتبة الأدبية

الثيمة العامة وملاءمتها للحدث الشعري – مصعب الخزاعي

الشاعر يركز على جزئية واحدة تتعلق بتاريخ المعركة مع داعش، ويترك سائر التطورات التي حفت بالمعركة بعد ذلك، وهي امور مهمة، وربما كانت تلك المراحل هي المراحل الاهم في تاريخ المعركة، فلو ان قارئا عربيا مثلا يريد ان يقرا ادب المعركة ضد داعش الان وجهاد العراقيين ضدهم فانهم لا يمكن ان يحصل على صورة واضحة لهذا الجهاد ولا يمكنه كذلك ان يعرف عن اصل اسباب النزاع شيئا، كما لا يمكنه ان يعرف شيئا عن الانتصارات التي حققها الجيش والحشد على داعش، كما لا يوجد في القصيدة أي شعور بالنصر، حتى يتصور القارئ ان هذا الشاعر يتحدث عن شعب يقتل فقط، ولا يقتل قاتله ابدا، أي انه يصور المعركة – هذا اذا كان قد صورها اساسا- تصوريا سلبيا ليس في صالح المعركة ومجرياتها، وهذا لعمري فشل ذريع تمنى به القصيدة كان على الشاعر ان يتجنبه وان ينتبه اليه بصورة جيدة، اذ هي من اولى مهام الشاعر وهو ينظر في البنية التصويرية والفنية العامة للقصيدة.

السبك العام للقصيدة ركيك، مع ان الشاعر اختار لقصيدته وزنا منسابا رائعا ويتيح للشاعر ان يضفي على نصه الشعري الكثير من العناصر اللغوية التي ترتفع بمستوى جزالة وسبك القصيدة، الا ان قصيدة القاصد ضعيفة السبك حتى انك احيانا يمكن ان تشعر بوجود خلل عروضي في البيت بسبب هذا الضعف في جزالة البيت، وتبعثر بنيته اللغوية، وربما كان هذا جيدا ومحببا في غير قصيدة الحرب، لكن في قصيدة الحرب لا يمكن ان ينظر الى ذلك الا بالكثير من الاستهجان، بحيث يعد علامة بارزة على هشاشة البنية اللغوية للنص بشكل عام وعدم مناسبته لان يكون نصا ناجحا للحديث عن المعركة وتصوير ملاحمها، وبطولات فرسانها، ايقاع قصيدة الحرب هادر كايقاع ازيز الرصاص فيها دون أدنى شك.

انا قرات هذه القصيدة على مجموعة من اساتذة الادب ممن يهتم بتحليل النص الشعري الحديث مثلي، لاختبر ردود افعالهم عن القصيدة، فكان اكثرهم اشار الى انها قصيدة تتحدث عن جريمة سبياكر، ولم يتطرق الى انها تتحدث عن الحشد والجيش، او عن المعركة بشكل عام، مع ان القصيدة تحتوي على بعض الابيات التي تشير الى واقع الحرب، وبطولات فرسانها الان، الا انها تأتي بصفتها هامشا لا يرتقي الى مستوى الوجود في المتن بالنسبة الى الفضاء الشعري العام للقصيدة، وهذا يؤكد في رأيي وجود هذا الخلل في القصيدة التي كان من المفترض انها كتبت لتشيد ببطولات الحشد، وتتحدث عن المعركة، لا عن شهداء سبايكر على وجه الخصوص. وهذا يؤثر على بنية الثيمة وتواؤمها مع مناسبة المسابقة.

القصيدة لا تثير اسئلة في ذهن المتلقي، ولا تدهش من خلال اثارة هذه الاسئلة او من خلال اثارة عمليات سجالية على اساس جمالي لائق بالشعر طبعا عند المتلقي، هي تحاول ان تصف بصور شعرية متكلفة واقعا موجودا، وهي الجريمة التي تعرض لها شهداء سبايكر، ثم ماذا؟ لا نعلم شيئا، هناك شباب تعرضوا لهذه المجزرة، لكن ماذا بعد؟ كأنها جريمة عادية حتى لو كانت كبيرة يمكن معالجتها بالسبل القانونية وينتهي الامر، الشاعر لا يضع يده على لب المشكلة، لا يفعل ذلك الا باشارات بسيطة ومبهمة، واذا كان الامر كذلك، فإنها ان نجحت في اثارة مشاعر المتلقي العراقي من طائفة معينة، فانها ستفشل في ان تفعل ذلك في نفس قارئ اخر لا يعلم الا القليل عن لب هذه المشكلة في العراق، وهي وجود اناس توحشوا تحت مسمى داعش هجموا على العراق واحتلوا مناطق شاسعة منه بدوافع طائفية، لا يتبناها الشعب العراقي اطلاقا. ثم ان القاصد لا يعالج موضوعا مهما، وهو الموضوع الخاص بتلاحم الشعب العراقي في مواجهة هذا العدو الطائفي البغيض، مع الحرص على توضيح ان داعش تتذرع بالسنة العراقيين، وان هؤلاء السنة العراقيين في الأعم الاغلب منها براء بل هم اول من عانوا منها وهجروا ونزحوا من ديارهم بسببها.

تشعر دائما ان الصور الشعرية متكلفة، اجهد الشاعر نفسه كثيرا في سبيل صياغتها، ويتضح ذلك من خلال التفكيك احيانا وعدم الربط بين صورة شعرية واخرى، وتلك علامة تكاد تكون واضحة على مدى الجهد الذي تكلفه الشاعر في سبيل صياغة هذه الصور الشعرية المفككة وغير المترابطة الا في النادر.

نماذج للتحليل الصوري للأبيات:

نبدأ بتحليل الصورة المطلع والذي يقول:

لم يشبهوا الطينَ ، لا مُسّوا ولا سُحقوا

ما عادَ طيناً حقيراً منذ أن خلقوا

هنا نترك قضية تحقير الطين الذي هو أساس خلق الانبياء وكل الاولياء ونقول تنزلاً بحقارته، لكن اذا كانوا لا يشبهون الطين فلماذا لم يعد الطين حقيراً ، فالمفترض أنهم ليسوا بطين يسحق أو يداف! كان الأجدر ان يقال: ما كان طينا حقيرا منذ ان خلقوا، وهذا لا يخفى على شاعر أتقن أساليبَ لغته.

البيت الاخر:

مسبكـــــرون على راياتهم شــــــنــــــقوا

وهنا توهين للمقاتل المضحي لأنه أخذت رايته منه وشنقَ فوقها. فأي توهين أشد من هذا؟؟ فلو عبر الشاعر عن بطولتهم بأنهم بأيديهم راياتهم وهم شنقوا لكان اجدر ببطولتهم أي قتلوا ولم يسقطوا راياتهم كما هم أجدادهم الأوائل. فانظر الفرق بين من يقتل معلقاً على رايته واخر يسقط ورايته محضونة بين أضلعه!!!

والبيت الاخر:

وهم أويـلادُ موّالٍ وأغنيةٍ

ونصفِ قصةِ حبٍ .. قيل قد عشقوا!!

هنا نسأل ما الجدوى من تصغير الشهيد الشاب البطل الى أويلد؟ اذا كان مدحا فلا مقام له، والا يكون تضعيفا وتوهينا لشموخهم: فهم أويلاد طائشون لا يعلمونَ شيئاً؟ وماذا قيل انهم عشاق؟ فلو كانوا عشاقا لكان أجمل فهم حقا عشاق لأرضهم ووطنهم وحبيباتهم. ما الضير بذلك؟ كل هذا لا يلائم التفخيم والتعظيم في قصائد الحرب والحماسة.

مؤنفلون على ألوانهم صُلبوا

اذا كان التعبير عن سبايكر فمعروف الجهة الجغرافية التي جاءوا منها. ولو كانت القصيدة عامة وهي ليست كذلك طبعاً، فما علاقة صورة الأنفال بها؟ ولو تنزلنا وقلنا توجد علاقة فهم من وطن واحد وان كان مشاركة أخوتنا الأكراد بعد سبايكر، فهنا ما علاقة الالوان بالصلب؟ وهم لم يصلبوا اصلاً ممكن نقول خنقوا لأن السلاح كان كيميائيا في الأنفال!

وان كان مجازاً، فما تسويغ المجاز والصورة الأصلية مؤثرة ومرعبة، أي صورة الخنق.

المستوى التداولي للنص:

يعد من أهم مستويات التواصل هو التداولية ، وعليه يعتكز ملخص المعنى التفهيمي للنص. وما لاحظناه في القصيدة هو غياب ملائمة الغرض او الفعل الكلامي العام speech act Global عن النص، فهنا الغرض التداولي اقرب للانكسار والألم وعدم التعظيم والشويق لأدوات الحرب والنصر بل كان التركيز على الضحايا والالام التي جاءت نتيجة للمذبحة، فمثلا في قصيدة نامي جياع الشعب للجواهري، الغرض التفهيمي او الفعل الكلامي العام هو التقريع والتحشيد الاستبطاني للشعب الذي نام رغم جراحاته وبنيت حبكة القصيدة التداولية على هذا الغرض الرئيس، اما هنا فنجد قصيدة القاصد مشوشة الغرض التداولي او توهينية المعنى : أي أن الغرض بقصيدة الحرب اما التحشيد او التفخيم او التحفيز او أي غرض اخر كان غائبا بالقصيدة مع الأسف. وتناقلات الفعل الكلامي غير مترابطة ايضا سيميائيا تداوليا، فالانتقال من التقرير للوصف للمديح للعزاء كان شائكا ومرتبكا، لا يصب بمصلحة غرض موحد.

المستوى الصوتي الأيقاعي:

وهنا كان صوت الحرب وأيقاعها المبهرج الصاهل غائبا جدا، فعدم استعمال الاصوات والحروف الزائرة والمرصعة للحماس كان بدياً، وايقاع القصيدة و مزاجها العام كان أقرب للغزل وليس للحماس الحربي. وتقطع التعابير لا يظهر القوة الهجومية والأستمرارية لشحنة المعركة، فالحرب مستعرة مستمرة متوهجة، لكن الأبيات كانت هادئة ناعمة انكسارية تركز على قضية تأريخية بكنايات الطين والهور والتأريخ فقط، كأنها قصيدة لوصف وطن وليس مقاتل مقدام!!!

هذا مختصر نقد القصيدة وما سنح به الوقت ،مع اجمل التحايا.

القصيدة

هم فكرة الله

حسين القاصد

لم يشبهوا الطينَ ، لا مُسّوا ولا سُحقوا

ماعاد طيناً حقيراً منذ أن خُلقوا

كانوا سنابل آياتٍ يفهرسها

ناي المشاحيف حيث الهور والعلقُ

كانوا لدى الله أقلاماً ومحبرةً

واستأذنوا الله يوم الخلق وافترقوا

هم فكرةُ الله ، حين الله دوّنَها

صار الفرات ، وصار الطين ، والورقُ

فترجموها عراقاً لا شبيه له

لكنهم أفرطوا بالنار فاحترقوا !!

ولاذت النار دهرا خلف سمرتهم

تنفســـــوها كثيــــــــــــراً كلما اختنـــقوا

وهكذا .. دارت الدنيا على فمهم

وكلما قيل حان الصمت .. هم نطقوا !!

مؤنفلون على ألوانهم صُلبوا

مسبكـــــرون على راياتهم شــــــنــــــقوا

مطَفَفون فما في عيشهم رمقٌ

من الفرات ولا في قلـــــبـــــهم قلــــق!!

وهم أويـلادُ موّالٍ وأغنيةٍ

ونصفِ قصةِ حبٍ .. قيل قد عشقوا !!

وقيل لم يلحقوا !! كانوا اقتراح ندىً

وقيل همّوا بباب الصبح فانغلقوا !!

اليوسفيون لا يعقوب يبصرهم

وريحهم دجلةٌ إذ طعمهم غرقُ

قمصانهم فوق جلد النهر يابسةٌ

تغفو اليعاقيب والقمصان تأتلقُ

لا النهرُ بئرٌ ولا سيارةٌ وصلت

وكل تجارهم _ من ذبحهم_ رُزقوا

لكنه ، حين غصّ النهر ، فزّ صدىً

وقيل لُمّوا شتات الماء وانبثقوا

(تزورقت) في عباب الماء أوجههم

وحشّدوا صوتهم للجرف وانطلقوا

وبعدُ : … لاح أسىً في زي فاتنةٍ

تمارس الليل ؛ بعض الشمس مخترقُ!!

سهوُ الهويةِ ،

عار الأصل ، قاقلةٌ من الأراجيز ..

ربٌ ..

رايةٌ .. خِرَقُ!!

وهم ثمار حراك الليل ،

دينهمُ عبد الخطايا ..

فكيف الدين ينعتقُ

لكنّ دين العراقيين أنهمو

بغيرهم كل نخل الله لا يثق

وهم شجون (علي العالمين) اذا

تشقشق البوح حتى الصمت ينفلق

ويح السياسة كم جاءت بأسفلهم

شأناً وكم آمنت في بعض من مرقوا

مذ قيل : (شيلة) أمٍ هاهنا سقطت

قيل الغروب .. فقلت : الشيبةُ الشفقُ

جيشٌ من الآه ، والحرمان ، هيبتهُ

وصفٌ عظيمٌ : رجالٌ وحدهم صدقوا

جيش الكرامات ، حشدُ النخل ، عزمهما

نبضٌ من الضوء ، من ذا نبضــــه ألقُ؟