الثرى والثريا – فائز جواد

الثرى والثريا – فائز جواد

يقينا ان الاوضاع العامة للمواطن العراقي التي فرضت عليه قسرا بعد العام 2003 ومارافقها من متناقضات الحياة بكل تفاصيلها يتصدرها المشهد السياسي وقيادة العراق بعد سقوط النظام السابق من قبل احزاب وكتل ومنظمات واشخاص يختلفون بسياستهم وتوجهاتهم المذهبية والدينية والطائفية والعرقية والمناطقية أدخلت دخل العراق في صراعات مهدت لاعداء الانسانية والجمال اختراقنا لتعطيل وقت كل ما ينشد للحياة المدنية وحدث ماحدث خلال الاعوام المنصرمة حصد خلالها المواطن العراقي الويلات والهموم والدمار بكل تفاصيله ومازالت ، فراح المواطن وخاصة من كبار السن والذين عاصروا مراحل متعددة من حكم العراق يبحثون عن الامثلة والحكم  التي تتناسب مع وضعنا اليوم بل ويقارن الغالبية من الناس مابين الحكومات البائدة والحالية  ، فتصدرت عبارة شتّان ما بين الثرى والثريا التي بدا الناس يتداولها في مجالسهم اليومية ، وتوضيحاً لجملة الثرى والثريا  فهي  عمليّة مقارنة بين أمرين أو شخصين لا تربط بينهما أية صفة مشتركة، وتأتي تلك العبارة لتؤكد بعد المسافة في عمل مقارنة لاستحالته، كبعد نجوم السماء والتي يقال لها مجازاً في تلك المقارنة الثريّا في الإشارة إلى العلو أو السمو أو العظمة. أما الثرى فهو تراب الأرض في الإشارة إلى الدونيّة كنوعٍ من التحقير والاستخفاف في الأمر، ومن هنا يأتي معنى الفرق بين الثرى والثريّا التي كثيرا ما يتداولها الناس في العديد من المقارنات التي تشير إلى العلو والدونيّة، وبعد الأشياء عن بعضها البعض. وقبل الولوج بما يعانيه المواطن العراقي اليوم من سوء خدمات وحالات فساد وانفلات امني غير مسبوق وتذمر يومي في مفاصل الحياة اليومية للمواطنين قرأ ت ومايخص الثرى والثريا  هذه الحكاية والحادثة الحقيقية عن رئيس الوزراء نوري سعيد وتعود احداثها الى خمسينات القرن المنصرم وعندما كان هنالك اخلاق عن الحكومة العراقية تقول الحكاية التي يرويها المرحوم نافع غانم السبع وهو أحد الذين عاصروا رئيس الوزراء نوري سعيد ، فيقول (لقد تخرجت من كلية الحقوق سنة 1953 , وتقدمت للتعيين في مجلس الوزراء, فتعينت بمرتبة سكرتير تحت التجربة، بعدها بسنتين تم تثبيتي على الملاك وكنا نداوم في مجلس الوزراء الواقع قرب القشلة.

 كنا نأتي الى الدوام الساعة السابعة والنصف قبل مجيء رئيس الوزراء بنصف ساعة مهما يكون وذلك للتحضير . في منتصف الخمسينيات كان رئيس الوزراء هو نوري باشا السعيد وكنا جميعا من الأحزاب التي تضمر العداء له (عجيب أمور غريب قضية) وفي صباح أحد الأيام من سنة 1956 وفي فصل الخريف أيضا وكانت الاجواء فيه باردة وصلنا الى مقر عملنا مجلس الوزراء ، رأينا رجلا يلتحف بعباءة عربية ويشماغ نائما في الحديقة الصغيرة لباب المجلس , فسألناه، خير حجي ؟ فقال (معليكم دا أنتظر أبو صباح، عوفوني بدردي) دخلنا الى غرفنا , وعند وصول الباشا بالثامنة كالعادة نزلنا لمساعدته في أخذ البريد الذي كان يأخذه الى البيت لدراسته وتوقيعه .دخل الباشا ورأى الرجل وقال له (لك أبو فلان أشجابك بهل البرد ؟) فأجابه الرجل (شوف أبو صباح ! آني من البارحة منايم ! إبني تعارك وسب الحكومة ووقفوه بالمركز اللي بالقشلة ! بلكت تخابر القاضي يطلعه !) فقال له الباشا (لك إنت مخبل ! هو آني، لو أبوية ، لو حتى جلالة الملك يگدر يحجي ويه قاضي . تعال فوت خلي أنطيك عشرة دنانير توكل بيها محامي بلكي يطلعه بكفالة) وصاح الباشا على المحاسب وقال له ( إبني گص عشر دنانير من راتبي هل الشهر وإنطيها لأبو فلان , خلي يوكل محامي لأبنه الزعطوط ويسويله چارة) نعم حكاية تبين ماحجم نزاهة الحكومة التي لايتمكن رئيس مجلسها الوزاري وهو سلطة عليا ويمتلك من الصلاحيات التي يملكها اي موظف ووزير في الحكومة لايتمكن ان يصرف دينارا بغير مكانه ليس باعتقادي خوفا من احد بل خوفا من الضمير الذي كان رقيبنا في اي تصرف يقوم به الموظف الحكومي ورئيس الوزراء ووزراؤه بل الرقيب كان بين المواطنين في كل شاردة وواردة بالتالي ترى واطلق على ذلك الزمان اي في خمسينيات القرن الماضي الى منتصف السبعينات وبالرغم من الصراعات السياسية والانقلابات العسكرية والتغيير في المناصب والكراسي كانوا ومازال (اهل كبل) اهلنا يطلقون عليه الزمن الجميل والنظيف وزمن الخير.

نعم حكاية الباشا مع المواطن كانت من بين حكايات وحكايات تؤكد على النزاهة والاخلاص والحب مابين افراد المجتمع العراقي والتي يتمتع بها بدا من المسؤولين الكبار مرورا الى موظفي الدولة انتهاء بالمواطن الأمي الذي لايقرا ويكتب ، وكانت الفطرة والطيبة والاخلاق والشهامة هي المميزات التي كانت سائدة ، وسبحان مغير احوال من حال الى حال ومايجري اليوم وقبله بسنوات من دمار للعقول البشرية والخراب والدمار الذي عصف بالعراق واهله ، فساد وخيانة ونصب وظلم وجهل ووو غيرها من التي تقودنا اليوم الى نفق مظلم اذا مااستمرت حكومتنا الحالية والقادمة على ذات المنهج القديم الذي يقودنا الى التهلكة ، الفساد والعنف والسكوت على ملفات فيها ظلم وخيانة عظمى والتمسك بالمحاصصة والمحسوبية والمنسوبية والعمل عل اوتار الطائفية المقيته ونسيان نكران الذات من اجل العراق ومواطنيه الذين حول لهم ولاقوة.

نعم وبدون ادنى شك ان المواطن يعيش اليوم في اسوأ حالته يتطلع ويصبر نفسه لما يجري تحت قبة البرلمان التي ضجت ببكاء ونحيب اعضاء مجلس النواب ممثلي الشعب ، نعم حالات انسانية ربما تفجرت وبكاء نائب وصراخه متظلما ومناشدا المنظمات الانسانية والامنية لانقاذ الطائفة الفلانية من لم داعش انما يثير الرعب والقلق بنفوسنا جميعا نتيقن ان الخطر الاكبر قادم عندما لايستطيع نائب او حكومة فعل شيء فكيف بالمواطن الذي اعطى الثقة وصوته الى نواب الشعب. نعم حان الوقت يانوابنا وحكومتنا لتقول كلمتكم وإلا لامكان لكم على الكراسي التي تتعاركون عليها لكسب مناصب ربما لايستحقها الكثيرون منكم خاصة ان الانتخابات على الابواب والمواطن الذي صار يعي ويدرك ان الفرق بين الثرى والثريا لن يغفر لكم وتستغفلو ا ابدا طيبة المواطن ولاتصادروا اصواته وحقه في الاختيار واعذر من انذر..