التوظيف الأيديولوجي للدين

التوظيف الأيديولوجي للدين
وليد خالد أحمد
ما من شك، والذي لايختلف عليه أحد، أن هناك أموراً استحدثت لم تكن موجودة من قبل جعلت الإنسان اليوم يختلف عن الإنسان في الأمس الذي خاطبه أنبياء الله من عشرات القرون. فإنسان القرن الأول غير إنسان القرن الواحد والعشرين بسبب الكثير من العوامل جعلته كذلك. ولكن مبدأ الشرائع السماوية وخاصة الشريعة الإسلامية لايتغير مع إنسان أي قرن، لأن أحكام وقواعد الدين الإسلامي تلائم الإنسان في أية مرحلة بل هي صالحة لكل زمان وفي أي عصر. فلو تمسك هذا الإنسان بدينه سيجد أن دينه حضاري متجدد. ولو تبين أي خلل فليس ذلك سببه الدين وإنما يرجع إلي خلل في ذات الإنسان نفسه. هذا جانب، جاب آخر ليس من المعقول مثلاً أن يبقي أي واحد منا بعيداً عن أحد مجريات الحياة الخطيرة ألا وهو التمذهب/التطرف الديني بحجج واهية تعكس لاأباليتنا أو عدم اهتمامنا علي أساس أنها أمور نستبعد حدوثها لأنها خارج حدود عقلنا الديني الإيماني الجمعي، ونحن »ربما« نطفوا فوقها وقد تنفجر من تحتنا في أية لحظة وبعدها نصبح نحن والوطن في خبر كان لاسمح الله.
إن علي رجال الدين والفكر والصحافة أن يدركوا أنهم لو وقفوا جميعاً ضد هذا التمذهب/التطرف فسيكون لهذه الوقفة أثرها في إنقاذنا وإنقاذ مستقبل الأجيال القادمة. فالتمذهب/التطرف يمكن أن يطول أفراداً هنا وهناك معدودين، ولكن لايمكن لرصاصاته أو عبواته أن تطول الجميع خاصة عندما يقفون في وجهه وقفة جادة وجماعية. من هذا المنطلق أتناول مسألة التمذهب/التطرف الديني في جانب منه ما يتعلق بالأمور المذهبية الاعتقادية الدينية/السياسية، الذي بدأت تواجهنا اليوم ونحن في هذا الظرف القاهر والشائك والمعقد. والأمور المذهبية الدينية هذه تجعلنا ننظر للناس بشكل عام فرقاء متباينون بالنسبة لمذاهبهم ودينهم وحتي بالنسبة لمعتقدهم السياسي.
فكما هو معروف للبعيدين عن التزمت والتعصب من أن التطرف والغلو والمبالغة في تسفيه الرأي الآخر في أي مجتمع هي مظاهر عجز يلجأ لها المتطرفون والمغالون لتحاشي كشف هذا العجز لديهم، العجز عن الإقناع، والعجز عن الإتيان بالحجة القوية. فمن كانت حجته قوية ويستند علي الحق وينطلق من الحقائق الراسخة لايحتاج إلي أساليب مرفوضة لإثبات عدالة قضيته. والجماعات المتطرفة والمغالية في التحدي لكل من يختلف معها في الرأي تسيء إلي قضاياها لأنها بمواقفها هذه تثبت أنها أي قضاياها ليست من القوة بحيث يمكن التسليم بصحتها أو الاقتناع بأهدافها، وهي أينما وجدت في العالم لاتملك من القناعات ومنها القناعات الذاتية ربما ما يجعلها تلجأ إلي الحوار الهادئ الرزين وهو الأجدي في موجهة الرأي الآخر مهما بعدت شقة الخلاف ومهما تناقضت وجهات النظر.
ومع أن الحضارة استطاعت عبر سلسلة من التجارب الإنسانية أن تهذب الإنسان وأن تعرفه علي أساليب أرقي للحوار، لكن بعض المجتمعات لازالت تفرز بعض الطفيليات التي تتكاثر في الأجواء الموبؤة بهواء فاسد وغذاء مسموم. فإذا تنافست رؤوسها الشيطانية لم تجد أسلوباً أجدي من التطرف والغلو والتمذهب لإثبات وجودها في مجتمع متحضر يرفض كل ما يتنافي مع حرية الإنسان وكرامته ومعتقده الديني الصحيح.
وخطورة مثل هذا التمذهب/التطرف، أنه يتحول إلي أداة تخريب عند سنوح أول فرصة. فكل الحركات التخريبية في التاريخ بدأت بالتمذهب/التطرف الذي يرفض الحوار مع الرأي الآخر وتكون النتيجة أن يدفع المجتمع ثمناً باهضاً لما ينجم عن أي حركات تخريبية مغالية، مما يستوجب من السلطة في أي مجتمع اجتثاث هذه النتؤات المتطفلة التي تظهر علي سطح المجتمع. وما دامت هذه الجماعات/التيارات قد اختارت جانب التمذهب المتطرف والتزمت، فالحل الأمثل هو تقويم دورها والتعامل معها بنفس الأسلوب وبلا رحمة، لأن تجاهلها سيتيح لها فرصة النمو وهو نمو يشبه السرطان في جسم المجتمع.
إن ظهور مثل هذه الظواهر الشاذة في أي مجتمع لايعني فقط فقدان الرقابة الصارمة ولكنه يعني أيضاً نجاح المخططات التي ترسمها الدوائر المشبوهة في الخارج لزرع نوازع الشر وزعزعة أيمان الشعوب بدينها ووطنيتها. إن هذه الظواهر الشاذة مؤشر خطير علي وجود خلل ما في البنية الاجتماعية نتجت عن ضعف الأيمان وفقدان الثقة بالنفس، وهما عاملان استطاعت الدوائر المشبوهة زرعها في بعض المجتمعات النامية/المتخلفة بهدف تحطيم كيان هذه المجتمعات ليسهل فرض السيطرة عليها واستغلالها بشكل دائم. إنها خطيئة لاتعني سوي الدمار للمجتمع، إنها قضية وطن يكون أو لايكون.
يشكل التيار الديني المتمذهب »المتطرف أحياناً«، في أي بلد، قلقاً مشتركاً لمختلف الحكومات التي تتعاقب علي حكمه. وتتفرع عن هذا القلق سلسلة من الإجراءات التعسفية والقمعية يلمس المرء آثارها الجمة علي مضامين الفكر الحركي الذي تبناه هذا التيار. ومن المهم بالنسبة إلي أي باحث أو راصد لفكر التيار الديني المتمذهب أن يضع جدلية العلاقة مع السلطة دائماً في بؤرة الاعتبار لفهم الجذور الاجتماعية واليومية للاجتهادات الانفعالية التي بلورتها حالة الاستضعاف والاضطهاد التي عاشها التيار الديني المتمذهب وبخاصة في مراحل التكوين.
لقد مثل التيار الديني المتمذهب واحداً من أهم ظواهر الحياة السياسية في عالمنا اليوم، وأدي هذا التيار دوراً مؤثراً في واقع هذه الحياة مستخدماً أساليب الممارسة السياسية كافة بما فيها العنف السياسي بصوره وأشكاله المتعددة، غير أن السمة الغالبة علي نشاط هذا التيار هو لجؤه إلي استخدام العنف »أحياناً«، الأمر الذي يثير التساؤل حول العوامل التي دفعته إلي تفضيل استخدام العنف كأداة من أدوات الممارسة السياسية.
إن تنامي جماعات التيار الديني المتمذهب في أغلب أقطارنا العربية إنما يدل علي أهداف سياسية أكثر منها دينية حقيقية، فإن مواجهة الدولة المركزية لها لم تكن انطلاقاً من أرضية سياسية بل من أرضية دينية، أي أن الدولة اختارت تجاهل المضمون السياسي الخفي لتلك التيارات والجماعات وقررت أن تتعامل معها بمنطقها ووفقاً لقواعد لعبتها، أي المنطق الديني، وكان في ذلك تدعيم سياسي لهذه الجماعات. ذلك أن الدولة بعلماء الدين الذين دخلوا في حوار مع فكر هذه الجماعات، تتخذ في صفة أذهان أعضائها صفة رسمية، ويتخذ أصحاب الفكر المتمذهب صفته الشعبية. وتتخذ الدولة صفة القوة والبطش والقمع، وتتخذ هذه التيارات صفة المظلوم والمغلوب علي أمره، وبالتالي كان لابد من أن يتوحد أعضاء هذا التيار مع الشعبي والأضعف وليس مع الرسمي والأقوي بخاصة أن كل حوار دار أنما تم علي أرض الدولة الرسمية.
لقد عجزت أغلب السلطات التي ظهرت في بلدانها هذه التيارات عن إنجاز التنمية المطلوبة أو صيانة الاستقلال الوطني أو تحقيق العدل الاجتماعي أو تعميق الأصالة الحضارية، ولهذا السبب لم تتمكن من تعزيز مصادر شرعيتها، وبفقدان الشرعية المتينة لهذه السلطات وفي غياب الإنجاز التنموي وتبلور كل سمات التبعية المتطرفة والتفاوت الطبقي الصارخ بين فئات المجتمع وتمكن كل صور المسخ الحضاري، وانتشار وشيوع لافتات الاستفزاز اليومي للجماهير المسلمة… لهذه الأسباب مجتمعة وضاغطة بدأت إرهاصات الفكر الحركي الإسلامي تأخذ مساراتها وتتشكل أطرها وفقاً للظروف الزمانية والمكانية.
لقد تعددت الدراسات التي تناولت هذا الموضوع في الأدبيات السياسية، بعضها يركز علي الجوانب السياسية والآخر علي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، والثالث علي الجانب الفكري، وبعض هذه الدراسات يأخذ بالاتجاه التكاملي في دراسة هذه الظاهرة، بمعني أنه يأخذ في الاعتبار الجوانب المشار إليها كافة، ولكن ليس بوصفها عوامل أو عناصر منفصلاً بعضها عن البعض الآخر وإنما بوصفها عناصر متفاعلة في ما بينها، الأمر الذي أدي إلي خلق ظاهرة الإسلام السياسي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية اليوم.
خلفية النشأة..
أصولية التأسيس
بداية نود أن نؤكد بأننا نعلم يقيناً بأننا إزاء موضوع غني في مادته، وعر في تعدد دروبه، وتشعب فروعه، وذلك بما أنه من المركبات الكثيفة والخصوصية للهوية السياسية والثقافية ذات الطبيعة التصاعدية في البنية التكوينية الأيديولوجية لمجتمعاتنا بما يوجب الاحتراز وعدم الوقوع في أي ابتسار غالباً ما تجر إليه المعالجة الصحافية. ولهذا السبب بالذات نبغي البقاء عند حد تسجيل بعض الإشارات في الشأن الذي نحن فيه، أي في ما يخص التوظيف الأيديولوجي للدين والدخول به في صلب المعركة المطلبية، اجتماعية كانت أو سياسية، وهو المآل الذي ينتهي عنده التيار الديني المتمذهب/المتطرف اليوم في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وذلك رغم الشعارات الدينية الصرف التي يحاول التستر بها وادعاء الإخلاص لها.
يعتبر التجذر الذي عرفته العقيدة الإسلامية وتداخلها في المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وعلي صعيد التكوين السيكولوجي للأفراد، من بين الأسباب الكبري التي يمكن أن تعيق حدوث أي جنوح ذي طابع تطرفي عن هذه العقيدة نفسها. فأنه من المفيد التنبيه إلي الدور الأكبر والناجح الذي مارسته العقيدة، وقد صبت في قوالب التوظيف الأيديولوجي المباشر في شحذ أسلحة مواجهة الآخر المختلف »الغربي« والتصدي لمختلف أشكال هيمنته. ومن بينها وأخطرها محاولة طمس الهوية الوطنية والقومية في جوهرها الإسلامي والعربي. إن حركة الإصلاح التي ارتبطت برموز التنوير عندنا، ذات منشأ ديني صرف وسعت إلي أن يتسق خطها المذهبي مع سلفية جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.
بالنسبة للجيل الأول من التنويريين، وجد نفسه يتبلور في اتجاه حركة إحيائية للأصول ولمذهب السلف الصالح.
ودون أن نخوض في التفاصيل أو نرسم خط تسلسل تاريخي ومفهومي دقيقين، فمن الممكن القول بأن الحركة في مرحلتها تينك بل وأيضاً في مرحلة ثالثة لاحقة بها ومطورة، تجد التجلي الأكبر لها عند رموزها الدينية التنويرية سواء من المرجعية السنية أو المرجعية الشيعية.
إن هذه الحركة اشتملت علي مبدأ استحثاث النفوس لاسترجاع وصيانة الهوية الوطنية ذات الطبيعة الدينية والثقافية، بصقل صدأ النفوس ذاتها وحفاظها علي الملة ومحاربتها للدجل والشعوذة الدينية التي كانت قد بدأت تحاول نخر الجسد العربي والإسلامي، وإنه ليعنينا الوقوف عند هذا الجانب أكثر من أي شيء آخر. فلقد وضعت حركة الإصلاح الديني علي رأس مهامها العاجلة تسفيه الدجل الديني المتمثل في ظواهر الطرقية والصوفية الملتبسة التي كانت تثبت مفاهيم تواكلية ورجعية للإسلام، وتجد تشجيعاً من الآخر/المختلف »الغربي الاستعماري« الذي ألف فيها أحدي الأدوات الناصعة لتسهيل نفوذه وتقوية هيمنته.
وإذا فهمنا أن الصراع في العمق كان يتم بين مرجعيات دينية متضاربة كل طرف فيها يقدم علي طريقته تأويلاً خاصاً للعقيدة، ولكن إذا تبنينا أيضاً بأن أحد التأويلات كان يسعي وقد تدخلت قوي عديدة في صناعة هيكله وصياغة خطابه إلي الخروج عن الجوهر الصحيح لهذه العقيدة والزج بها في غياهب التخدير الاجتماعي والإلهاء عن مواجهة واقع جديد بدأ ينحت ملامحه أمامها والانصراف عن المسلكية الواضحة والبسيطة للإسلام كما مورست وطبقت في مجتمعاتنا. أجل، إذ تبنينا هذا، وهو غير كاف علي كل حال، أمكننا أن ندرك إلي أي حد كان العائق كبيراً أمام منهج التطرف الديني ليشق طريقه بين مجموعة بشرية متساكنة يخلو تاريخها من التطرف والتأويل الغامض للدين، وإن لم تخل كلية من بعض الشوائب التي تعرفها كل المجتمعات في ممارستها الطبيعية لهذا الدين.
ويقيناً أن الباحث لموضوع كهذا سيجد أن التحدي الكبير الذي تقدمه حركة الإصلاح الديني في أي قطر عربي هي التي تبلور الوجه المشرق السليم والتاريخي للإسلام فيه، يبرز بفعالية في كونها شكلت الرافد الأول لحركة الإصلاح السياسي ذاتها، فسواء مع حركة المطلبية الاستقلالية والدستورية الأولي أو مع بداية الاحتدام مع المستعمر الأجنبي فأن عناصر عديدة من المرجعيات المذهبية كانت إليها، وبالاستناد إلي مفاهيمها واستلهام روحها. إن الاستلهام المتواصل جاء ليؤكد حيوية الجدلية الاجتماعية/الدينية ويدفع بالعقيدة في غمار الصراع الجديد للمجتمع ضد من يريدون اغتصاب سيادته وطمس هويته والإجهاز علي إسلامه، كما أن الخطاب السياسي للحركة الوطنية وممارساتها المختلفة المبطن بمحتوي ديني، أثبت في نجاحه ونفوذه إلي النفوس إلي أي حد يوجد في مجتمعنا التواشج بين الآصرة العقيدة والموقف الاجتماعي/السياسي، وإن هذا التواشج سلاح شحذ عبر قرون، ولذلك لم يكن من السهل بل ولا من الممكن فَلهُّ، أولَمْ نتبين كيف أن كل محاولات التبشير التي قام بها الاستعمار الأجنبي وخاصة بين العشائر والقبائل قد باءت بالفشل الذريع، وإلي أي حد كان المنظور الديني عند المستعمِر والمستعمَر غالباً، وإلاّ فهل كان صدفه أن يطلق أو تنعت أغلب مجتمعاتنا العربية عامة علي الاستعمار الأجنبي كلمة »نصراني«، كما لم يكن صدفة أيضاً أن يعوض هذا المستعمر التبشير بالتسلل الثقافي واللغوي والتمديني.
/2/2012 Issue 4124 – Date 17- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4124 – التاريخ 17/2/2012
AZP07