
التسوّل بين الإحتيال والإحتياج
وضع مزر
في الصباح الباكر طُرق باب البيت وخرج والدي ليعرف من الطارق .
شاب ثلاثيني بجسم ضخم وعقل سليم وملابس جيدة مرتديا (دشداشة، شماغ) .. الوجه ليس مألوفا فهو ليس من المنطقة، سأله والدي..(تفضل خوية اكدر اخدمك بشي).
اجابه بصوت فيه نبرة من الحزن والجدية:
(خوية محتجاين وكفتك ويانة سيارة الجنازة واكفة وما عدنا فلوس للدفنة).
صفن والدي للحظات حتى يستوعب ما يقوله هذا الشخص..
دخل والدي الى البيت ليعطيه من ما رزقه الله.. بعدها انصرف واخذ يطرق الأبواب لا على التعيين ليستخدم الاسلوب نفسه والديباجة نفسها …..
هذا الموقف اثار بداخلي سؤالين كانا في صراع محتدم…
هل المجتمع تخلى عن قيمه الأخلاقية والاجتماعية لكي يقوم هذا الشخص بهذا الفعل؟؟؟
فأين اهل الميت واقاربه؟ اين جيرانه الذين هم اهله ايضا؟ اين اصحاب الأيادي البيض؟ اين اهل الدين ممن يعملون لآخرتهم؟ وهل اصبح التسول (مهنة) و(فن)؟؟؟ بينما كنت ابحث لإجابة عن هذين السؤالين ..
زارنا ضيف وهو من اقاربنا ممن يسكنون احدى مناطق بغداد المترفة.
وتكلم عن هذا الموضوع.
فأنصتُ له وجعلت نفسي بكاملي أذنا صاغية، كأني اشبه بمن ينتظر نطق الحكم عليه من قبل القاضي!
سرد الموقف الذي حدث معه والذي يشبه الموقف الذي حدث مع والدي لكن الفرق كان في النتيجة .
ولان ضيفنا ميسور الحال ويحب مساعدة المحتاجين. قال لمن طلب منه المساعدة: سأتكفل بكافة المصاريف (التغسيل، التكفين، الدفنة، اجرة السيارة) لكن بشرط؟
ان تدلني على الجنازة اولا !!
يقول تغيرت الوانه بسرعة وعقد لسانه فاحتار ماذا يجيبني..!!!!
عرفت من خلال تصرفاته وتمتمة لسانه بأن هذا. كلام افتراء وكذب…
فلم يك له طريقا غير الهرب!!!!!!!!!
اخيرا حصلت على أجابة لسؤالي. لكن هذا الجواب جعلني أتأمل في الوضع المزري الذي نعيشه .وكيف وصل الحال بنا ان نتفنن ونخلق مشاهد درامية تعجز الدراما التركية والمصرية عن خلق مشهد كهذا يجعلك تعيش الحالة وتتعاطف بشكل لا ارادي لصعوبة الموقف الذي فيه ذلك الرجل المحتاج…
ان هذه الظاهرة الخطيرة تفشت بشكل لافت للنظر بل لا نجد شارعا او سوقا او تقاطعا يخلو من المتسولين وبكلا الجنسين وكافه الاعمار…
بعضهن فتيات بريعان شبابهن .. يتسولن في الشارع وقد يكونن لقمة سائغة بسيطة لاصحاب النفوس الضعيفة ممن يرى ان المرأة عبارة عن مكان يفرغ به طاقته الجنسية.
وهذا يحدث ان وجد من يتقبلن هذا الموضوع، والسؤال هنا ما الذي يجبر هؤلاء الفتيات للتسول وهن يتعرضن كل يوم لعشرات المضايقات من قبل الشباب الطائش سواء كان بالالفاظ النابية او التحرش الجسدي.
هل الاحتاج وحده كفيل بهذه الذلة والمهانة والمعاناة، ام هناك اسباب اخرى؟؟
اسباب اخرى
بحسب ما شاهدته ويشاهده الناس سيقول ان هناك اسبابا اخرى غير الاحتياج!!!! هنا اُذكر بالتجربة التي قام بها الإعلامي علي الخالدي ليكشف زيف المتسولين عندما لبس ملابس.رثة ممزقة متسخة. ووقف في احد التقاطعات في بغداد.دامت التجربة لمدت (ست ساعات) جمع الخالدي ما يقارب (150 الفا) ان هذا المبلغ خيالي وضخم مقارنة بعدد ساعات التجربة فكيف اذا كانت يوما كاملا…؟؟
فلو أخذنا احصائية بسيطة بهذا المبلغ ونقيسة على شهر كامل…
تظهر النتيجة بان المتسول يحصل في الشهر الواحد على (اربعة ملايين ونصف) اي ما يعادل راتب (مدير عام) في الدوائر الحكومية….
كثيرة هي الطرق التي يستخدمها المتسولون لكسب عطف الناس وكرمهم كالعاهات اوسوء الحال او الاطفال الصغار وبأساليب متعددة فمنهم من يعرض خدماته التي لا فائدة منها في الغالب كمسح زجاح السيارات أثناء توقفها في التقاطعات.
او امرأة تتوسط الشارع حاملة طفل صغير تحت اشعة الشمس العمودية المتلهبة في الصيف..
او في البرد القارس وتحت زخات المطر في الشتاء.فانه منظر مؤلم وقبيح او من يحمل تقاريره الطبية وقد فات عليها سنين او من تجده بزي محترم وهو يقف امام المحال التجارية لطلب المال….
لا ننكر بإنه لا يوجد فقر وعوز ولكن سد الحاجة ليس بهذه الطريقة فالمتحاج الحقيقي يعز بداخله لايهين نفسه وكرامته ويخدش حياءه من اجل الحصول على المال…
فبين الاحتيال والاحتياج ضاعت الكثير من القيم والمبادئ الأخلاقية والمجتمعية التي تربى عليها المجتمع… فمن المسؤول عن هذه الفوضى؟اين دور الجهات المعنية في الحد من هذه الظاهرة؟
{ وزارة العمل والشؤون الاجتماعية؟
{ ووزارة التخطيط والتنمية؟؟
{ الشرطة المجتمعية؟؟
{ منظمات حقوق الانسان؟
{ منظمات المجتمع المدني؟
{ منظمات حماية الطفل؟
{ دور المؤسسة الدينية؟
اصبحت عملية التسول عملية منظمة وجماعية تدار من قبل مقاولين وعصابات ومافيات لانها تصب عليهم المال بشكل غير طبيعي…دون عناء ففي اخر احصائية قامت بها احدى المنظمات حول عدد المتسولين في بغداد فقط حيث بلغ عددهم اكثر من( 1500 متسول) رقم كبير ومخيف فهذه الظاهرة تحتاج الى من يضع الحلول السريعة والمناسبة للتقليل منها على الاقل لان القضاء عليها يحتاج الى وقت كثير فهي بلاء ابتلت به جميع البلدان والأديان وكانت سبب في فساد المجتمع وانتشار الجريمة والادمان على المخدرات وغيرها من المشاكل ….
فعلى الحكومة ان تتبنى معالجة هذه المشكلة
– كتوفير فرص العمل للعاطلين.
– تقديم الدعم والمساندة الاجتماعية لاصحاب العاهات الجسدية..
– الاعتناء بالأطفال وتوفير فرص التعليم لهم…
– تكوين فرق خاصة لبحث اسباب التسول وماهي الدوافع…
– وضع القوانين الرادعة ومعقابة كل من يقف خلف هذه المجموعات التي تجعل الاموال عليهم مدرارا…
– تفعيل دور الشرطة المجتمعية وإلقاء القبض على المتسولين..
– دعم المؤسسات الخيرية التي تقدم المعونة للمحتاجين..
- تفعيل دور وسائل الاعلام بالحد من هذه الظاهرة وبيان اثارها السلبية على المجتمع …
مرتضى علي – بغداد
























