التأليف والتعامل التجاري

التأليف والتعامل التجاري

يعيب احد الكتاب على المؤلفين الذين يتركون مؤلفاتهم لدى أصحاب المطابع ودور النشر دون توزيع، ودون احترام لهذه المؤلفات، اذ يسخر أصحاب المطابع ودور النشر منها، ومن مؤلفيها الذين يكتفون بعدد قليل من النسخ، ولا يتابعون ما تركوا من النسخ، حيث تأخذ طريقها الى المخازن والسراديب والغرف السفلى، لتباع بعد ذلك بارخص الأسعار دون علم واذن من المؤلفين الذين بذلوا الجهود والاحوال من اجل اعدادها وتأليفها، ومن اجل ان تكون مفيدة للقراء والباحثين وللوسط الثقافي. ويبدو لي ان هذه الظاهرة ليست من الظواهر التي تأتي وتذهب دون توقف ودراسة وبحث، وليس من الانصاف ان نمر عليها مرورا عابرا، وان نؤشر عليها ونتركها لظروفها وان تشاركنا محنة وضغط هذه الظروف وخطورتها ذلك ان الكتاب في تراثنا يمثل روح وقلب وعقل الانسان وعندما يعامل حسب تعامل أصحاب المطابع ودور النشر، ويذهب الى المخازن والسراديب والرفوف والزوايا المهجورة فانه بهذه الصيغة يعرض للاستهانة وعدم الاحترام، خاصة وان أصحاب المطابع ودور النشر ليسوا من الذين يملكون علاقة عابرة مع الكتاب وانما هم من اكثر العناصر ارتباطا بالكتاب، اذ يقضون حياتهم مع الكتب ومؤلفيها ويحضرون اهم المناسبات ذات الصلة بالكتاب، ولهم قدرة على فرز الكتب المهمة عن الكتب غير المهمة وعلى أساس ذلك فان علاقتهم بالكتب ليست علاقة آنية وانما هي علاقة ستراتيجية، وقد عرفنا إضافة الى ذلك ان الجهات التي تتولى طبع الكتاب تتعهد للمؤلفين بانها ستعمل على توزيعه، وانها ستشارك به في المعارض من اجل ان يتوزع ويباع في اكثر من مكان، وان يحتل واجهات المكتبات والعلاقات بين دور النشر. ثم ان من غير الصواب تحميل المؤلفين مسؤولية تكريس مئات الالاف من النسخ المطبوعة في المخازن والسراديب والرفوف المهملة واذا كان ذلك يسيء لسمعة الكتاب وسمعة مؤلفه فان دار النشر تتحمل اكثر من غيرها من هذه السمعة، لانها هي الجهة المختصة والفنية ولأنها تصنع اسمها على الكتب الصادرة عنها، ولان المؤلفين يرجعون اليها بوصفها الجهة المختصة والتي تملك مستلزمات طبع ونشر وتوزيع الكتاب، ثم ان جميع دور النشر تضع اسمها على الكتاب مقرونا بالطبع والنشر والتوزيع فهل يجوز التخلي عن مهمات النشر والتوزيع بعد طبع الكتاب ولماذا لا تحافظ هذه الدور على ما تضع لنفسها من مهمهات والتزامات ومسؤوليات؟. ثم ان دور النشر تحاول ان يصدر الكتاب بتصميم جميل وان يصلح لمخاطبة القارئ غلافه وعنوانه وعناصره الفنية الأخرى، فهل يتم تحقيق ذلك لصالح المخازن والسراديب والرفوف والزوايا المهملة، وهل هناك عملية تخطيط لان يعرض الكتاب لفترة وجيزة ثم يذهب الى المخازن والرفوف؟ ان من المخاطر الجسيمة ان يتعب المؤلفون انفسهم في الاعداد والتأليف، وان يقدموا إضافة الى ذلك مبالغ مالية معينة ثم تذهب مؤلفاتهم الى المخازن والسراديب، او تعرض بابخس الأسعار لدى بائعي الأرصفة او لدى أصحاب العربات ويتم عرضها باعداد كبيرة من النسخ بهدف التخلص منها والتحرر من اعبائها. ومع ان التعامل مع هذه المطبوعات اصبح عملية صعبة وشاقة واصبح مقترنا بكرامة واحترام الكتب ومقترنا بأهمية وعدم أهمية التأليف الا مناقشة ومعالجة هذا الوضع يتطلب عدم ترك النشر في يد دوره ومؤسساته وانما وضع صيغة تشارك من خلالها المؤسسات والمنظمات الثقافية مع دور النشر في طبع ونشر وتوزيع الكتاب، ويتم من خلال ذلك عدم الانفراد بجهة معينة في طبع ونشر وتوزيع أي كتاب وجعل تجارة الكتب غير منفصلة عن تأليفها.

رزاق ابراهيم حسن