البعثات الأثرية الجديدة في أور 1-2

البعثات الأثرية الجديدة في أور        1-2

تكهنات عن عكازة دي أوغستينو السومرية

نعيم عبد مهلهل

له عينان يكفي أن تراهما مرة واحدة

حتى تُحفرا في ذاكرتك

ومن الأفضل ،  أنا الحذرة ،  أن لا أتطلّع إليهما.

(أخماتوفا قصيدة إلى ألكسندر بلوك)

 وصل العالم الآثاري الإيطالي الدكتور فرانكو دي أوغستينو ،  والدكتورة ليتشا رامانو ،  وباحثة اسمها جوليا برلا ،  وفرونيكا مارتا والدكتور ستيفانو كارسو ،  وميلانيا زاكرو ،  والسيدان ماريو ودفيدا وماسيمو إلى الناصرية (مدينتي) في ذات اليوم الذي وصلت فيه ،  وقد ذهب مع بعثته إلى تل أثري يسمونه أبو طبيرة ،  ويقع شمال غرب الناصرية ،  وعليّ أن أتخيّل المسافة بخطوات دي أوغستينو من روما إلى الناصرية ،  حيث استراح ليومين والْتقى بمن يعرف عن آثار المحافظة ،  ومنهما صديقان لي منذ أزمنة الصبا والمدرسة ،  هما الدكتور عبد الأمير الحمداني والصديق أمير دوشي. فيما المسافة الثانية هي خطواتي من باريس إلى الناصرية ،  فلم تعد لي مع ذكريات العطر في تسريحة فرانسواز ساغان الشقراء سوى ذكريات لم نصل فيها إلى قناعة أن نضع الشرق في كف الغرب ونعمل مصافحة ،  وربما بسبب الحذر من شباب مغاربة متطرِّفين هاجموا عدة أمكنة بالعاصمة الفرنسية بالمفخَّخات ،  وعندما حاولت أن أقنعها أننا أبناء أور لا نحب عنفاً كهذا ،  وطريقة في التعامل مع الحضارات الأخرى ،  لكنها قالت بلغة يائسة : ولكنكما الاثنين من أمة واحدة. وحين أخبرتها أن المغاربة الذين شنُّوا هجماتهم الإرهابية يُعتقد أنهم من أصول أمازيغية ،  وهم من أمة أخرى.

عادت لتقول : ولكنكم من خارطة واحدة؟

خطواتي وصلت إلى الناصرية مع خطوات العالم الإيطالي ،  لكن الفرق أني ذهبت إلى عقد اجتماع مع صورة أبي المعلقة على الجدار ،   الذي أغمض عيناه وأنا آتيه في غربتي مخدوعاً بحلم فلم سينما كانت فيه كاترين دينوف ترينا الجزء العلوي من نهديها ،  فتهز على أرائك سينما الأندلس الشتوي كلّ العادات السرية ،  وتعزف موسيقا الشهوة بانتظام غريب يكون بعدها الزحام شديداً على التواليت وسط ضحك وصفارات الذين لم يعزفوها ،  بل أبقوها مكبوتة بسبب الخجل. العالم سيلتحق بتله الأثري وحتماً سيجده أرضاً متصحرة يكسوها السبخ ،  وهو نوع رديء من أنواع الملح ،  وسيباشر بالحفر معتمداً على معلومات من الحمداني ،  أو على صور الأقمار الصناعية ،  وعندما يستريح هو وعماله سيجد أحاديثَ شيقةً من صديقي أمير،  وسيتعلم كيف تصاغ المزحة (النكتة) في هذه المدينة ،  وحتماً سيشرح له أمير وعبد الأمير الجذور العميقة لتلك  المزحة ،  والتي هي وليدة حزن سومري قديم يعبِّر فيها الإنسان عما يحمل في صدره من هم وشكوى؛ ليبحث عن تلك النكتة التي تزيح عنه قليلاً من همّ يصنعه الملك والكاهن والمرابي وتاجر الحبوب الجشع ،  والأب الذي يرفض أن يوافق على زواج الحبيبة من حبيبها. لم أرَ وجه دي أوغستينو إلى الآن ،  وعليّ أن أتخيّله ،  ذلك الوجه القريب من الوجوه التي تخيّلها إيطاليو كالفينو في مدنه المرئية، وجوه تشع غموضاً مع هياكل من البلور الناعم تؤسس لذاكرة المدن في أطياف كواكب أخرى. لكنه جاء إلى هنا ليؤسس في ذاكرة التراب ،  يريد أن يكتشف المدن المندثرة ،  ولا يكتشف المدن التي رسمها كالفينو في الفضاء الافتراضي،  ومنحها إلى أجفان ماركو بولو ليحوِّلها إلى قصص ساحرة يلقيها على مسامع الخان المغولي قبلاي خان…

رعشة الاصابع

مع صورة أبي التي تحولت بمرور الزمن إلى هيكل عظمي يتوسد تراب مقبرة النجف ،  وعليّ أن أزورها بصحبة أمّي التي هرمت ذاكرتها ،  وباتت تتكلم برعشة أصابعها أكثر من لسانها ،  قضيت ليلة طويلة من الذكريات ،  بكيت ،  وتمتعت بنحيب خافت لأمي ،  وهي التي تشعر أن حاسة الأمومة تعبت لديها ،  وأن حضوري لم يمتلك تلك اللهفة الجسدية التي تنهض فيها مثل غزال ،  وتحضنني يوم أعود إليها سالماً من حروب ربايا الشمال أيام حرب برزان ،  كلّ شيء افتقد طعمه عندها ،  وقد صار عمرها الآن خمسة وتسعين عاماً ،  لكنها استعادت شيئاً من هاجس الشوق القديم فيها ،  إذ بدأت تشعر رويداً رويداً أن ولدها الذي فارقها من أعوام طوال قد عاد إليها. عليّ أن أتخيّل دي أوغستينو قبل لقائي معه ولعثته ،  ماذا يفعل قبل أن يضع المعول في قلب التراب ،  هل يتذكر تلك الرومانسية للشاعر الروسي بلوك؟ وهو يضعُ روح الشتاء الروسي في غرام قصائده،  ويسكبُ الفودكا على سطور ثمالة أغنية قوقازية ،  يحاول فيها أن يجلب أجفان بوشكين إليه. أم يترك ذكرياته وعشقه السوفييتي لآنا زوجته ،  ويبدأ ترحاله الغيبي عن أشياء تسكن في هذا التل الملحي ،  أجساد وأرواح وأختام بيع وشراء ،  وربما ألواح من الطين كتبت عليها قصائد غرام بخط سومري وبابلي. هو الآن يضع خرائطه على مديات النظر إلى المكان وتلاله المنخفضة،  وليس هناك رؤيا تجمع بين ذكرياته الروسية والمكان السومري سوى عاطفة جلبها من باحة المكان ،  إبراهيم ولد قريباً من هنا،  وعليه أن يوصل الرسالة البابوية في جعل التنقيب إظهار الحقيقة. إن الحياة من هناك صنعت سلالم أحلامها لتصل إلى الغيوم. وما أرسمه في خيالي الافتراضي وفرانكو على أرض التل الأثري قبل التنقيب أن رفيقته ليتشا رامينو تقول له : دكتور،  نحن هنا من أجل البحث عن وتر ضائع من قيثارة شبعاد ،  لم يستطع السير ليوناردو ولي أن يعثر عليه. وعلينا أن نفترض أن لصاً دخل القبو وسرق من القيثارة شيئاً ،  وهو يسكن هنا في هذا التل. اترك الحديث عن غراميات وليم بليك في روحك لوقت احتساء الشاي ليلاً. يضحك دي أوغستينو ،  ويعود إلى ذكريات غرام ،  تمسحه بالود مساءات قياصرة دثرت أحزانهم بالموت والرصاص معاطف البلاشفة ،  ليقول : كما تريدين يا ليتشا ،  نترك موسكو ،  ونجيء إلى أور. أتخيّل المشهد وأضحك ،  أمير يتدخل ،  ويسرد لهم تفاصيل أزمنة المكان ،  يخبرهم أن كلّ شيء هنا لا يمكن فهمه بمجرد قراءة الكلمات في لوح الطين ،  فالأمر مع أمكنة كهذه يحتاج إلى فهم سيكولوجي عميق لتفكير البشر والعلاقات.

تقول فرونيكا : وحتماً هم لا يشبهون من نبحث عن مدنهم المندثرة الآن.

– حتماً ،  ولكن مجرد النظرة قليلاً إلى إيماءة العيون هنا ،  تشعرين بأن ثمة فضاء كبير من هناك يسكن تلك العيون، حزنها،  موتها المرتهن بالحروب ،  المراثي التي تنشدها الأمهات ببحة غريبة يوم يؤتى بأبنائهن قتلى في حروب لا حصر لها.

تقول جوليا : إذن لا يحتاج لنحفر في التراب ،  لننظر في عيون الناس هنا ،  ونعرف كيف كان يعيشون أجدادك يا أمير.

يضحك أمير…

يضحك دي أوغستينو ،  ويقول مازحاً : هل تريدون شيئاً عن وليم بليك.

ترد عليه فرونيكا : كلا نريد شيئاً عن كالفينو…

– كالفينو ،  لربما نحن الآن نبحث عن مدن تخيلها هو وعلينا نحن نعيد اكتشافها.

قالت رامانو : أنا معجبة بمورافيا ،  فطريقة سرده للحظة الغرامية ،  أتخيّلها معاشة داخل القبور السومرية في عناق هيكلين عظميين في تصوري أننا سنعثر عليها بعد حين.قال عبد الأمير الحمداني : موضوعة الغرام تشغل حيزاً كبيراً في التراث والحياة السومرية ،  وكلّ مناجاة حتّى لو طلباً لرغيف خبز هي جزء من طقس غرام لشيء. لهذا كانت قصائد الشِّعر الأولى التي دونت باللغة السومرية هي مناجاة ،  وحتى عشتار في سلوكها البشري والإلهي هي عبارة عن فوران شوق الأنثى لتحتضن جسد الرجل. قالت رامانو : هذا ممتع يا عبد الأمير ،  أنت الأن تعيد إليَّ نشوة قراءاتي الأولى لمورافيا يسهرون قرب تل أثرى تشعر أنه من بعض تلال روحك يوم كنت تعيش في أديم المكان مَعلماً تغفو عند أحلامها موسيقا طنين حشرات ليل القصب ،  وكلّما تلسعه بعوضة في عنقه يصيح مستنكراً متى أتخلص من هذا القرص وأعيش في باريس عاشقاً أزلياً لكاترين دينوف ،  ومترجماً محترفاً لروايات فرانسواز ساغان.

التل الأثري

تترك تخيل مشهد فرانكو مع أفراد بعثته ،  في سهرة أوّل ليلة له في التل الأثري ،  وأنت في أوّل سهرة لك هنا ،  هي صورة الأب ومن ثم عليك أن تديم سهرتك عند قبرٍ لأب ،  ومرايا قديمة لا تضع الوجوه بجمال ملامح أمسها. لكنك عندما تنجح بتغيير عنوانك الوظيفي من معلم في واحدة من مدارس الأهوار إلى موظف في متحف الناصري ستلتقي بهذا الإيطالي الطيب الذي يتحدث لك أمير والحمداني عن نبله وثقافته وعمق معرفته بالحرف المسماري الذي أدهش فيك صدى الكتابة الأولى. ستجلس أمامه ،  وستلقي عليه موعظة أنك أكثر دراية بالهاجس الروحي للمكان ،  وأنه عندما يرد أن يرتدي قميص جلجامش عليه أن يخلع قميص وليم بليك ،  فروح ملك أوروك لا تحب المشاركة؛ لأنه روح تشظّى في ألف هاجس ولا يسع المكان غير هواجسها. تعجب كلماتك ورؤيتك فرونيكا زميلة فرانكو في البعثة ،  ويشع من عينيها شيئاً من عاطفة ناعمة وحمراء تشبه لون النبيذ الإيطالي القادم من مزرعة صقلية ،  فتهمس له : أظنّ أنك تعرف عن جلجامش أكثر من رئيس بعثتنا دي أوغستينو. أحب أن أسمع منك؟ تضحك وتسأل أجفانها ،  وتنادمها بخاطرة شهية ،  مثل تلك الخواطر الناعمة التي كان يكتبها الجنود من أهل أور قبل أن يؤذن الملوك لهم بالموت المجاني في حروب السلالات : أنت جميلة يا فرونيكا ،  لكن كاترين دينوف تبقى الأجمل ،  لكنها لم تسأل عن العطر الذي يرشه جلجامش على صدره يوم يريد أن يحتضن كاهنة أو خليلة بعد عودته اليائسة من تلك الرحلة التي كان فيها لحظة الذهاب يرتدي حذاء من أحذية باتا ،  ولكنه عاد إلى أوروك حافياً.

أنت فرونيكا ستسألين حتماً ،  وهنا الفرق.

ترد فرونيكا : حتماً سأسأل ،  ولأجل هذا عبرت من قارة إلى قارة ،  لاكتشف أن ملك أوروك يصلح لكلّ نساء الأرض.

أرد : ومَنْ غيره يصلح لهن.؟

صدى بعيد لدمية طين فخرتها في طفولتي في التنور الذي كانت فيه أمّي تصنع الخبز لنا ،  قال : وأنت تصلح أيضاً. تذكّر أيها الولد المصبوغ بالرغبة الغامضة من أنك قبل أن تحصل على خد صبية من صبياتِ الجيران كنت تقبل الدمى التي تصنعها في اعتقاد طفولي منك أن الدمية هي من تختصر حلم الحصول على امرأة حقيقة بشحم ولحم.

تسأل فرونيكا : وهل كان كلكامش يفكر ويعتقد مثلما أنت.

قلت : نحن نفكر مثله وليس هو يفكر مثلنا.

ضحكت وقالت : وأنا أريد أن أفكر مثلما يفعل هو.

قالت الدكتورة برلا : يا عزيزتي أن عشت متعة هكذا التفكير. ستنتهين معه في الأسى وسنفقد واحداً من أعضاء بعثتنا.

ضحك دي أوغستينو وقال : سنعوضك بعكازي هذا.

قلت : لو كان مثل عكاز الشاعر الفرنسي رامبو الذي توكأ عليه في خيباته بعد مغامراته الإفريقية لفعل شيئاً كبيراً.

قال دي أوغستينو : وستراه يفعل ،  فلربما به سوف أنبش في التل وأظهر للعالم شيئاً عظيماً ،  ربما يهم الطوفان أو رؤى يستعين بها التاريخ من أجل فهم علاقة الماضي بالحاضر.

أتذكر فرانسواز في تلك الحميمية الإيروتيكية عندما رأسها يفتش في صدري متاهات العطر عندما قالت : لا تذهب إلى حلمك بعكاز ،  فالأعرج حتّى ظله يفضحه.

قال : دي أوغستينو : هي لا تعرف الإصرار إذن..

قلت : كلا إنها لا تحب رامبو.

جلسة عمل

اترك الصّورة المفترضة أني حضرت مع أمير والحمداني أوّل جلسة عمل وتعارف مع البعثة الأثرية ،  وأبقيت أجفاني مشدودة بإطار صورة أبي ،  فيهمس لي : اذهب للصديق أمير وعبد الأمير واستفد منهما ليكونا لك عوناً لتعود إلى ذات المكان الذي حرَّك الذكورة في روح وجسد جدك يوم كانت كاترين وولي تتعمد أن ترتدي تنورة قصيرة وهي تمسك منظاراً ،  وتبحث في الأفق عن تلك العمارة البدائية لبيوت الطين لقرى عشائر آل غزي المحيطة بمدينة أور أثرية. وها أنذا يا صديقي ثالث بينكم ،  أتيت لأتعلم بينكم ومنكم ،  أن أقرأ طلاسم الطين ،  وشكراً للحمداني ،  وقد همّش على طلبي بتوصية إلى مدير عام الآثار بإمكانية نقل خدماتي من التعليم إلى الآثار للاستفادة من خدماتي كوني مهتماً بالثقافة السومرية ،  وحضارتها ،  وكما كتب في آخر سطر بالتوصية : إن هذا المعلم يمتلك خزيناً هائلاً من الحب لآثار بلاده. وعليّ خلال هذا الأسبوع بعد الموافقة على هامش الدكتور عبد الأمير الحمداني أن أنجز معاملة نقل خدماتي ،  وعليّ أن أغادر إطار صورة أبي بعد أن أخبرته أن صديقيّ وفيا بوعدهما ،  الأول أسهم بنقل خدماتي ،  والثاني سيكون مترجمي في أيِّ مهمة لي مع البعثة الإيطالية عندما وعداني أنهما سيقدمانني إلى الدكتور فرانكو صديقهما ورئيس البعثة الأثرية الإيطالية. أمسح الصّورة بدموع شوقي إليه ،  وأنا أقف على رأسه في صمته الأبدي في قبر يرتفع عن الأرض شبرين وتشاركني لحظةَ الشوق أمّي المسنة التي ساعدني الجيران على حملها إلى المقعد الخلفي من السيارة ،  وهي لا تعلم أين نحن ذاهبان إلا عندما اقتربنا من المقبرة وشمت رائحة الهجوع للموتى فهمست بحنان غريب : ظننت أني لن أراكِ ثانية بعيني إلا عندما يكون قبري قرب قبرك. ها هو القبر يحدودب مثل تقوس ظهر أمّي مثل أكتافه يوم بان عليه الكبر ،  وهمس بنظرته الأبوية العطوفة أن لا أتركه وحده،  وصار يمشي منحنياً بتأثير آلاف أكياس الشعير التي كان يحملها على أكتافه ليوصلها من سنام بعير البدوي إلى خان تاجر الحبوب ،  ثم ترك هذه المهنة؛ ليعمل حارساً في الآثار كما أبيه ،  فكنت وقتها أسجل نظرات إعجاب لأبٍ يشبه جلجامش في إصراره أن يتحول من حمل كيس الشعير على أكتافه ليحمل بدلاً عنها زقورة أور ،  وليصبح مثل سيزيف يحمل أحلامي ،  وانتظار أمّي له بعد كلّ خمس ليال يبيت فيها بين التلول الأثرية ،  ويعود وهو يشتاق إلى طبيخها. أتذكر همسته الأولى في أوّل يوم له في عمله الجديد : أبي قال لي : يا ولدي ،  فقراء سومر لهم طريقان لا ثالث لهما ،  إما أن يلامسوا أجفان الآلهة ،  وإما أن يكونوا جنوداً أو حمالين. ولكني يا بني ذهبت إلى أبعد مما كان يتخيله جدك ،  لقد صرت حمالاً ولامست أجفان الآلهة في ذات الوقت. هي حياتنا هكذا تكون مسيَّرة بأقدار أكثرها يرتبط بملامح رغيف الخبز ،  وهو من يؤشر على اتّجاه الطرقات ،  وحتماً عندما يعرف رجال بعثة الدكتور فرانكو ثقافتي وارد على أسئلتهم حول علاقة الطين بالأنوثة مثلاً؟ سارد بما أجبته ذات ليلة وأنا أنتشي بنظرات فرانسواز ساغان بمقهى في مدينة كان الفرنسية : إن الطين ورائحة المرأة من خليقة واحدة. فعند أجفان أبي المدثرة بظلمة القبر وصمت الذكريات البعيدة أتأمل أمّي وأحسّها مشتاقة إليه وبعيون أطفأتها كهولة عمرها الطويل تحاول أن تمد خيطاً من الضوء إليه ،  ومتى يصل فمه تتمناه أن يتحول إلى قبلة غرام غابت عنها منذ أن قرَّرا وهما في الخمسين من عمرهما أن يناما في سريرين منفصلين؛ لأن مكان البيت ليس  سوى غرفتين وعلى أحد الأولاد أن ينام مع والديه. فيما ينام الأخوان الآخران اللذان لا يبعد قبراهما عن قبر أبي سوى متر من الحنين ،  وذكريات لا تحصى ،  واحد مات بحادثة دهس عجلة لجارنا ،  والثاني نخر السرطان عظام أنفه عندما تهدمت خلايا جيوبه الأنفية بغبار اليورانيوم القادم من مدافع الدبابات الأمريكية في جبهة حفر الباطن بحرب الخليج الثانية ،  وقد ذهب إليها كجندي احتياط وعاد منها كجندي مسرطن. ومثلما يفعل فيثاغورس تمد أمّي أجفانها كأضلاع مثلت لتربط القبور الثلاثة بنبض قلبها. أتخيّل أن مشهداً روحياً وفنتازيا كهذا قد يسحر الدكتور فرانكو ،  ويرى أن ربط كهذا قد يتشابه في معناه تلك المشاعر التي تربط ما بين الهياكل العظميّة التي يجدها في الأماكن الأثرية ،  والتي في معظمها لأناس بسطاء وفقراء وفلاحين يلتقون مع أبي في ذلك القدر المطلق المسمى (كهنة الرغيف). أناس سكنوا القرى التي كانت تقع على ضفاف الأهوار ،  التي انحسر مدها عن هذا المكان؛ ليتصحر ،  ولم يبق منه سوى بقايا أثر ،  وحقيقة يشعر بها فرانكو من أن الأهوار كانت هنا ،  وانحسرت لتقف الآن عند شمال مدينة سوق الشوق وشرقها ،  وعليه الآن أن يفعل مثلما فعلت أمّي مع أضلاع مثلث فيثاغورس لتثبت حنينها وغرامها لسكان القبور الثلاثة ،  أبي وأخويّ ،  فيرسم على الأرض ثلاثة خطوط افتراضية لمثلث ،  ويحاول أن يرفع الهياكل العظميّة ،  ويضعها وسط ذلك المثلث ليشعر بحركة بوصلة افتراضية تؤشر إلى مكان ما ،  هو الجهة التي مشى منها إبراهيم في هجرته ،  أو تحركت منها سفينة نوح إلى الشاطئ الآخر ،  أو المكان الذي ابتدأت منه مناداة أيوب السومري في شكره للرب لتخلصه من محنة مرضه. وربما يتخيّل في اتّجاه البوصلة المكان الذي ذهب إليه إيطاليو كالفينو ليبحث عن مدن الخيال التي رسمها بمعمار الروائي ،  وليس بمعمار المهندس ،  ويؤشر إلى جهة بعيدة أظنّ أنها الجهة التي تحرّكت منها سفن الطوفان لتنجو ،  وعندما ينحسر يعودوا ثانية ليؤسِّسوا المدن التي ينقب فيها المنقبون منذ أواخر القرن التاسع عشر ،  وحتى بعثة فرانكو دي  أوغستينو (أور ،  لكش ،  لارسا ،  الوركاء ،  تل العبيد ،  أوما ،  تللو ،  أبو طبيرة). وأمكنة أخرى لم تزل مختفية حتّى بمسمياتها بانتظار معاول جديدة تحمل ذات الإحساس الشهي الذي كان يسكن المعاول التي كانت تسترق النظر إلى ساق كاترين وولي بنتورتها القصيرة. لهذا شعر فرانكو أن هذا المكان قد يكون مكاناً لرسوِّ تلك السفن التي عادت بعد انحسار الطوفان لتعيش مجداً آخر مع الكتابة والزقورات وأحلام جلجامش والحروب. مدن السلالات المنتشرة على المساحات المائية في الأهوار وحتى أرض الطيب في ميسان حيث قرى المندائيين الأولى. وقتها سألني فرانكو مرة قبل أن يعرفني ببعثته : يقال : إنك تعرف الكثير عن المندائيين ،  وإنهم شاركوا المعدان مكان العيش في الأزمنة القديمة. هل نعتبرهم سومريين أوائل ،  وهل اختلط منهم عرق مع سكان الأهوار؟

أتحدّث له عن قصة المكان ،  وافترض فيما أشعر أن المندائيين ربّما أقدم من السومريين أنفسهم ،  عندما يقولون : إنهم كانوا يعيشون زمن آدم ونوح. يقول أمير : نعم ويفترضون أنهم كانوا مع إبراهيم في مسيرته الشهيرة من أور إلى أعالي الفرات ،  ثم إلى مصر وفلسطين والجزيرة العربية ،  ولكنهم توقفوا في حران السورية ،  ربما ليشعروهم أن الرحلة ستبتعد عن مجرى الفرات المقدس بالنسبة لهم ولطقوسهم الدينية.