الإيرانية ساناز داودزاده فر وقصيدة الفكرة

الإيرانية ساناز داودزاده فر وقصيدة الفكرة

أشعار تبحث عن حريتها

داود سلمان الشويلي

تطرح المجموعة الشعرية للشاعرة الايرانية ” ساناز داودزاده فر” المعنونة ” أَمشِي علَى حُروفٍ مَيتةٍ ” قضية القصيدة القصيرة ذات النكهة الفكرية ، إذ ان قصائدها مكتنزة بالافكار اليومية الحياتية التي تطفو على سطح حياتنا من خلال العلاقات الانسانية بيننا وبين الاخرين .

و تتصف قصائد الشاعرة في مجموعتها الشعرية ” أَمشِي علَى حُروفٍ مَيتةٍ ” ، المكتوبة بالفارسية والمترجمة الى اللغة العربية من قبل محمد حلمي الريشة ، على الرغم من قصرها ، إذ انها لا تتجاوز الاثني عشر بيتا ، واغلبها ستة ابيات ، سوى قصيدة رقم (23) فانها يمكن ان تحسب على القصائد الطوال ، ويمكن ان نطلق عليها مصطلح قصائد قصيرة ، او قصائد الومضة ، الا انها تكتنز بالافكار ، والرؤى ، والصور الشعرية النابضة بالحياة ، حيث انها تعد قصائد فكرية ، تنقل ذهن المتلقي من حالة السكون والدعة الى حالة البحث عن شيء ما خلف ما يقرأ من شعر ، انه نص المعنى ، الا ان المعنى الذي يكتشفه المتلقي خلف الفكرة المطروحة في القصيدة لا تأتي من اللغة ، بل انها تأتي من دلالة الصورة المرسومة ، لان في الكثير من الاحيان تكون اللغة عاجزة عن تكوين صورة تحمل دلالة ، لهذا نجد القصيدة قد جاءت بهذا القدر من القصر .

مثل قصيدة :

(( لستَ هُنا، ولكنْ

كلُّ اللَّيالي يدُكَ عَلى كتفِي،

وبينَ أَصابعِكَ سيجارةٌ مُشتعلةٌ. ).

هناك شعر يكتب باللغة ، اي شعر يعتمد اللغة اساسا لتوصيل المعنى مثل جل شعرنا العربي ، وشعر يكتب بالافكار ، اي يعتمد الافكار لتوصيل المعنى ، ومن هذا الاساس تأتي صعوبة الترجمة له من لغة الى اخرى ، مثل القرآن ، فمن الصعب ترجمته لان المعاني التي تحملها افكار السور والآيات عسيرة على الترجمة ، فيما لو ترجمنا قطعة نثرية من خطب تلك الفترة لامكننا ان ننقل معناها كاملا وما تحمل من افكار .

***

تمتاز قصائد المجموعة ببنائها الذي يعتمد على ” المقابلة ” والتي هي احــــــــــــد عناصر البلاغة في القصيدة ، إذ تكفي لوحدها لبناء قصيدة افكار قصيرة كما هي عند الشاعرة :

(عندَما تأْتي؛

ظلِّي عَلى كتفَيْكَ.

عندَما تَذهبُ؛

أَظلُّ بلاَ ظلٍّ ) .

فبين ” تأتي ” و ” تذهب ” تطرح الشاعرة فكرة ما ، هذه الفكرة تنصب في المجال السردي الذي تتخذه القصيدة عن ” ظلها ” هي ، حيث تبقى هي بلا ظل عندما يذهب ،لان قلبها وكيانها معه ، مع الرجل .

او كما قالت في قصيدة اخرى :

(حِينَ نلتقي

تكونُ بينَنا مسافةُ دخانِ عدَّةِ سجائر،

وحِينَ لا نلتقي

كوبٌ منَ الشَّايِ السَّاخنِ إِلى جانبهِ سكَّرٌ

هذهِ التَّجربة دائمًا.).

فحالة المرأة تختلف بين أن يلتقيا ، وبين عدم اللقاء ، وهذه الحالة تكون مثيرة للذهن والذاكرة ، حيث يخلف اللقاء دخان سيكائر عديدة ، بينما يخلف اللا لقاء هدوء وسكينة يقطعهما كوب الشاي الساخن.

انها تجعل من هذه الوسيلة البلاغية ” المقابلة ” اداة لانتاج قصيدة فكرة قصيرة ، محملة بالرؤى ، والافكار ، والصور الشعرية.

***

وتمتاز قصائدها كذلك بمفردات لغتها المنتقاة من قاموس خاص بالشاعرة ، وهو منتخب من الواقع اليومي الذي تعيشه ، حيث منه تبني قصيدتها ذات الفكرة ، وقاموس لغتها هذه يتصف بالهدوء ، والرومانسية في بعض الاحيان ، وتظل متوهجة في ذاكرة الملتقي و لا تنطفيء او تتلاشى .

تقول الشاعرة في احدى قصائدها :

(أَنا مُنعَزلةٌ..

تريدُ دفنَ

كلَّ الضَّجيجِ فِي هذَا الشَّارعِ العَام بداخلِي؟!

لاَ تأْتِ بالقُربِ منِّي؛

دَعْ صوتَ أَجنحةِ الفراشَةِ

ليكُونَ مَسموعًا بداخِلي.).

فرق بين الانعزال وبين ان يكون حاضرا بقربها ، مثل الفرق بين ضجيج الشارع وبين صوت اجنحة الفراشة.

***

تلعب السيجارة ودخانها دورا كبيرا في اغلب قصائد المجموعة ، إذ انها تكون العمود الفقري لتلك القصائد ، تبقي المتلقي منتبها لما ستقوله القصيدة.

فالسيجارة علامة على الحالة النفسية التي يمر بها الشخص (بعض الاشخاص) ، وعندما تتأزم الامور بين شخصين ، كأن يكونا حبيبين ، ويجري بينهما حوار او نقاش ، تكون السكائر ودخانها الثقيل هي القصيدة نفسها :

(أَدورُ

داخلَ دُخانِ سيجارتِكَ الَّتي أَشعلتَها،

ومعَ آخرِ رشفةٍ مِنها

يَبقَى عَقبُها،

ولاَ شيءَ يَبقَى منِّي.).

وكذلك في القصائد المرقمة : 15 ، 18 ، 26 ، 27 ، 62 .

***

من الامور التي تهتم بها المرأة في اي مكان في العالم هو حريتها الحقيقية في كل شيء ، في الحياة والعيش الحر ، والتعليم ، واختيار الاخر … الخ ، و كذلك علاقتها بالرجل ، وهذه العلاقة تختلف من امرأة الى اخرى ، الا انها تبقى علاقة تجمعها مع الاخر من جنسها .

لقد طرحت الشاعرة هذه الامور في شعرها ، فجاءت قصائد المجموعة لتبرهن على ان الشاعرة هي امرأة كاملة ، نابضة بالحياة السوية ،فالرجل بالنسبة يتجسد في الخيال ، هو في الواقع مجسدا كحقيقة الا انه يبدو لها كخيال طالما تتصوره في خيالها الشاعري ، حيث يجسده خيالها كيفما شاءت:

(“أُحبُّكَ”.

كمْ كانَ خيَالي غبيًّا

حينَ ظنَّ أَنَّكَ

وحدك قلتها و الأنبياء ).

وتقول في قصيدة اخرى :

( جميعُ الخياراتِ مطروحةٌ علَى الطَّاولةِ؛

أَن ترسُمَ الصَّباحَ علَى كلماتِكَ.

أَن أَركُضَ بجانبِ غيابِكَ.

أَن نصلَ الى جملة تشبه اليدين ، الشفتين

أَنتَ لمْ تَزلْ

تَصبُّ الصَّمتَ فِي الكأس

وأَنا أَشربُ خيالك).

وعندما تريد الوصول للرجل فانها تتعذب كثيرا ، لانه ما زال خيالا يتراى لها :

(للوصُولِ إِليكَ

أَمشي عَلى حُروفِ مَيتةِ؛

ربَّما كلمةٌ تقولُ: آهٍ

معَ الكلمةِ المُصابةِ أَيضًا.

سأَمشي بجانبِ مسافاتِكَ.) .

ان قصائد الشاعر المترجمة الى العربية (و الترجمة خيانة) ، تحمل بين ابيات نصوصها الشعرية ابداعا بينا فتنقل لنا الحالة الفكرية للشاعرة من خلال الرؤى والصور الشعرية .