الإمبراطوريات تضمحل وتدخل مرحلة الإنحطاط

نظريّات وآراء في المدن الضخمة

الإمبراطوريات تضمحل وتدخل مرحلة الإنحطاط

يعقوب أفرام منصور

أربيل

في 29/1/2001 نشرت جريدة (العراق) مقالي عن الفيلسوف والمؤرّخ (شبنغلر) وكتابه في “تدهور الغرب”، وقد ضمّ كتابي الموسوم (بين الأصيل والغسق ..أنسام وأعاصير) هذا المقال، ومما ورد فيه أنّ الحضارة مؤلفة من أجيال بشرية، وأن التقدًم البشري غير موجود في هذه الأجيال، بل كل جيل  لا يقلّ حُمقًا عن سابقه، وهكذا الحال في كل الحضارات، كما لا يعتقد (شبنغلر) بوجود هدف للحضارة، فتعاقبها لا يعدو كونه عملية بايولوجية كالحياة نفسها، لكنه يرفض أن تكون الحياة مجرّد تكرار تفاهات إنسانية عديمة المعنى. وفي هذه النقطة يلتقي شبنغلر مع مصطلح برنارد شو “اللامنتمي”، وفصّل المصطلح بعدئذِ كولن ولسن الذي وصف في كتابه (اللامنتمي) كثيرًا من الأدباء الكبار الذين لا يقرّون جَريَ غالبية البشر خلفَ توافه الحياة التي تُلهيهم عن بلوغ مرتبة الإنسان السامي. فقد بعث شبنغلر فكرة الهدف (الغاية) والمصير الحضاري من جديد، و(اللامنتمي) شديد اللهفة على بلوغ الهدف والمعنى، واليوم غدت الحياة في حاجة مُلِحّة إلى بعث هذه الفكرة وتطبيقها، مع العلم أن شبنغلر نفسه وبرنارد شو وغوته ونيتشه ودستوفسكي وإليوت يُعَدّون في زمرة ” اللامنتمين”.

واليوم نطالع في مجلة (فكر وفن) الألمانية الموسوعية المرقّمة 87 لعام 2007 ، المخصّص لمحور (المدن العملاقة  والضخمة) بعد أن بات التحَضّر قوة يستحيل صدّها، ففي هذا العام (2007) ولأول مرة في تاريخ البشرية، فاق عدد سكّان المدن عدد سكّان الأرياف. ومع أن هذا التطوّر يُعد مشكلة حضارية كبيرة، لكنّ الخبراء والمتخصصين في هذا المجال الحيوي يغلب عليهم التفاؤل في إيجاد الحلول الناجعة، وأن لا خوفَ على الحضارة من “الإنحطاط” و”التدهور” اللذين أوردهما شبنغلر في كتابه المتسم بالتشاؤم وسوء المصير تحت عنوان (تدهور الغرب) الذي صدر في عام 1918 ، فقد قال فيه واصفًا طبيعة المدن العظمى في بداية القرن العشرين : ” ولا تسري في هذه المدن أيّ روح، وإنّما هي عبارة عن أرض متحجّرة” . في كتابه المذكور وضع مشهدًا نهائيًا مقجِعًا بشكل متميِّز، حيث الحياة سوف  تغدو في هذه المدن الكبرى أماكن تتجمّد  فيها الحياة لأن البشر يضحون فيها عُقَماء في أبدانهم وأرواحهم وأنفسهم، فتقدّم وارتقاء وتضخّم المدن ـ وهو فيلسوف التاريخ ـ هي عوامل تؤول بها إلى تدهور وانحطاط الغرب، بل الحضارة بأسرها.

وساق شبنغلر مثالين على كون تزايد المدن وتضخّمها يؤدّيان إلى صورة عن العالم السائر نحو “الأفول”، وهما : أولاً إعتقاده أن المجتمعات الكبرى تفقد قواها الفكرية والثقافية من خلال الإستيطان في المدن، لأن المدن منشآت متجمّدة وساكنة، لا تنبض بالحياة الإجتماعية، ولا يحدث فيها أيّ تجدد ثقافي، فضلاً عن أنها لا يتدفّق منها أيّ عظمة فكرية، بل ما يحدث فيها تجمّد الإنسانية. فنشوء أيّ مدينة عظمى يرمز إلى موت أيّ حضارة. وثانيًا إعتقاده أن نشوء المدن ينجم عنه تحوّل المدنيّات حتمًا إلى شبه إمبريالية، لأن المدن العظمى سوف تُمسي غرَضًا ووسيلة لتصرّف القوى العُظمى؛ فكما كاتت الحال في عهد الرومان (مثلاً)، ينشأ مصطلح (إقليم) أصلاً، حيث تفوز إمبراطورية ما بالسيطرة على مناطق أخرى كمنطقة البحر المتوسّط، أو تعلنها ـ إنطلاقَا من عاصمتها ـ إقليمًا تابعًا لها.

فكلام شبنغلر في هذا المثال الثاني، يذكّرنا بالإستكشافات الجغرافية في القرون 15 ـ 18 ، التي قامت بها الدوَل اليحرية الكبرى آنئذٍ : إسبانيا، البرتغال، إنكلترا، فرنسا، فاستملكوا أراضيَ وقارّات وأصقاعًا كانت مجاهلَ، وأنشأوا فيها القرى والمدن الصغرى ثم الكبرى، فآلت كلها بعد  عقود وقرون إلى مستعمرات!

في  مقال عن ثورة التمدين، وعدّ المدن مولّدات للتغيير، قالت الكاتبة الألمانية (إلزا هيلبريشت)، مخالفةً رأيَ واعتقاد وتصوّر شبنغلر بقولها : (لو كان شبنغلر مُحِقًا، ولو قليلاً فقط، في نظرياته المتعلّقة بفلسفة المدن والتاريخ، لأصبح مصير البشرية حاليًا سيئًا بدرجة لا تُقدّر، إذ سوف نكون كأموات ينتظرون من يبعث الحياة فيهم، ككائنات شبه مُنتِنة، تعافها النفس، لا تظهر نهارًا إلا لأنها إنشقّت عنها قبورها ليلاً وأظهرتها). وأردفت :” تنبّأ شبنغلر أن موعد إفول الغرب هو عام ألفين، وطبقًا لنظريته كنّا سنصبح متخلّفين بوجه خاص في جميع القارات لأننا لم نأبه لتحذيراته منذ أكثر من نصف قرن بأن الأقول سوف يكون من خلال انتشار المدن.”

لم أستصوب  تعقيب (إلزا) على رأي ونظريات شبنغلر لسببين، أوّلهما أنها أخذت كلمة (أموات) مأخذًا حرفيَّ المغزى، وليس معنويًا وثقافيًا وروحيًا وفكريًا واجتماعيًا ـ عن جهلٍ أو تجاهل ـ إذ في المدن الكبرى ولاسيما أحياء كثيرون هم في عداد الأموات بسبب جفاف طباعهم ويبوسة مشاعرهم وفردانيتهم وانغلاقهم على ذواتهم؛ همّهم الأوفى: الأكل والشرب والنوم والمال! وثانيهما أنها إستعملت  كلمة (أفول) للحضارة بدلاً من (تدهور) أو (إنحطاط) أو (سقوط)؛ فالفارق بين مفردتها وبين المفردات الأخرى التي تُطلق وأُطلقت على عنوان كتاب شبنغلر غير قليل. ففي حين يعني الأفول غيابًا واختفاءً، تعني الكلمات الأخرى تقهقرًا وتراجعًا وفسادًا وانحطاطًا وانهيارُا، وهذه المفردات الخمس إضافةً إلى (تدهور) تستغرق نسبيًا زمنًا أطول من (الأفول) كما هو معلوم لو أطلقنا الأفول على الشمس والقمر والنجم؛ ومعلوم أن سقوط وتدهور وانحطاط  الدول (والحضارات مثلها) يستغرق فترة تدوم أعوامًا وعقودًا وربما قرونًا، وتواريخ الدول والحضارات تشهد على ذلك. فهي لا تنقرض فجأةً في أوان عزّها وقوّتها، كالشجرة التي نَخَر فيها السوس عهدَا، أو كالنخلة التي رعت الأرضة في كيانها أعوامًا قبل سقوطها بريح حتى لو كانت دون العاصفة قوةً. ولا أدري إن كان الأستاذ محمد الحشاش مترجم بحث (إلزا هيلبريشت) ، المشار إليه آنفَا، كان دقيقًا في ترجمة البحث الذي وردت في نصّه كلمة (أفول) الملحَقة بالغرب والحضارة مرارًا عِدّة (ص11)، فهو لم يستعمل الشائع في هذا المطبوع المترجَم من أعوام عديدة، وأغلب هذا الشائع: (تدهور) و(إنحطاط)

والملاحَظ أنّ توقّع أو تنبؤ أو تخمين شبنغلر بالتدهور أو الإنحطاط قد قُدِّر أو خُمِّن له زمنٌ يستغرق 82 سنة، وإذا كان قد أخطأ في التقدير أو التخمين، فهذا ليس ما يُعاب عليه أو يُنتَقد بالشكل الذي صاغته الكاتبة (إلزا)، فثمانية عقود قدّرها شبنغلر في عام 1917 أو 1918 قياسًا على معلومات وتوقّعات وأحداث جسام ودلائل أخلاقية وبيئية واجتماعية إبان تلك الأيام في العقدين الأولين من القرن العشرين، الزاخرين بالتناحر والتهافت على التملّك والإستعمار حتى بلغت الذروة في الحرب العالمية الأولى التي تسببت في قتل عشرة ملايين وجرح 20 مليونًا. وأرى أن فترة الثمانية عقود التي توقّعها شبنغلر لتدهور الغرب آنئذٍ ليست قصيرة، ومعلوم أن أحوال الغرب، بعد أعوام فليلة من نهاية الحرب الكونية الأولى، عانت كسادًا شاملاً وأزمات إقتصادية ونفسية واجتماعية. أما أحوال الغرب بعد الحرب العالمية الثانية، فقد أمست أسوأ من أحواله التي تلت الحرب العالمية الأولى، أي أن التدهور تضاعف قوةً وسعةً حين انسلخ القرن العشرين مع ختام عام 2000 م، واستُهِلّ القرن الحادى والعشرون بكارثة وفاجعة 11 أيلول 2001 م في أضخم مدينة غربىة على سطح المسكونة! وكمثال على تدهور ثم سقوط الإمبراطوريات، نجد أن ألإمبراطورية العثمانية دخلت دور  الإضمحلال فالتدهور في القرن السابع عشر، ثم دور الإنحطاط في القرن 18 عندما غدت في وضعٍ نُعِتت فيه ” رجل أوربا المريض”، ثم دور الإنهيار والضعف في القرن 19 ، فالسقوط في بداية القرن العشرين. ونجد أن ألإمبراطورية الرومانية الغربية دخلت في طور الإنحلال مع مستهل حكم (كومودُس) في عام 180م، فطور الإضمحلال في القرنين الثالث والرابع، فطور الإنهيار والسقوط التام في القرن الخامس (476م). بيدَ أني أرى ملامح الإضمحلال فالتدهور ثم الإنحطاط فالسقوط قد لاحت للعيان والبصيرة والإحساس المسبَق بعد زهاء 20 عامًا من عام 1918 ـ أي في أواسط ثلاثينيات القرن العشرين، حين عمّ الغرب كساد مالي وتأزّم إقتصادي. وجدير بالذكر أن الدوَل الإستعمارية الكبرى في أوربا، مع مستهل الحرب العالمية الأولى إدّعت أنّ بواعث الحرب كانت إستجابة لنزعات التحرّر القومية التي تعتنقها كيانات صغرى وشعوب مُستضعفة، في حين لم تفعل تلك الدوَل المُدّعية ـ من خلال معاهدة سايكس بيكو ـ شيئًا لدعم تلك البواعث، ومنها لم تفِ بوعود (مكماهون) البريطاني في رسائله ـ المحررة قبل “سايكس بيكو” الى الملك حسين الهاشمي في الحجازـ لجعله ملكًا على أقطار شبه الجزيرة العربية، وهي الوعود التي حفّزت الجيش العربي في الحجاز بقيادة أنجال الملك حسين في الإسهام بعمليات عسكرية في إجلاء العثمانيين عن الديار العربية، لكنْ تقاسمتْها بريطانيا وفرنسا. ألا ينمّ هذا الإقتسام ونكث عهود مكماهون البريطاني على انحطاط أخلاقي لدى أحد أضخم رؤوس الساسة الإستعماريين وأعوانهم الرأسماليين الجشعين في الغرب الأوربي والأمريكي؟ وكان النفط حينئذٍ في طليعة  أطماعهم!  أليس هذا النهج في التعامل السياسي خير دليل على تدهور وانحطاط خُلقي سوف يؤدّيان إلى انهيار وسقوط حضاري غربي تام أولاً، مهما طال الزمن في الترقيع والترميم، يليه انهيار وسقوط حضاري كوني عام؟! أليس هذا النهج السياسي الوضيع، أسلوبًا وخُلُقًا، هو الذي أدّى إلى نشوب حرب عالمية ثانية زخرت بأهوال وفواجع، أقل ما يقال فيها : وقوع 30 مليون قتيل وضعف  هذا العدد جرحى ومُشوّهون ومفقودون، وكانت ذروة الكوارث والفواجع ما أصاب هيروشيما وناغازاكي في آب 1945 من تدمير وإهلاك وإحراق وتشريد وتلويث بيئي ومواليد مُتَسَرطِنة ومشوّهة حتى اليوم كشواهد على تلك الجريمة النكراء، الدالّة على انعدام الضمير في كبار رؤوس الحضارة الغربية؟ ماذا يدلّ انعدام ضمائر كهذه غيرَ  تدهور حضاري بدأ ، وانحطاط حضاري قابل؟! يعجّ الغرب بناطحات سحاب شامخة وبعمارات سكنية سامقة، لكنه يعجّ أيضًا بعواصم وحواضر كثيفة السكّان تتبختر وتختزن ملايين الأطنان من أسلحة الدمار الشامل؛ ألا تُعدّ هذه الوسائل المهيأة للعسف والسحق والحرق والتدمير تقهقُرًا حضاريًا وانحطاطًا مدنيًا؟! وما سبب كل هذا غير تضاعف عدد المدن الكبرى والضخمة، وتناقص سكّان الأرياف إلى حد يُنذر فيه بخطر جسيم مستطير على مآل الحضارة والمدنية في المستقبل وبشكل متفاقم؟! وماذا يقال في شأن الحروب الغاشمة التي شنّتها دُوَل متغطرسة بعد عام 1945 على كوريا، فيتنام، المجر، مصر، أفغانستان، العراق؛ وحروب مخطط لها وفق ” سايكس بيكو” ثانية(شرق أوسطية هذه المرة) من خلال الإستعانة بقوى ظلامية إرهابية سود، في حين مخططوها يدّعون محاربة تلك القوى الإرهايبة(!)، وكل هذا الإحتراب الأسود لمصلحة طامعين أشعبيين عنصريين والأثرياء المتخَمين والأمركة فالعولمة؟ أليست هذه الأفعال الجرمية الجماعية ضدّ شرعة حقوق الإنسان التي تبنّتها المنظمة العالمية التي أقيمت في عام 1945 لمنع نشوب الحروب؟! أمست حالة العالم المتحضّر اليوم في درجة من السوء إلى حد انتشار الأمراض المزمنة، وتصنيع رديء مؤذٍ للبيئة والإنسان، ومُهدِد لبقائه، والأسباب الحقيقية لكل هذه المساوئ ـ بحسب المُتخصصين ـ  هي تفشّي الروح المادّية في معظم الأمكنة، وتأثير السلطات الغاشمة واللامسؤولة في تشجيع التصنيعات الرديئة، ورمي الفضلات السامّة والمُشِعّة بشكل عشوائي وسافر؛ في حين أن البابا يوحنا بولص الثاني ـ على سبيل المثال ـ  دعا إلى حماية البيئة، ومِثله فعلت الكنيسة الكاثوليكية. فقد أسس البابا المذكور مركز اللاهوت والدراسات البيئية في كلية مار يوسف في مدينة (ماين) في عام 2008.  وكرد فعل على هذه الأحوال السيئة، برز على الساحة فريق من الملأ من خلال (حركة العصر الجديد)، إتجهوا نحوَ العصرنة والحداثة والعقلانية التنويربة، عدّوا العالم كُلاً عضويًا حيًا يحتاج إلى العلاج، فعدّوا أنفسهم المسؤولين عن القيام بهذا الأمر بالطُرق الروحية والشفائية والسحر والشعوذة، بدءًا بالأفراد، ثم العالم والطبيعة والأرض! فكان ذلك منهم ثالثة الأثافي حِيالَ الحضارة المُتَجَنّى عليها! فالتحضّر ليس بإقامة ناطحات السحاب فقط، والتفنن بتخطيط المدن الحديثة والضخمة منها بخاصّة،  في حين يُتاح الزِنى إلى حد التقديس وإشاعة وتحليل الشاذ منه، وتحليل الحروب الطاحنة ظُلمًا وعدوانًا وطمعًا.

وماذا نقول عن بحوث دوَلية تؤكّد زيادة فائقة في التشوّهات الولادية جرّاء أسلحة مُطَعّمة باليورانيوم؟ أليس هذا جرّاء التمادي في “إزدهار الحضارة الغربية” بدون أن يقترن باِلتزامات أخلاقية مناسبة، والعمل وفق تشريعات دوَلية، وضمائر حيّة نقيّة؟ وماذا نقول عن أعمال التجسس الأمريكية على دوَل حلفائها في الإتحاد الأوربي والبرازيل وغيرها، وماذا نقول عن  “جماعة محترفي صناعة الثورات” التي أشعلت ثورات في جورجيا وأوكرانيا وتونس وليبيا وسوريا ومصر وغيرها؟ وماذا نقول عن زحف كبير نحوَ الثقافة الإستهلاكية والمادّية، وعن منطق الربح السريع، وتنامي النزعة الفردانية،  ومقابل ذلك حدوث تراجع في دور الدين والأخلاق في الحياة؟ أليس كل هذا يترعرع في الكيانات  الحضَرية الضخمة، ويؤدّي إلى هبوط مستواها الأدبي والأخلاقي، وبالتالي إلى هبوط المستوى الحضاري؟

إن مخاطر العقلانية الصارمة سلبت مشاعر الإنسان السامية، وأدّت إلى تراجع القِيَم الإنسانية الرفيعة، ودفعت الإنسان إلى دوائر الإستلاب والإغتراب. وهذه المثالب كلها ناجمة عن تصاعد عدد المدن، والكبيرة منها خصوصًا، وتناقص الأرياف سكّانًا وعددًا، وهي تخلو من، أو تقلّ فيها هذه المثالب والمساوئ البيئية والصناعية والإجتماعية. لقد تحوّل العقل إلى طاغية، وتحولت العقلانية إلى قهر واستبداد، ولكنْ في حين لا مناصَ من خضوع الإنسان السَوي لعقله وتأمّلاته العقلية في تصريف أمور عيشه ووجدانه، لا ينبغي أن يكون الخضوع على حساب عواطفه ومشاعره وقِيَمه الخاصّة ومبادئه الرئيسة. أما مقولة شبنغلر ” عدم وجود هدف للحضارة” ـ ويقصد بالهدف (غاية من وجوده) فتنطبق على غالبية البشر في هذا العصر. فالهدف والغاية من الوجود الحضاري مرتبطان بالأديان المنزَلة والتوحيدية والكتابية، وقد شرحتُ ذلك بتفصيل وافٍ في كتابي المعنون (تلميذ الناسك  و”الغاية “) الصادر في عام 2004.

أختم بحثي بإيراد مقارنة موجزة بين العيش في المدن الكبيرة والضخمة ، والعيش في المدن الصغيرة والأرياف ، إذ نجد أنّ سكّان القرى والمدن الصغيرة أسعد حالاً وأقلّ إجرامًا وتَحايُلاً وأيقظ ضميرًا، وأسلم أعصابًا، وأكثر حميميّةً وودًأ في ما بينهم، من سكّان المدن الكبيرة والضخمة.