الإفتراضات النصية وكينونة القصة

رغبات مؤجلة لعبد الكريم مراد مثالاً

الإفتراضات النصية وكينونة القصة

محمد يونس

القص الوصفي – عملت آليات الكتابة في قصص – رغبات مؤجلة –على نمط قلما تجده في الكتابة السردية للبنية القصصية، حيث اعتمدت شخصية المؤلف كذاكرة نصية، لكن ليست بصيغة سارد فاعل، بل بصيغة اقرب ما تكون للراوي الذي يملك جزء من الحقائق، لكنه تبث ليس عبر ذاكرته فقط، بل هناك مشاركة لوعيه من جهة، ومن جهة اخرى لأحاسيسه وشعوره ووجدانه، وقد بث هذا الجزء من الحقائق وصفا، فكانت اغلب تلك القصص هي من نمط القصة الوصفية، والتي قصد بها القاص عبد الكريم حسن مراد بناء النص عبر الوصف من داخله، وجعل البعد الذاكراتي هو للتأثيث واملاء كيان القصة الخارجي، وهنا كانت حركة الشخوص في القصص مقصوصة، فيما مشاعرهم هي منصوصة، وكونها تتوافق بشكل كبير مع الوصف، استخدمه تقنيا القاص، واغلب القصص هيمن مقط الوصف على اغلب الأجزاء في بنية كيانها، وقد قام المؤلف بنسب خارجية واخرى داخلية في تحقيق صفة  – الراوي الوصفي الداري -، والتي تسمى افتراضا – الراوي العليم – بدور حيوي في تحريك كيان انموذجه القصصي، ودون استغراق غير موضوعي، او خضوع لسلطة الوصف العصيبة، لتبتعد به وتشتت نصه، فكان يعي متى يصف ومتى يسرد، والقصص قد اكدت ذلك المسعى، فقصة – صلاة – ذات العنونة الفردة والتي يفترض ان محت ما قبلها او قامت بمحو ما بعدها، في تفسيرنا للعتبة المفردة، وتلك القصة ليست ارسطية الصفة، وتلك الصفة ساعد الوصف في تأكيدها، كما اكد المؤلف دوره الحيوي كطاقة وهي استثمار للوعي الذاتي داخل النص، حيث ترد اسماء نصوص تاريخية تمثل الأساس لمقومات السد العربي، مثل – سندباد – ايضا قصة – شيرين وفرهاد – وقد وردت على إنها نصوص ادبية، وهذا يعني هي ارتباطها السياقي بشخصية المؤلف الداخلية، وفي قصة – ايقاع الذاكرة – نجد المؤلف يكون واصف لكينونته خارجيا وداخليان ويربط نفسه مرة يحيز الوجودين واخرى يكون في نصوصية تحيل الى معنى مختلف، ويوحي لنا بنفسه كمؤلف، حين يلملم اوراقه ليحيلنا لا الى القصة كمظهر قصصي، بل الى النص بوصفه متخيل ادبين يحرك وحدة الزمن وفق مقتضيات ضرورة تلزمه، وهناك قصة – رغبات مؤجلة – والتي انابت عن القصص الاخرى جميعا كعنونة رئيسة، وهي نجد فيها الوصف يرسم لنا كيانين لانجد لهما دليلا ملموسا، حيث هما يتحركان بنسب زمنية خارج التوصيف العام، وكأنهما موجودان من جهة، وغير موجودين من جهة اخرى، ولايشكل ذلك عائقا زماكانيا، كون قد مثل الوصف حالة من تحقيق وجود كينوني يقابل معنى مفترض، قد احالنا اليه القاص منذ لحظة استهلال النص، فكأن هناك لعبة، وان المرأة هي من يدرك ويفهم سر تلك اللعبة، وتلك الاحالة الأبتدائية قد اثمرت في ازاحة الالتباس من وعي التلقي، وقد تماهى الوصف بإزمنة عدة ببلاغة وتوقد وانفعال من لدن المؤلف .    نشاط شخصيات

نصوص المكان وشخوص القص– شكل المكان ككيان قصصي احد واجهات اغلب القصص، ليس فقط كجهة تأثيث ، او اسناد لنشاط الشخصيات، بل ككيان يتقابل مع شخصية المؤلف التي كانت هي الشخصية المحورية في اعلب القصص، والتي كانت مرة تكون كذات اجتماعية، تتحرك بنمو الحدث الى الأمام، ومن ثم ترسم معالم نشاطها كسارد مفترض، ومرة من خلال الوعي وتكون هنا الشخصية محسوسة، وليس مشهودة كسابقتها، واغلب القصص كان فيها تقابل داخلي بين المؤلف كذات وبين هو في كيان سارد مفترض، فقصة – ليلة خلاص المهرج – والتي تميزت بقيمتها في الافكار الحيوية للفضاء القصصي، يتواجه تلكما الكيانان، فأحدهما هوذات المؤلف الذي يندمج بكيان النص في اطاره القصصي، ويمثل واجهة بشرية لذلك الاطار، ويحتل ماكنه بصفته شخصية قصصية، فيما يقوم مقابله الذي بصره بالمرآة هو شبيه له، لكن بثياب مهرج يكون، وهذا المقابل هو الشخصية الأيقونية في القصة، والتي هو يمثل كيان النص المنصوص، وذلك التقابل دلاليا مهم، وكما إن له قيمة اعتبارية في الأدب القصصي، وكما هنا يتصاعد المد الجمالي في القصة خارج خط تحرك الحدث نحو الناهية لبلوغ نتيجته، التي تتاكد في المنطق الدخلي للقصة، وكان المكان هو الوحدة الزمانية والتي بها تتأكد وجودية الشخصيتين، ونجد في قصة – تمرد ظل – يكون للمكان تاثيره النوعي على تشكل القصة الغرائبية الطابع، لكن كون الشخصية قد اكتسب الصفة الزمانية عبر المكان، ورسخت كذات اجتماعية، لا تتأثر معالجة الخيال الأدبي، والتي سعى فيها الى جعل الشخصية ايكلوجيا تعيش صراعا، فبدل التعبير التصوري عن ذلك الصراع النفسي، ابدلها القاص عبد الكريم حسن مراد بظل الشخص، والذي قام بالتمرد عليه وسلب ارادته، وقصة – اغنية من دخان – التي تحيل فيها العتبة النصية الى تعالق يتحقق بالتدريج، ويتأكد عند انتهاء القصة، والقصة مؤطرة بشجن، ينم بتبدل الأمكنة التي يكون توافقها يختلف من مكان الى اخر، وقد شكل المكان الاساس وهو – المقهى – وحدة اتاحة لمستويات دلالية، تتطور عبر ما يتيحه الدخان المتصاعد من ارجيلة احد الجالسين في المقهى، حيث نعرف بإن زمن الدخان متحرك وفق ما يرسمه من خيالات، وسينوغرافيا هي مستويات بصرية دلالية وليس اشارية، ويحسب للقاص محو اجزاء من المقهى لتكون مسمى وليس بواقع محض، ويخرج المكان هنا من صفته التقليدية، ويكون للشخوص طاقة مضافة للتعبير عن كينوناتهم .

تحديد الجنس

القص الضامر مخالفا لشكله – ان ملامح القصة القصيرة جدا الضامرة واضحة في الافق الابداعي اليوم، لكن دون تحديد تام إجناسيا، والبعض لا يكتب القصة الضامرة بتخطيط اولي والسعي على المحافظة على إطار تحديد الجنس والالتزام بالأسس ومقومات الكتابة في هذا الجنس الادبي، وإن القصة الضامرة هي لا تخرج عن عوامل بناء القصة القصيرة جدا، بل تثبت ذلك عبر مقومات البناء ، من لغة الى زاوية قص واحدة ، الى شخصية احادية ، وسطح املس محدد التوجه، تتحرك عليه الشخصية لتحقيق النتيجة وحل العقدة، لكن المفارقة آليا توقف ذلك السعي، وفقدان أي مقوم اساس يؤثر على اطار الجنس، وهناك مواد ادبية مكتوبة هي بلا هوية ، فيما كاتبها يجنسها عبر حسه الادبي بجنس معين، والقصة الضامرة أو الكبسولة لا تختلف أبدا عن القصة القصيرة جدا، وهي توأم لها رغم اختلاف المساحة، التي ترتبط بإيقاع العصر ومقوماته، وقد برععبد الكريم حسن مراد في توظيف نماذج من القص الضامر في ثنايا مجموعته – رغبات مؤجلة – بوعي ودربة ومحافظة والتزام باشتراطات البناءن اضافة الى أنه قام بالتنويع الايقاعي والسعي لبلوغ مستوى جمالي مقنع له وللتلقي ايضا .

 تميزت مجموعة – رغبات مؤجلة – بالتنوع الأيقاعي في التوظيف ورسم وحدات بناء حركية مرة ومرة ثابتة، داخل كيان القصة الواحدة حتى، لكن نقفهنا على مفارقة شكلية، فهناك قصص بدت وكإنها قد ضمرت وتحجمت تقنيا، لتكون باتالي بحجم اطلقنا عليه  في كتابنا عن القصة القصيرة جدا – القص الضامر – وهو احد انواع الكتابة السردية الجديدة في بناء القصة القصية جدا، فكانت القصص القصيرة جدا في المجموعة قد وردت على شكل تتابعي، كانت ممثلة لاطار الجنس، وجميعا قد مثلت القسم الخاص بجنس القصة القصيرة جدا، وهي قصص – كرسي الظل – ارهابيون – تخلف ظل – هروب – شلال – صوت جهوري – حلم ولدي –اللامألوف – كآبة – جسد ضاوي – وقد تناوبت ابعاد الشكل القصصي في الطول، وإن كان ذلك ليس مدعاة لتوكيد البنية القصصية لهذا النوع من الكتابة، وقد اوجز فيها القاص واوسع هدف قصته، واتاح امعناها اشغال بال التلقي، ومفاجأته بنهاية مصطنعة بديلة، هي قد الغت النهاية الطبيعية وحلت محلها، وعد ذلك النمط من الكتابة، هناك نمط اخر ايضا قد اخذ موقعه في ثنايا الكتاب، حيث كان نوع – السيناريو القصصي – حاضرا في المجموعة، وكان احد امثلت التحولات الفنية في المجموعة من نوع كتابة الى اخر .