في حياة المجتمعات المتمدنة يعتبر الإعلام وسيلة مهمة، من هنا سمي بالسلطة الرابعة. وعليه فإن من مهام الكاتب والصحفي تقصي الحقيقة ونشرها لأن في ذلك مسؤولية قديرة لبناء الدولة وتطور المجتمع. كما على الكاتب والصحفي والباحث في الشأن السياسي والاقتصادي والمجتمعي والإداري للدولة، التأكد من مصادر معلوماته قبل تقديمها للجمهور. بمعنى آخر، السعي لجمع الأخبار والبيانات والمعلومات المتعددة من مصادر موثوقة وبشكل دقيق، إذ إن التحقق من ذلك قبل النشر يعتبر أمرا أساسيا في حرفة الصحافة.
وبما أن الدستور، ونتحدث هنا عن الشأن العراقي، يتضمن مواد قانونية تكفل حرية الصحافة والرأي والتعبير. لكننا نضيف، أن يكون وفق معايير أخلاقيات ومبادئ مهنة الصحافة المتعارف عليها عالميا وليس ان يصبح وسيلة تتحكم بها قوى سياسية حسب ما تقتضيه مصالحها. إنما على الإعلام أن يسهم في تعزيز مبدأ الشفافية والمساءلة في المجتمع من خلال نشر المعلومات والتقارير حول أحداث مختلفة على سبيل المثال لا الحصر: كشف الفساد والممارسات غير الأخلاقية كالرشوة والاعتداء على حقوق المواطنين ونهب ممتلكاتهم. أو دفع المسؤولين للتحقيق واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم. إذ إن إي جرم مسيء يقوم به المسؤول، هو إساءة للدولة والمجتمع، بل تجاوز على شرعيتهما أخلاقيا وقانونيا، وعليه، لا حصانة تكفل المسؤول ولا قانون يعفيه المثول أمام القضاء. إلى جانب ذلك، على الكاتب والصحفي ووسائل الإعلام والثقافة المساهمة في توعية الجمهور بقضايا مهمة تؤثر في حياتهم ومجتمعهم. أيضا، تسليط الضوء على أهم القضايا الاجتماعية والبيئية والاقتصادية والسياسية التي يعاني منها المجتمع. وبالتالي ستسهم هذه المسؤوليات في تحسين الوعي العام بالإضافة إلى ضمان حماية حرية التعبير والرأي والصحافة ونقل الأخبار والآراء دون قيود غير مبررة، مما يعزز التفاعل المجتمعي الديمقراطي وتبادل وجهات النظر المختلفة وتوجيه الجمهور نحو فهم أعمق للمواضيع المعقدة والتحديات المجتمعية وتحليل الأحداث وتقديم وجهات نظر مختلفة حولها.
مع ذلك، يجب أن نلاحظ أن هذا الدور يحمل مسؤوليات كبيرة تفرض على الإعلاميين والكتاب أن يكونوا دقيقين وموضوعيين في تقديم المعلومات، وأن يتجنبوا التحيّز والشخصنة. إنما الالتزام بأعلى معايير الأخلاقيات المهنية والحفاظ على جودة ومصداقية دورهم في نشر الحقيقة.
إن من أولويات المؤسسة الإعلامية والعاملين فيها، صحافيين وكتاباً وباحثين ومفكرين، تحمل المسؤولية الأخلاقية والحرفية تجاه «حقوق المجتمع المغتصبة»، وهي مجموعة من الحقوق المفقودة التي يتعرض لها المجتمع العراقي نتيجة للفساد والرشوة والحيف السياسي والطائفي. منها على سبيل المثال لا الحصر: حق المواطن في توفير التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والتعليم والصحة والعدالة والكهرباء، إلى جانب تلك التي تؤثر في جودة حياة الأفراد والمجتمع بأكمله كالعمل والسكن والضمان الاجتماعي وتحسين مستوى المعيشة العائلية.
إذن، ماذا يتطلب من الإعلام عمله؟: إن يلعب دورا مهما في توعية الجمهور حول تأثيرات الفساد والرشوة على حياتهم ومجتمعهم. وإن يكن هناك استنكارا واضحا للأوضاع التي تتسبب في خرق حقوق المجتمع. ومنها استمرار المطالبة بمحاسبة المسؤولين واتخاذ إجراءات صارمة ضد الممارسات غير القانونية، بالإضافة إلى دعم جهود تعزيز الشفافية والمساءلة في المؤسسات والحكومات من خلال ممارسة أساليب الاحتجاج للضغط على المشرع تعزيز التشريعات والقوانين التي تهدف إلى منع الفساد ومعاقبة المفسدين. على أن تكون هذه القوانين صارمة ومنصفة، ويجب تطبيقها دون تمييز. كما يجب ممارسة الضغط لتعزيز شفافية العمليات المالية والمشتريات الحكومية لمنع الفساد، وأن يكون هناك نظام دقيق لتتبع استخدام الموارد المالية العامة من خلال تفعيل أو إقرار قانون (من أين لك هذا) وتوفير التثقيف والتوجيه القانوني للمحافظة على تنمية مستدامة وعادلة للأفراد والمجتمع.
























