الإعلام‭ ‬و‭ ‬الحقائق‭..‬مسؤولية‭ ‬متبادلة‭ ‬بين‭ ‬التوثيق‭ ‬وحرية‭ ‬التعبير- عصام الياسري

في‭ ‬حياة‭ ‬المجتمعات‭ ‬المتمدنة‭ ‬يعتبر‭ ‬الإعلام‭ ‬وسيلة‭ ‬مهمة،‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬سمي‭ ‬بالسلطة‭ ‬الرابعة‭. ‬وعليه‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬مهام‭ ‬الكاتب‭ ‬والصحفي‭ ‬تقصي‭ ‬الحقيقة‭ ‬ونشرها‭ ‬لأن‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مسؤولية‭ ‬قديرة‭ ‬لبناء‭ ‬الدولة‭ ‬وتطور‭ ‬المجتمع‭. ‬كما‭ ‬على‭ ‬الكاتب‭ ‬والصحفي‭ ‬والباحث‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬والمجتمعي‭ ‬والإداري‭ ‬للدولة،‭ ‬التأكد‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬معلوماته‭ ‬قبل‭ ‬تقديمها‭ ‬للجمهور‭. ‬بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬السعي‭ ‬لجمع‭ ‬الأخبار‭ ‬والبيانات‭ ‬والمعلومات‭ ‬المتعددة‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬موثوقة‭ ‬وبشكل‭ ‬دقيق،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬قبل‭ ‬النشر‭ ‬يعتبر‭ ‬أمرا‭ ‬أساسيا‭ ‬في‭ ‬حرفة‭ ‬الصحافة‭.‬

وبما‭ ‬أن‭ ‬الدستور،‭ ‬ونتحدث‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬الشأن‭ ‬العراقي،‭ ‬يتضمن‭ ‬مواد‭ ‬قانونية‭ ‬تكفل‭ ‬حرية‭ ‬الصحافة‭ ‬والرأي‭ ‬والتعبير‭. ‬لكننا‭ ‬نضيف،‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬وفق‭ ‬معايير‭ ‬أخلاقيات‭ ‬ومبادئ‭ ‬مهنة‭ ‬الصحافة‭ ‬المتعارف‭ ‬عليها‭ ‬عالميا‭ ‬وليس‭ ‬ان‭ ‬يصبح‭ ‬وسيلة‭ ‬تتحكم‭ ‬بها‭ ‬قوى‭ ‬سياسية‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬تقتضيه‭ ‬مصالحها‭. ‬إنما‭ ‬على‭ ‬الإعلام‭ ‬أن‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬مبدأ‭ ‬الشفافية‭ ‬والمساءلة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نشر‭ ‬المعلومات‭ ‬والتقارير‭ ‬حول‭ ‬أحداث‭ ‬مختلفة‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭: ‬كشف‭ ‬الفساد‭ ‬والممارسات‭ ‬غير‭ ‬الأخلاقية‭ ‬كالرشوة‭ ‬والاعتداء‭ ‬على‭ ‬حقوق‭ ‬المواطنين‭ ‬ونهب‭ ‬ممتلكاتهم‭. ‬أو‭ ‬دفع‭ ‬المسؤولين‭ ‬للتحقيق‭ ‬واتخاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬القانونية‭ ‬اللازمة‭ ‬بحقهم‭. ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬إي‭ ‬جرم‭ ‬مسيء‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬المسؤول،‭ ‬هو‭ ‬إساءة‭ ‬للدولة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬بل‭ ‬تجاوز‭ ‬على‭ ‬شرعيتهما‭ ‬أخلاقيا‭ ‬وقانونيا،‭ ‬وعليه،‭ ‬لا‭ ‬حصانة‭ ‬تكفل‭ ‬المسؤول‭ ‬ولا‭ ‬قانون‭ ‬يعفيه‭ ‬المثول‭ ‬أمام‭ ‬القضاء‭. ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬على‭ ‬الكاتب‭ ‬والصحفي‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬والثقافة‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬توعية‭ ‬الجمهور‭ ‬بقضايا‭ ‬مهمة‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬ومجتمعهم‭. ‬أيضا،‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬أهم‭ ‬القضايا‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والبيئية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬التي‭ ‬يعاني‭ ‬منها‭ ‬المجتمع‭. ‬وبالتالي‭ ‬ستسهم‭ ‬هذه‭ ‬المسؤوليات‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬الوعي‭ ‬العام‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ضمان‭ ‬حماية‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬والرأي‭ ‬والصحافة‭ ‬ونقل‭ ‬الأخبار‭ ‬والآراء‭ ‬دون‭ ‬قيود‭ ‬غير‭ ‬مبررة،‭ ‬مما‭ ‬يعزز‭ ‬التفاعل‭ ‬المجتمعي‭ ‬الديمقراطي‭ ‬وتبادل‭ ‬وجهات‭ ‬النظر‭ ‬المختلفة‭ ‬وتوجيه‭ ‬الجمهور‭ ‬نحو‭ ‬فهم‭ ‬أعمق‭ ‬للمواضيع‭ ‬المعقدة‭ ‬والتحديات‭ ‬المجتمعية‭ ‬وتحليل‭ ‬الأحداث‭ ‬وتقديم‭ ‬وجهات‭ ‬نظر‭ ‬مختلفة‭ ‬حولها‭.‬

مع‭ ‬ذلك،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬يحمل‭ ‬مسؤوليات‭ ‬كبيرة‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬الإعلاميين‭ ‬والكتاب‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬دقيقين‭ ‬وموضوعيين‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬المعلومات،‭ ‬وأن‭ ‬يتجنبوا‭ ‬التحيّز‭ ‬والشخصنة‭. ‬إنما‭ ‬الالتزام‭ ‬بأعلى‭ ‬معايير‭ ‬الأخلاقيات‭ ‬المهنية‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬ومصداقية‭ ‬دورهم‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬الحقيقة‭.‬

إن‭ ‬من‭ ‬أولويات‭ ‬المؤسسة‭ ‬الإعلامية‭ ‬والعاملين‭ ‬فيها،‭ ‬صحافيين‭ ‬وكتاباً‭ ‬وباحثين‭ ‬ومفكرين،‭ ‬تحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والحرفية‭ ‬تجاه‭ ‬‮«‬حقوق‭ ‬المجتمع‭ ‬المغتصبة‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الحقوق‭ ‬المفقودة‭ ‬التي‭ ‬يتعرض‭ ‬لها‭ ‬المجتمع‭ ‬العراقي‭ ‬نتيجة‭ ‬للفساد‭ ‬والرشوة‭ ‬والحيف‭ ‬السياسي‭ ‬والطائفي‭. ‬منها‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭: ‬حق‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والبيئية‭ ‬والتعليم‭ ‬والصحة‭ ‬والعدالة‭ ‬والكهرباء،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬حياة‭ ‬الأفراد‭ ‬والمجتمع‭ ‬بأكمله‭ ‬كالعمل‭ ‬والسكن‭ ‬والضمان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وتحسين‭ ‬مستوى‭ ‬المعيشة‭ ‬العائلية‭.‬

إذن،‭ ‬ماذا‭ ‬يتطلب‭ ‬من‭ ‬الإعلام‭ ‬عمله؟‭: ‬إن‭ ‬يلعب‭ ‬دورا‭ ‬مهما‭ ‬في‭ ‬توعية‭ ‬الجمهور‭ ‬حول‭ ‬تأثيرات‭ ‬الفساد‭ ‬والرشوة‭ ‬على‭ ‬حياتهم‭ ‬ومجتمعهم‭. ‬وإن‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬استنكارا‭ ‬واضحا‭ ‬للأوضاع‭ ‬التي‭ ‬تتسبب‭ ‬في‭ ‬خرق‭ ‬حقوق‭ ‬المجتمع‭. ‬ومنها‭ ‬استمرار‭ ‬المطالبة‭ ‬بمحاسبة‭ ‬المسؤولين‭ ‬واتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬صارمة‭ ‬ضد‭ ‬الممارسات‭ ‬غير‭ ‬القانونية،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬جهود‭ ‬تعزيز‭ ‬الشفافية‭ ‬والمساءلة‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬والحكومات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ممارسة‭ ‬أساليب‭ ‬الاحتجاج‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬المشرع‭ ‬تعزيز‭ ‬التشريعات‭ ‬والقوانين‭ ‬التي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬منع‭ ‬الفساد‭ ‬ومعاقبة‭ ‬المفسدين‭. ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬القوانين‭ ‬صارمة‭ ‬ومنصفة،‭ ‬ويجب‭ ‬تطبيقها‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭. ‬كما‭ ‬يجب‭ ‬ممارسة‭ ‬الضغط‭ ‬لتعزيز‭ ‬شفافية‭ ‬العمليات‭ ‬المالية‭ ‬والمشتريات‭ ‬الحكومية‭ ‬لمنع‭ ‬الفساد،‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬نظام‭ ‬دقيق‭ ‬لتتبع‭ ‬استخدام‭ ‬الموارد‭ ‬المالية‭ ‬العامة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تفعيل‭ ‬أو‭ ‬إقرار‭ ‬قانون‭ (‬من‭ ‬أين‭ ‬لك‭ ‬هذا‭) ‬وتوفير‭ ‬التثقيف‭ ‬والتوجيه‭ ‬القانوني‭ ‬للمحافظة‭ ‬على‭ ‬تنمية‭ ‬مستدامة‭ ‬وعادلة‭ ‬للأفراد‭ ‬والمجتمع‭.