الإعجاز القرآني في أنواع الذاكرة

الإعجاز القرآني في أنواع الذاكرة

يختلف الانسان عن الحيوان بقدرته على تذكر الاحداث الماضية وكذلك التخطيط الدقيق والتوقع لما قد يحدث في المستقبل ، ولعل معظم الحيوانات لاتملك تلك القدرة المذهلة او انها لا تسطيع تقدير الامور في المستقبل ولذلك هي تعيش يومها ساعة بساعة ودقيقة بدقيقة، اضافة الى ان ليس لها القدرة على تذكر الاحداث الماضية الا الشيء البسيط بما ينقذ حياتها من الخطر او انها تتذكر نوعاً معيناً من الطعام او مكان تختبئ فيه .

من اشهر الحيوانات التي تتعرض للافتراس في البرية وبالتالي تتعرض لخوف مفاجئ وخطر مستمر كل يوم هو حيوان الحمار الوحشي وذلك نتيجة لتعرضه لهجوم من قبل الاسد والمعروف بافتراسه لتلك الحيوانات ، وعندما يهرب الحمار الوحشي وينجو من الافتراس خلال عدة دقائق فانه ينسى كل ذلك الخطر والتفكير في تلك المواقف ويعيش حياته الطبيعية اليومية ، وذلك ما اوضحه عالم (الاعصاب الدكتور روبرت سابولسكي من جامعة ستانفورد ) في كتابه ( لماذا لاتصاف الحمر الوحشية بالقرحة ) موضحا الى ان الحمار الوحشي لا يصاب ابدا( بقرحة المعدة او الامعاء) لان تفكيره بالخطر لا يبقى فترة طويلة بل هو آني ووقتي ولانه يمتلك (ذاكرة قصيرة الامد) لتلك المواقف المفزعة ولذلك فانه لا يصاب بمرض القرحة في المعدة ، وذلك عكس الانسان الذي يمتلك (ذاكرة طويلة الامد )تجعله يستخدم تلك الذاكرة بشكل مستمر في تذكر الاشياء السيئة فقط والتفكير بالخطر غير الموجود اصلا لفترات طويلة ومستمرة مسببة له تلك الامراض المزمنة فالانسان يفكر وكأن تلك الاحداث تجري في الوقت الآني او كأنه يعيشها في الواقع الحي وذلك كله وهم مما يجعل جسمه عرضة للامراض المزمنة ومنها مرض القرحة في الجهاز الهضمي ، ولكن اذا استخدم ذاكرته الطويلة فقط للاشياء الجيدة والسعيدة و عاش الحياة في امل وتفائل فانه يكون بعيدا عن الامراض تلك المزمنة.

لقد صورت لنا الايات (49 )و (50 )و (51) من سورة (المدثر) ذلك المشهد بين (الحمر ) وهي جمع لـ (الحمارالوحشي )وبين (القسورة) هو الاسد المفرد وعلاقة ذلك بالتذكر والذاكرة ، فقد اشارت الاية(49) من سورة المدثر الى الاعراض عن التذكرة وهو الذاكرة طويلة الامد لدى الانسان وتشبيه ذلك الوضع بموقف الحمر التي في حالة حالة استنفار و (مستنفرة ) اي في حالة فزع وخوف شديدين دلالة على الضغط الشديد من الخوف من الافتراس وذلك دلالة على استخدام الحمار الوحشي (الذاكرة القصيرة الامد ) فقط بعد فرارها من الاسد وتشبيه ذلك باعراض المرء عن استخدام (الذاكرة طويلة الامد ) للشيء المفيد ، بالاضافة الى ان الاية (52) اشارت الى ان المرء يريد ان يؤتى صحف منشورة دلالة على عدم استخدامه للذاكرة الطويلة الامد بل يريد التذكر بقراءة تلك (الصحف) و كذلك اشارت الاية (53) انهم لا يتذكرون ولا يخافون من الاخرة في المستقبل والذي تؤكد عليه الاية (54) وتحث على تذكر ذلك المستقبل الاية (55) من نفس السورة . اما الايات (39)و (40) فهي تعتبر ان اصحاب اليمين وانهم في الجنات دلالة على استخدامهم للذاكرة الطويلة الامد في البشارة والاخبار السعيدة وتسائلهم كذلك عن المجرمين الذين نسوا الدار الاخرة . نلاحظ ذلك التصوير القرآني المتقن يدل على اعجاز القرآن من كل النواحي العلمية منها علم الاعصاب وعلم الحيوان والطب وعلم الوقاية من الامراض المزمنة.

غلام محمد هايس –  البصرة