

د.فيان فاروق
تحتضن مكتبة الإسكندرية، التي تزخر بأكثر من مليون ونصف المليون كتاب و120 ألف مخطوطة، افتتاح أعمال معرض “الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود” تحت عنوان “طلال.. تاريخ تقرأه الأجيال”. ويأتي اختيار المكان موفقاً ودالاً على عمق العلاقة الوطيدة بين المحتفى به والمكان. فقد كان الأمير طلال -ولا يزال- موضوعاً ثرياً يغري بالبحث والدراسة، إذ يمثل عالماً معرفياً وثقافياً وفكرياً متكاملاً، تجسّدت فيه طموحات لا تحدّها حدود، وحلمٌ برؤى تَقرب المملكة من الحداثة وتسارع التحضر في العالم.
لذلك، أسس لمرتكزات مشروعه التنموي الذي يوفّر أسباب النهوض بالواقع الاجتماعي، عن طريق الدعوة إلى احترام الآخر وحرية التعبير وتمكين المرأة والفكر التنويري. وما حلم به الأمير طلال أصبح يظهر اليوم بوضوح في مسيرة المملكة.
ليس المعرضُ مجردَ حدثٍ عابرٍ عن شخصية تقليدية، بل هو رحلةٌ عبر إنجازاتٍ استثنائية في مجالات الحياة المختلفة. وما كان يتمناه أن تحققه مؤسسات الدولة، سعى لتحقيقه على أرض الواقع بجهد فردي يوازي عمل المؤسسات الكبرى، فنفذ أحلامه لمستقبل المملكة بهدوءٍ وصبر استثنائي، عبر إنشاء منظمات المجتمع المدني التي تهتم بحقوق الطفل والمرأة، وإنشاء مشاريع البنوك التي تقدم قروضاً للمشاريع الصغيرة، ومناداته بحرية المرأة وحقوق الإنسان. لم يكن أسير الأحداث، بل صانعاً لها ومشكّلاً لمسارها وقائداً لها، شجاعاً في قراراته وحكيماً في توقيتها، صلب الإرادة دون أن يتفرد برأيه، فكان يستشير من يثق بعلمهم وكفاءتهم.
وما نراه في أروقة مكتبة الإسكندرية من صور ووثائق وكتب ومقتنيات، تحكي قصصاً ومواقفَ ورؤى وسلوكاً إنسانياً نبيلاً. إننا إزاء قامة فكرية ومعرفية وإنسانية قلّما يجود بها الزمان. فكل صورة تفتح نافذة على إرث عظيم. هذا المعرض ليس للاستذكار فحسب، بل للاستلهام، بوصفه خريطة طريق للمستقبل.
كذلك قصة وفاء، حمل لوائها الأمير عبد العزيز بن طلال، الذي أولى هذا المعرض عناية فائقة، وأشرف على تفاصيله ليكون أكثر من مجرد حدث ثقافي؛ ليكون رسالةَ وفاءٍ وجسراً يربط بين ذاكرة الأب العميقة ووعي الأجيال الجديدة. إن وجود الأمير عبد العزيز خلف هذا العمل يبعث رسالة بليغة: إن إرث الأمير طلال لم يكن مجرد صفحاتٍ من الماضي، بل هو نورٌ يُسلَّم من جيل إلى جيل، ليستمر في إضاءة الحاضر وإلهام المستقبل.
























