الأنا والأنا الآخر في ضمير مستتر

عندما يشكّل النص وحدة العمل الشعري

 

الأنا والأنا الآخر في ضمير مستتر

 

علوان السلمان

 

 

 

بغداد

 

النص الشعري انحراف وانزياح عن المألوف من القول..فضلا عن انه عالم متقاطع مع الواقع والذاكرة..عبر مغامرة الانتقال المضطرب بين اللحظة الحاضرة والتي مرت لتشكيل المتخيل المستقبلي بتفجير مكامن اللغة وتهريبها من خزينها الكامن في روحها لبناء نص متجاوز بجنونه المحبب من خلال الإلهام..الرؤيا..الحلم..المشتركات التي تشكل البناء المعماري للنص الشعري الذي هو فن التوافق بين الواقعي والتخييلي من اجل خلق صورة جمالية تسهم في تحريك ونبش الخزانة الفكرية عبر التأمل المفضي للتأويل لتحقيق مشتركات التلقي القرائي(المتعة والمنفعة)..كونه معطى ثقافيا يسبح في بؤرة فنية متعددة المحاور القابلة للاستنطاق..

 

و(ضمير مستتر) المجموعة الشعرية التي نسجت عوالمها أنامل مبدعها مالك مسلماوي البابلية.. واسهم المركز الثقافي للطباعة والنشر في نشرها وانتشارها/2014..كونها نصوصا تتحرك وفق منظومة صورية تقوم على الإدراك الواعي..اذ(تتشابك فيها الدلالات الفكرية والعاطفية في لحظة من الزمن..)على حد تعبير ازرا باوند..كونها طاقة شعرية متميزة ببنائها الذي توزع ما بين السردية والدرامية والحوار الذاتي(المونولوجي) وضربة ادهاشية تشكل جزء من حركة النص..فتقدم نسقا شعريا يقوم على انتزاع الصور الحسية المتوالدة في الذهن والمتميزة بعمق دلالتها باعتماد تقنية السطر الشعري المكثف باستخدام اللفظ سياقيا وتركيبيا من اجل إثراء الصورة وكثافة المعنى..ابتداء من العنوان الدلالة السيميائية المكتظة بالأبعاد الرامزة والتي تنتج متسعا من الفراغ لمواجهة الداخل..كونه محتضنا لفكرة المجموعة بتركيز وتكثيف وايجاز جملي بعيدا عن ضمير النحو..فهو علامة لسانية تحيل الى مضمون النص وتكشف عن بنيته الدلالية ومجمل تحركاته الدرامية فضلا عن انه بؤرة الإثارة التي تعلن هيمنتها على النص و تؤدي وظيفتها الايحائية

 

” كل يوم

 

أحظى بموت

 

لا صحة له..

 

اجمع أشيائي

 

وأعود بلا

 

شيء

 

:

 

كل يوم

 

انتظر الله

 

تحت نصب

 

الحرية

 

ولا

 

:

 

:

 

:

 

نلتقي..

 

…. /ص7 ـ ص8

 

فالنص بمقاطعه يشكل وحدة في الفعل الشعري والاستدلالي والانفعالي الشعوري باتكائه على مركزية داخلية وزمن نفسي(كل يوم) الذي يتكرر دائريا داخل الخطاب فكان فعله فاعل في تصعيد النص جماليا وتأثيريا.. كونه من الظواهر الأسلوبية التي تعكس موقفا نفسيا وانفعاليا فضلا عن دوره الإيقاعي المحقق للذة والتوازن النفسي..فضلا عن ان بنيته ولغته وتركيبه متحرر من سلطان البيت الشعري الفراهيدي..اذ اندماج الشكل والمضمون في النسيج الشعري شكل وحدة الفعل وكشف عن براعة فنية بتوهج اللغة المتدفقة من وجدان شعري متفاعل و (الأنا) الجمعي الاخر:

 

” الشرق يحترق

 

والغرب يتدفأ

 

على نار

 

وقودها

 

:

 

الناس

 

والحجارة

 

………… /ص54

 

وقوله:

 

 

” مازال يهذي

 

حتى تبين الخيط

 

الأسود

 

…..

 

من الخيط

 

الاسوأ.. ”                 /ص87

 

فالشاعر يعتمد عدة رؤى تطرح نفسها بشكل مقطعي مكثف متفاوت في جمله الشعرية التي تعمل على الانزياح اللغوي والتناص الذي هو (علاقة تفاعلية بين نصين سابق وحاضر لإنتاج نص لاحق..)..فضلا عن انه من التقنيات الفنية التي تمنح النص ثراء وغنى..لذا فالشاعر يلتقط نصوصا قرآنية : (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة اُعدت للكافرين….) البقرة/24..و(كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) البقرة/187.. مستثمرا طاقتهما الإيحائية التي تتجلى دلالاتها في فضاء ينسجم والمنحى الفكري الذي ينطلق منه الشاعر فيشكل نصا مقصودا من اجل شحن الجملة جماليا وفنيا بفعله الاستعاري هذا..

 

…………

 

” الحمار

 

فعل كل شيء

 

من

 

اجل

 

العربة

 

: :

 

العربة

 

عضت على اصبعها

 

حين اكتشفت

 

:

 

بان الذي

 

يقودها

 

:حمار

 

/ص21 ـ ص22

 

فالشاعر يتفاعل مع مكونات النص برؤية ونسق هارموني بعيد عن الضبابية بتوظيف اللفظة الفاعلة داخل العبارة بانزياحاتها وتداعيات وقعها في المتلقي..لذا فهو يغوص وراء المعاني والصور المبتكرة مع استخدام الإيهام الشعري بتطويع لغته الشعرية وتفجير طاقتها الإيحائية وقدرتها المجازية التي تميزت بعمقها الرمزي وطابعها الإيحائي وجرأتها على الانزياح..من اجل خلق عوالم ورؤى حداثية متميزة بصورها المجسدة للمضامين والأفكار على المستوى الدلالي والنفسي :

 

” أي شيء ستقوله

 

ليدك

 

وهي تلوح لامرأة

 

تختبئ

 

تحت جلدك…؟ ”                /ص73

 

فالنص تتجسد فيه انسيابية الالفاظ الخالقة لصورها الشعرية بوصفها فعالية تخرج اللغة من بعدها المتداول الى بعدها المجازي التأويلي..لذا فالمفردة عنده تشكل منطقة الظل للعبور من خلالها الى عالم الرؤية الشعرية المتشكلة صوريا..والمعبرة عن نزعة وجدانية مع تسامي العبارة حد الانزياح الذي يعد من الاشتغالات اللغوية والحسية والبنيوية المتموسقة داخل عوالم النص..فضلا عن ان الشاعر يستثمر تقانات فنية منها التقابل والتضاد من اجل تفجير الطاقة اللغوية بما تستحضره الذاكرة..

 

إضافة الى توظيفه تقانة التقطيع الكلمي وانسنة الجماد للتعبير عن الحالة النفسية وصراع الذات والموضوع من اجل خلق نص شعري يغوص في شعرية تحاول تجاوز المألوف لتشكل بؤرة الرؤية الحداثية للمنتج..

 

وبذلك قدم الشاعر نصوصا تميزت بقدرتها التكثيفية التي تشتغل ضمن الشعرية الحداثية المكتنزة بالرؤى والمعاني بما يؤكد قول النفري الصوفي(كلما ضاقت العبارة اتسعت الرؤيا)..فضلا عن احتفائها بالتعددية الدلالية في بنيتها النصية وتراكيبها الجملية وصياغتها وتيمتها مع حدة المفارقة الاستعارية والكنائية في التعبير التصويري..