استقالة المحافظ واسئلة البصرة – رافد جبوري

اعادني‭ ‬خبر‭ ‬استقالة‭ ‬محافظ‭ ‬البصرة‭ ‬الدكتور‭ ‬ماجد‭ ‬النصراوي‭ ‬ومغادرته‭ ‬للعراق‭ ‬الى‭ ‬ذكريات‭ ‬لقائي‭ ‬الوحيد‭ ‬به‭ ‬اثناء‭ ‬اخر‭ ‬زيارة‭ ‬لي‭ ‬للبصرة‭ ‬قبل‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭. ‬يومها‭ ‬كان‭ ‬الدكتور‭ ‬ماجد‭ ‬في‭ ‬سنته‭ ‬الاولى‭ ‬في‭ ‬منصبه‭ ‬وكنت‭ ‬انا‭ ‬موفدا‭ ‬من‭ ‬هيئة‭ ‬الاذاعة‭ ‬البريطانية‭ ‬BBC‭ ‬اغطي‭ ‬الانتخابات‭ ‬البرلمانية‭ ‬العراقية‭ ‬وقد‭ ‬حرصت‭ ‬على‭ ‬اختيار‭ ‬البصرة‭ ‬مركزا‭ ‬لتغطيتي‭ ‬لاكثر‭ ‬من‭ ‬سبب‭ ‬اهمها‭ ‬انها‭ ‬كانت‭ ‬مركزا‭ ‬للمواجهة‭ ‬بين‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬العراقي‭ ‬السابق‭ ‬نوري‭ ‬المالكي‭ ‬وخصومه‭ ‬من‭ ‬الاحزاب‭ ‬الشيعية‭ ‬الرئيسية‭ ‬الاخرى‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬اهمية‭ ‬البصرة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بالتاكيد‭.‬

حاول‭ ‬سكرتير‭ ‬المحافظ‭ ‬ان‭ ‬يضغط‭ ‬لكي‭ ‬اعطيه‭ ‬الاسئلة‭ ‬قبل‭ ‬اللقاء‭ ‬فاجبته‭ ‬بلطف‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬غير‭ ‬ممكن‭ ‬ولكنني‭ ‬اعطيته‭ ‬فكرة‭ ‬عن‭ ‬محاور‭ ‬اللقاء‭. ‬لم‭ ‬يرق‭ ‬له‭ ‬ذلك‭ ‬وحاول‭ ‬ان‭ ‬يلغي‭ ‬المقابلة‭ ‬اثناء‭ ‬استعداد‭ ‬كادر‭ ‬التصوير‭ ‬المرافق‭ ‬لي‭. ‬تدخل‭ ‬الدكتور‭ ‬ماجد‭ ‬بنفسه‭ ‬بلطف‭ ‬ايضا‭ ‬واخبر‭ ‬سكرتيره‭ ‬بانه‭ ‬جاهز‭ ‬ولايمانع‭. ‬حدثته‭ ‬عن‭ ‬سوء‭ ‬الخدمات‭ ‬التي‭ ‬لمستها‭ ‬في‭ ‬البصرة,‭ ‬عن‭ ‬نهر‭ ‬العشار‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬جميلا‭ ‬ورومانسيا‭ ‬وصورة‭ ‬على‭ ‬كارتات‭ ‬التهنئة‭. ‬اعربت‭ ‬له‭ ‬عن‭ ‬صدمتي‭ ‬من‭ ‬روية‭ ‬التمر‭ ‬المستورد‭ ‬من‭ ‬ايران‭ ‬وغيرها‭ ‬مسيطرا‭ ‬اثناء‭ ‬تجوالي‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬التنومة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬للتمر‭ ‬العراقي‭ ‬البصراوي‭. ‬اقر‭ ‬الدكتور‭ ‬ماجد‭ ‬بالمصاعب‭ ‬وحدثني‭ ‬عن‭ ‬رويته‭ ‬ومشاريعه‭ ‬التي‭ ‬يريد‭ ‬ان‭ ‬ينجزها‭ ‬لمدينته‭ ‬ومحافظته‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬تركها‭ ‬في‭ ‬شبابه‭ ‬لاجئا‭ ‬الى‭ ‬ايران‭ ‬ثم‭ ‬الى‭ ‬استراليا,‭ ‬ليعود‭ ‬الى‭ ‬العراق‭ ‬بعد‭ ‬‮٢٠٠٣‬‭ ‬قياديا‭ ‬في‭ ‬المجلس‭ ‬الاعلى‭ ‬الاسلامي‭ ‬العراقي‭ ‬بزعامة‭ ‬عائلة‭ ‬الحكيم‭. ‬

اجربت‭ ‬معه‭ ‬مقابلتين‭ ‬واحدة‭ ‬بالعربية‭ ‬واخرى‭ ‬بالانكليزية‭. ‬اهم‭ ‬ما‭ ‬مثله‭ ‬وصول‭ ‬النصراوي‭ ‬الى‭ ‬منصب‭ ‬المحافظ‭ ‬كان‭ ‬انه‭ ‬انتخب‭ ‬من‭ ‬تحالف‭ ‬شمل‭ ‬الحكيميين‭ ‬والصدريين‭ ‬والعلمانيين‭ ‬والسنة‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬المحافظة‭. ‬اجتمعوا‭ ‬كلهم‭ ‬ضد‭ ‬قائمة‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬المالكي‭ ‬ليزيحوا‭ ‬محافظه‭ ‬خلف‭ ‬عبد‭ ‬الصمد‭ ‬وينصبوا‭ ‬النصراوي‭ ‬بعد‭ ‬انتخابات‭ ‬عام‭ ‬‮٢٠١٣‬‭ ‬‭. ‬النقطة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬الدكتور‭ ‬ماجد‭ ‬يركز‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬حديثه‭ ‬معي‭ ‬هي‭ ‬التجديد‭ ‬والتغيير,‭ ‬لم‭ ‬ازر‭ ‬البصرة‭ ‬بعد‭ ‬تلك‭ ‬الزيارة‭ ‬التي‭ ‬عدت‭ ‬منها‭ ‬حزينا‭ ‬لواقع‭ ‬المدينة‭ ‬المر‭ ‬وخدماتها‭ ‬السيئة‭. ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬لم‭ ‬تصلني‭ ‬اي‭ ‬اخبار‭ ‬جيدة‭ ‬من‭ ‬البصرة‭. ‬كل‭ ‬من‭ ‬التقيهم‭ ‬من‭ ‬البصريين‭ ‬يحدثونني‭ ‬عن‭ ‬تدهور‭ ‬في‭ ‬الخدمات‭ ‬الاساسية‭. ‬

تصاعدت‭ ‬موخرا‭ ‬الحملات‭ ‬والاتهامات‭ ‬بالفساد‭ ‬ضد‭ ‬النصراوي‭ ‬وابنه‭ ‬حتى‭ ‬قيل‭ ‬ان‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق‭ ‬للمجلس‭ ‬الاعلى‭ ‬عمار‭ ‬الحكيم‭ ‬قد‭ ‬رفع‭ ‬يده‭ ‬عن‭ ‬دعم‭ ‬النصراوي‭. ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬انشقاق‭ ‬المجلس‭ ‬الاعلى‭ ‬ليجرد‭ ‬النصراوي‭ ‬من‭ ‬غطاءه‭ ‬السياسي‭.  ‬اعلان‭ ‬النصراوي‭ ‬استقالته‭ ‬جاء‭ ‬خلال‭ ‬افتتاحه‭ ‬للجسر‭ ‬المعلق‭ ‬بين‭ ‬مركز‭ ‬مدينة‭ ‬البصرة‭ ‬وقضاء‭ ‬شط‭ ‬العرب‭ (‬التنومة‭).‬محاولة‭ ‬هي‭ ‬لتوثيق‭ ‬انجاز‭ ‬منتظر‭ ‬سيسهل‭ ‬حركة‭ ‬النقل‭ ‬البري‭ ‬في‭ ‬البصرة‭ ‬وسيمثل‭ ‬معلما‭ ‬جميلا‭ ‬وسطها‭. ‬كلفة‭ ‬الانجاز‭ ‬كانت‭ ‬‮٧٠‬‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬تقريبا‭. ‬وهذا‭ ‬المبلغ‭ ‬هو‭ ‬اقل‭ ‬من‭ ‬عائدات‭ ‬تصدير‭ ‬نفط‭ ‬البصرة‭ ‬ليوم‭ ‬واحد‭.  ‬غادر‭ ‬النصراوي‭ ‬البصرة‭ ‬الى‭ ‬ايران‭ ‬ثم‭ ‬الى‭ ‬استراليا‭ ‬قائلا‭ ‬انه‭ ‬ذاهب‭ ‬للحج‭ ‬فيما‭ ‬قال‭ ‬منتقدوه‭ ‬انه‭ ‬هرب‭ ‬من‭ ‬العدالة‭. ‬قال‭ ‬اثناء‭ ‬استقالته‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬اعتقالات‭ ‬اجريت‭ ‬ضد‭ ‬موطفين‭ ‬في‭ ‬المحافظة‭ ‬وانهم‭ ‬يتعرضون‭ ‬للتعذيب‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬ان‭ ‬يشهدوا‭ ‬ضده‭. ‬وقال‭ ‬ان‭ ‬المنصب‭ ‬هو‭ ‬الحصانه‭ ‬الوحيده‭ ‬وانه‭ ‬بدونه‭ ‬لن‭ ‬يحظى‭ ‬بمعاملة‭ ‬عادلة‭ ‬امام‭ ‬القانون‭.  ‬ربما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الدكتور‭ ‬ماجد,‭ ‬وهو‭ ‬الطبيب‭ ‬المتخصص,‭ ‬اكثر‭ ‬دقة‭ ‬في‭ ‬تشخيصه‭ ‬لقال‭ ‬انه‭ ‬الغطاء‭ ‬السياسي‭ ‬وليس‭ ‬المنصب‭. ‬فالاحزاب‭ ‬الحاكمة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬تحمي‭ ‬مرشحيها‭ ‬ضد‭ ‬اتهامات‭ ‬الفساد‭ ‬وغيرها‭. ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬النادرة‭ ‬التي‭ ‬تتم‭ ‬فيها‭ ‬ادانتهم‭ ‬فتتكفل‭ ‬تلك‭ ‬الاحزاب‭ ‬بحمايتهم‭ ‬واعادتهم‭ ‬سالمين‭ ‬غانمين‭ ‬الى‭ ‬بلدان‭ ‬هجرتهم‭ ‬وهذا‭ ‬ماحدث‭ ‬مثلا‭ ‬مع‭ ‬وزير‭ ‬التجارة‭ ‬السابق‭ ‬من‭ ‬حزب‭ ‬الدعوة‭ ‬عبد‭ ‬الفلاح‭ ‬السوداني‭. ‬في‭ ‬حالة‭ ‬النصراوي‭ ‬انهار‭ ‬الغطاء‭ ‬السياسي‭ ‬مع‭ ‬انشقاق‭ ‬المحلس‭ ‬الاعلى‭ ‬ومغادرة‭ ‬زعيمه‭ ‬عمار‭ ‬الحكيم‭ ‬له‭ ‬ليؤسس‭ ‬حزبا‭ ‬جديدا‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬له‭ ‬ان‭ ‬يحمل‭ ‬اعباء‭ ‬الماضي‭ ‬ومنها‭ ‬تجربة‭ ‬الحكومة‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬البصرة‭ ‬التي‭ ‬عول‭ ‬الحكيم‭ ‬ويعول‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬شئ‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬السياسي‭ ‬فيها‭.  ‬لا‭ ‬اعرف‭ ‬ان‭ ‬كان‭ ‬النصراوي‭ ‬سيحج‭ ‬ام‭ ‬سيختفي‭ ‬لا‭ ‬اعلم‭ ‬ان‭ ‬كان‭ ‬سيعود‭ ‬للبصرة‭ ‬ام‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬استراليا‭.‬ولا‭ ‬استطيع‭ ‬طبعا‭ ‬ان‭ ‬اعرف‭ ‬حقيقة‭ ‬كونه‭ ‬مذنبا‭ ‬ام‭ ‬بريئا‭ ‬فقد‭ ‬شكك‭ ‬هو‭ ‬بالاجراءات‭ ‬والتحقيقيات‭ ‬ولا‭ ‬يبدو‭ ‬انه‭ ‬سيتقبل‭ ‬المحاكمة‭ ‬والمسائلة‭. ‬تهمة‭ ‬تسييس‭ ‬القضاء‭ ‬معروفة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وتهمة‭ ‬التعذيب‭ ‬لانتزاع‭ ‬الادلة‭ ‬هي‭ ‬ايضا‭ ‬من‭ ‬اكبر‭ ‬ما‭ ‬يشوه‭ ‬سير‭ ‬العدالة‭ ‬والقانون‭.  ‬ما‭ ‬ساحاول‭ ‬ان‭ ‬اراقبه‭ ‬هو‭ ‬مدى‭ ‬تذكر‭ ‬البصريين‭ ‬له‭ ‬كلما‭ ‬عبروا‭ ‬الجسر‭ ‬المعلق‭ ‬على‭ ‬شط‭ ‬العرب‭ ‬او‭ ‬نظروا‭ ‬لدعامة‭ ‬الجسر‭ ‬من‭ ‬بعيد‭. ‬اي‭ ‬موقع‭ ‬سيكون‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬قائمة‭ ‬محافظي‭ ‬البصرة‭ ‬بعد‭ ‬‮٢٠٠٣‬؟‭ ‬ساتذكر‭ ‬كلماته‭ ‬حين‭ ‬التقيته‭ ‬عام‭ ‬‮٢٠١٤‬‭ ‬عن‭ ‬التغيير‭ ‬والامل‭ ‬والمواطن‭ ‬وكلماته‭ ‬اللطيفة‭ ‬وهو‭ ‬يدعوني‭ ‬لزيارة‭ ‬اخرى‭ ‬للبصرة‭ ‬لمتابعة‭ ‬نتائج‭ ‬عمله‭. ‬زيارة‭ ‬لم‭ ‬تحصل‭ ‬ولن‭ ‬تحصل‭ ‬وعمل‭ ‬اترك‭ ‬الحكم‭ ‬عليه‭ ‬للبصريين‭. ‬ساتذكر‭ ‬كلمات‭ ‬الغضب‭ ‬والاستياء‭ ‬الممزوجة‭ ‬بشئ‭ ‬من‭ ‬اليأس‭ ‬حول‭ ‬وضع‭ ‬البصرة‭ ‬التي‭ ‬سمعتها‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الزيارة‭ ‬من‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬البصريين‭ ‬الطيبين‭ ‬والتي‭ ‬ما‭ ‬زلت‭ ‬اسمعها‭ ‬منهم‭ ‬كلما‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬مناسبة‭. ‬ساتذكر‭ ‬صوت‭ ‬مضخات‭ ‬سحب‭ ‬النفط‭ ‬من‭ ‬احد‭ ‬ابار‭ ‬حقول‭ ‬الرميلة‭ ‬العملاقة‭ ‬التي‭ ‬زرتها‭ ‬حينذاك‭ ‬وعن‭ ‬تساؤلي‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬قائما‭: ‬متى‭ ‬تتحول‭ ‬ثروة‭ ‬البصرة‭ ‬الى‭ ‬خير‭ ‬يلمسه‭ ‬البصريين‭ ‬ومتى‭ ‬تقوم‭ ‬دولة‭ ‬للقانون‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬تحاكم‭ ‬الفاسدين‭ ‬بعدالة‭ ‬وكفاءة‭ ‬و‭ ‬حزم‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬تعذيب‭ ‬وانتهاكات‭ ‬واذلال‭ ‬ومن‭ ‬غير‭ ‬ان‭ ‬يردعها‭ ‬غطاء‭ ‬سياسي‭ ‬يحمي‭ ‬الفاسدين‭. ‬