استفزاز إيراني في غير محله

استفزاز إيراني في غير محله
عامر راشد
أثارت زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى جزيرة أبو موسى الإماراتية المحتلة علامات استفهام محيرة من حيث توقيتها وغاياتها السياسية، فرغم إدعاء طهران بأن الزيارة طبيعية ولم يكن وراءها أي قصد، ولا تعني أن الحكومة الإيرانية غير ملتزمة بالاتفاقيات مع دولة الإمارات العربية المتحدة، إلا أنه لا يمكن نفي طابعها الاستفزازي، بل وإدراجها في أطار توتير غير مبرر، خاصة بالنظر إلى إبداء دولة الإمارات الحرص على سياسة حسن الجوار مع إيران، ورفض أي عدوان عسكري عليها، والالتزام باتفاق التهدئة معها فيما يتصل بملف الجزر الثلاث المحتلة منذ العام 1971، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى ، وذلك إفساحاً بالمجال في اتجاه البحث عن آلية مناسبة لإنهاء الخلاف.
الزيارة في توقيتها تزامنت مع انتهاء مباحثات اسطنبول، بين إيران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا، بشأن الملف النووي الإيراني، وقد سُمعت خلال المباحثات تصريحات متفائلة بإمكانية الوصول إلى اتفاق شامل يرضي كل الأطراف، ما دفع مجموعة 5 1 إلى إعطاء طهران مهلة خمسة أسابيع لبلورة ردودها على المقترحات التي عرضت عليها. من هنا فإن ما أدت إليه الزيارة من تصعيد إعلامي بين إيران من جهة، ودولة الأمارات ودول مجلس التعاون الخليجي وغالبية الدول العربية في الجهة المقابلة، يبدو تصرفاً شاذاً، ولا يخدم المصلحة الإيرانية في تخفيف الضغوط الدولية، إلا إذا كان المقصود من وراء هذا الاستفزاز أن تعزز طهران موقفها إزاء استحقاقات اجتماع اسطنبول، وهي بذلك تنطلق من تقدير خاطئ، لأن رفض دول الخليج العربي التغطية على أي عدوان عسكري أمريكي أو إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية يعدّ أحد العوامل الرئيسية التي تمنع شن العدوان، وإن لم يكن العامل الحاسم بالقياس إلى الاحتمالات غير المؤكدة في نجاح العمل العسكري، لما سيواجهه من صعوبات ميدانية ولوجستية، وآثار قد تخرج عن نطاق السيطرة.
ناهيك عن أن دول مجلس التعاون الخليجي تتخذ جانب الحذر في الاستجابة للدعوات الأمريكية والأوربية المطالبة بتأييد فرض عقوبات اقتصادية على إيران. ويشار هنا إلى أن الإمارات العربية المتحدة تعتبر من أكبر الشركاء التجاريين لإيران في المنطقة، وتربطها بها علاقات سياسية جيدة، شكّلت المواقف الإماراتية المرنة من الملفات الإقليمية الساخنة أرضية للحفاظ عليها ومنع تدهورها، والمثال الأبرز على ما سبق الموقف الإماراتي من الأزمة السورية، وإلى حد ما الأزمة البحرينية، وتطورات الأوضاع في العراق، بما هي ثلاث قضايا رئيسية تحتل بلا منازع سلم الأولويات في السياسات الجيوستراتيجية الإيرانية، لأنه يتوقف عليها مستقبل النفوذ الإيراني في ميزان نسق القوى الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط.
كما أنه لا يمكن فهم دواعي ما جاء في خطاب الرئيس نجاد من حديث عن الحضارة الفارسية أمام حشد جُله من أبناء جزيرة أبو موسى الإماراتية المحتلة، فلا أحد ينكر عراقة الحضارة الفارسية والدور الذي لعبته في الحضارة الإنسانية، وعمليات التمازج والتثاقف بينها وبين الحضارة العربية في رحم الثقافة الإسلامية، لكن من غير اللائق بالحضارة الفارسية استحضار أمجادها على أرض الجزيرة الإماراتية المحتلة.
مرة أخرى لا بدّ من الإشادة بالرد الإماراتي المتعقل على زيارة الرئيس نجاد، إذ طالبت حكومة الأمارات نظيرتها الإيرانية بـ التخفيف من التوتر والعودة إلى طاولة المفاوضات بتوقيت محدد، وأجندة واضحة، تكون نتائجها واضحة، وذلك بالاتفاق على حل الموضوع، أو الذهاب إلى محكمة العدل الدولية .
وبالمقابل استهجان الخطوة الإيرانية التي تنقصها الحكمة، والتي لا شك في أنها تنبئ عن مؤشرات سلبية إلى التوجهات الإيرانية تجاه هذا الملف المتدحرج منذ أربعين عاماً، فزرع بذور الفوضى في هذه المنطقة الحيوية من العالم سيدفع ثمنها الشعب الإيراني وشعوب دول الخليج العربي أولاً، وستنعكس آثارها السلبية المدمرة على كل شعوب المنطقة، وستهدد بنتائجها الاستقرار العالمي، بدل تعزيز الثقة والشراكة بين دول وشعوب المنطقة بمواقف بناءة تساعد على بلورة حل سلمي لقضية الجزر الإيرانية المحتلة.
وحريُّ بالحكومة الإيرانية إدراك حقيقة أن أي خطوات ذات طابع استعراضي، من قبيل زيارة الرئيس نجاد لجزيرة أبو موسى، لا يمكن لها أن تفرض أمراً واقعاً يلغي عروبة الجزر الإماراتية أرضاً وسكاناً، وهو ما تؤكده تجارب الشعوب في التاريخ المعاصر.
وعلى الحكومة الإيرانية أن تدرك أيضاً حقيقة أن أبناء الشعوب العربية عموماً يتطلعون إلى علاقات قوامها حسن الجوار والسلم والعيش المشترك مع أبناء الشعب الإيراني، انطلاقاً من أواصر التاريخ والجغرافيا والمبادئ الأخلاقية السامية للحضارتين العربية والفارسية، والتطلع إلى مستقبل مشرق. ولا ريب في أنّ الشعب الإيراني يشاطر جيرانه العرب في هذا، وهو ما يعزز الأمل في أنْ تراجع الحكومة الإيرانية سياساتها بخصوص قضية الجزر الإماراتية المحتلة، بالتوقف عن الاستفزاز، والاستعاضة عن ذلك بالجنوح نحو حل سياسي متوافق عليه بين إيران ودولة الإمارات العربية المتحدة.
/4/2012 Issue 4178 – Date 19 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4178 التاريخ 19»4»2012
AZP02