ارتدادات سقوط النظام ـ عماد فارس النداف

ارتدادات سقوط النظام ـ عماد فارس النداف
مما لا شك فيه أن التدخل الخارجي، في المسألة السورية، ضمن سياق مشروع ما سُمي بـ الربيع العربي كان على درجة عالية من الذكاء والحنكة. فالمتتبع لتطور الأحداث وتسارعها المتهور، يكتشف بعد دراسة وتحليل عميقين، كم هو هذا الذكاء مرتكز على فجوات وأخطاء تصل الى مستويات متقدمة وواقعية في بنية الدولة والمجتمع السوريين. فقد تمّ الاشتغال طويلاً على استثمار هذه الأخطاء ـ عند الطلب ــ وأقصد بكلمة الاشتغال أي التحضيرالعلمي والممنهج سواء كان المسبق، أو، مع بدء، وأثناء الأحداث السورية الدامية، وما يدلل على ذلك، هي الاعترافات المتعددة والتي بُثت عبر وسائل الاعلام والصادرة عن المقبوض عليهم. فهناك الأخصائيون منهم بعلم الاجتماع والديانات والاعلام والخبراء العسكريين، وخبراء المتفجرات… ناهيك عن أن الأرض السورية غدت مسرحاً فعلياً وخصباً لأجهزة الاستخبارات العالمية بكل المستويات.كل هذا يؤشر الى ضراوة الصراع وبالتالي على معركة حامية الوطيس. وحتماً، ليس بسبب أخطاء حكومة، ولا من أجل مطالب شعبية برزت متزامنة مع المشروع. مع العلم، أنه تم التعامل مع هذه المطالب من جهة الحكومة بإيجابية. لكن المفاجأة الكبرى بل والصدمة، كانت بهذا التظهير الاعلامي المتلفز والعنكبوتي الهائلين، مما جعل الكثيرين يتخبطون في تصديق وتحليل ما يجري، سواء كان في داخل سوريا، أو في خارجها. فالقاصي والداني يعلم علم اليقين أن الدولة السورية كمنظومة قوانين وتشريعات، على الأقل، تحاول التجدد والتأقلم مع ما يفرضه التطور العالمي. وخير دليل على ذلك أن سوريا قد سجلت، خلال العشر سنوات الأخيرة، نمواً اقتصدياً كبيراً وشهدت انفتاحاً عالمياً، وأصبحت منافساً دولياً في انتاج بعض المواد الغذائية الاستراتيجية كالقمح والزيتون والقطن. فقد سجلت انتاج 4 ملايين طن من القمح عام 2010، وأصبح عدد الأشجار المثمرة من الزيتون 90 مليون شجرة منتجة في نفس العام، والرقم تصاعدي.
بالمقابل لهذا الازدياد، لا يجب أن ننكر ان الفساد ازداد أيضاً، والأخطاء تراكمت أكثر، فأكثر. ولكن، والأهم هو أنه، بالكاد كان يوجد من هو فقير، أو على الأقل، من كان فقيراً لم يعدم وسيلة العيش. من غذاء، وملبس ومسكن. ثم انه، هذا البلد، سوريا، كان من الدول القليلة في العالم المكتفي ذاتياً بقدراته وثرواته الوطنية. فسكانه يأكلون مما يزرعون ويصدرون لجيرانهم، ويلبسون مما ينسجون، ويتعافون بدوائهم الوطني. جاء مشروع الغرب بقيادة أمريكية وتنسيق اقليمي لوجستي ليستثمر في هذه البلاد مستغلاً الأحداث. وليدمر ويخرب بشكل ممنهج ومخطط كل ما هو وطني والاعتماد على الذات وبالتالي ليفرض التبعية له، كما اعتاد مع آخرين في الاقليم. فما بناه الشعب السوري بخبرته وبيديه لبنة على لبنة، منذ استقلاله عن فرنسا عام 1946، هو بتخطيط وتنفيذ أبناء البلد أنفسهم، وإن كان يُستعان بعض الأحيان بخبراء أجانب. ولكن والحق يُقال، ان الشعب السوري هو شعب حي بكل ماتعنيه الكلمة، يتمتع بذكاء وقوة كبيرين، ولا ننسى المخزون التاريخي الحضاري الذي يمتد خلفه لأكثر من 10000سنة.
وحسب رأيي، ومن جملة الأخطاء الموجودة في بنية المجتمع السوري وذهنيته، وهو خطأ مزمن، هو انه شعب بغالبيته لا ينتظم ولا يحب النظام في أي شيء، بفطرته فلا نظام غذائي ثابت يتبعه كل مواطن أو كل أسرة، ولا نظام عمل دائم، ولا الى ما هنالك من انظمة. فتراه سيد نفسه في كل شيء، بما فيها الفوضى، في كل زمان ومكان وعبر العصور.ولعل ما يستحق الذكر هنا، أن هناك ما يزيد على 16 مليون سوري يعيشون خارج سوريا منذ عشرات السنين. فإن سلطنا الضوء على مستواهم العلمي والعملي نجدهم يجارون مواطني الدول المتواجدين فيها، أو يتفوقون عليهم في بعض الاحيان، كما هو الحال في أمريكا الجنوبية. ولكن ومن مفارقات القول ان هذا الشعب وبأكثريته، فإن المسألة الوطنية لديه محسومة، فالقومتة العربية والشعور بها مازالت قوية عنده ويناضل لأجلها بحماس واندفاع كبيرين. وهنا في هذه النقطة بالذات قد وقع الغرب والولايات المتحدة تحديداً في الحسابات الخاطئة، أو أنهم لم يصدقوا حقيقة أكثرية الشعب السوري، بعدما تسابق وتنافس حفنة من السوريين الخونة للمساعدة في الانقضاض على الدولة والشعب السوري تحت شعار الشعب يريد اسقاط النظام ، والذي هو بالأساس ساقط من حياته وبدلاً من أن يسقطوا النظام السياسي السوري، فقد اسقطوا النظام العالمي الأوحد، الذي كان سائداً، منذ وقت ليس ببعيد، عبر مخاض سوري عنيف بانتظار ولادة وتبلور نظام عالمي متعدد جديد، ولكن وكما هو سياق التاريخي.
AZP07