اجراءات قانونية في دمشق لحماية الليرة السورية وسط حملات رمزية

دمشق‭- ‬الزمان‭  مع‭ ‬تدهور‭ ‬قيمة‭ ‬العملة‭ ‬المحلية‭ ‬لتسجّل‭ ‬أدنى‭ ‬مستوياتها‭ ‬أمام‭ ‬الدولار،‭ ‬انطلقت‭ ‬حملات‭ ‬رمزية‭ ‬لدعم‭ ‬الليرة‭ ‬السورية،‭ ‬مقابل‭ ‬تدابير‭ ‬مشددة‭ ‬فرضتها‭ ‬الحكومة‭ ‬لحمايتها،‭ ‬بينها‭ ‬ملاحقة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يستعمل‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬البيع‭ ‬والشراء‭. ‬وشهدت‭ ‬الليرة‭ ‬في‭ ‬الأسابيع‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية‭ ‬انخفاضاً‭ ‬قياسياً،‭ ‬إذ‭ ‬تجاوز‭ ‬سعر‭ ‬صرف‭ ‬الدولار‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬السوداء‭ ‬الألف‭ ‬ليرة‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى،‭ ‬فيما‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬الرسمي‭ ‬434‭ ‬ليرة‭. ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬أطلق‭ ‬ناشطون‭ ‬سوريون‭ ‬الشهر‭ ‬الحالي‭ ‬حملة‭ ‬رمزية‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬ليرتنا‭ ‬عزتنا‮»‬،‭ ‬لتشجيع‭ ‬استخدام‭ ‬العملات‭ ‬المعدنية‭ ‬التي‭ ‬بات‭ ‬تداولها‭ ‬نادراً‭ ‬منذ‭ ‬انعدام‭ ‬قيمتها،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬الدولار‭ ‬يعادل‭ ‬48‭ ‬ليرة‭ ‬قبل‭ ‬اندلاع‭ ‬النزاع‭ ‬عام‭ ‬2011‭. ‬ونظّمت‭ ‬غرفة‭ ‬صناعة‭ ‬دمشق‭ ‬وريفها‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي‭ ‬معرض‭ ‬‮«‬كل‭ ‬شيء‭ ‬بليرة‮»‬‭ ‬ليوم‭ ‬واحد‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬العاصمة،‭ ‬عرضت‭ ‬خلاله‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬50‭ ‬شركة‭ ‬منتجاتها‭ ‬مقابل‭ ‬العملة‭ ‬المعدنية‭ ‬من‭ ‬فئة‭ ‬الليرة‭. ‬وتقول‭ ‬ناديا‭ ‬بينما‭ ‬تقف‭ ‬قرب‭ ‬والدها‭ ‬الثمانيني‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬كيساً‭ ‬بلاستيكياً‭ ‬مملوءاً‭ ‬بالليرات‭ ‬المعدنية‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬داخل‭ ‬المعرض‭ ‬‮«‬كان‭ ‬والدي‭ ‬يعمل‭ ‬سائق‭ ‬حافلة‭ ‬لنقل‭ ‬الركاب،‭ ‬واحتفظ‭ ‬بهذه‭ ‬الليرات‭ ‬عندما‭ ‬تمّ‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬بها‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‮»‬‭. ‬وتضيف‭ ‬مبتسمة‭ ‬‮«‬حان‭ ‬الآن‭ ‬وقت‭ ‬استخدامها‮»‬‭. ‬ورغم‭ ‬أنه‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬فعلي‭ ‬لمبادرات‭ ‬مماثلة‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الذي‭ ‬أنهكته‭ ‬سنوات‭ ‬الحرب،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المشاركين‭ ‬يعتبرون‭ ‬أنهم‭ ‬يساهمون‭ ‬ولو‭ ‬رمزياً‭ ‬بدعم‭ ‬الليرة‭. ‬ويقول‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬عشي‭ ‬وهو‭ ‬مندوب‭ ‬مبيعات‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬منتجات‭ ‬تنظيف‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬‮«‬كان‭ ‬بإمكاننا‭ ‬توزيع‭ ‬المنتجات‭ ‬مجاناً‭ ‬لكننا‭ ‬شاركنا‭ ‬في‭ ‬الحملة‭ ‬دعماً‭ ‬للاقتصاد‮»‬‭.  ‬على‭ ‬بعد‭ ‬أمتار‭ ‬منه،‭ ‬يوضح‭ ‬سامر‭ ‬درويش،‭ ‬وهو‭ ‬مندوب‭ ‬شركة‭ ‬منتجات‭ ‬غذائية،‭ ‬‮«‬نحن‭ ‬نخسر،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬يعود‭ ‬الأمر‭ ‬بالفائدة‭ ‬على‭ ‬اقتصاد‭ ‬البلد‮»‬‭. ‬ويضيف‭ ‬‮«‬كلّما‭ ‬تحسّن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬كلما‭ ‬عاد‭ ‬ذلك‭ ‬بالنفع‭ ‬على‭ ‬الشركة‮»‬‭.  ‬الليرة‭ ‬‮«‬منقرضة‮»‬‭ ‬‭-‬لم‭ ‬تمرّ‭ ‬حملة‭ ‬دعم‭ ‬الليرة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬انتقادات،‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬حلاً‭ ‬للوضع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المتردي‭ ‬أو‭ ‬لارتفاع‭ ‬الأسعار‭. ‬وتقول‭ ‬فدوى‭ ‬التي‭ ‬دفعها‭ ‬فضولها‭ ‬إلى‭ ‬زيارة‭ ‬المعرض‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬‮«‬المبادرة‭ ‬جيدة،‭ ‬لكن‭ ‬تطبيقها‭ ‬للأسف‭ ‬شبه‭ ‬مستحيل‭ ‬لأن‭ ‬الليرة‭ ‬‭(‬الواحدة‭)‬‭ ‬منقرضة‮»‬‭.‬

ودعمت‭ ‬محال‭ ‬تجارية‭ ‬عدة‭ ‬الحملة‭ ‬من‭ ‬صالونات‭ ‬الحلاقة‭ ‬إلى‭ ‬المقاهي‭ ‬والمراكز‭ ‬التجارية،‭ ‬ورفع‭ ‬أحدها‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬لديهم‭ ‬بلاك‭ ‬فرايدي‭ ‬‭(‬الجمعة‭ ‬السوداء‭)‬‭ ‬ونحن‭ ‬لدينا‭ ‬‭+‬ليرتنا‭ ‬عزتنا‭+‬‮»‬‭. ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬ضواحي‭ ‬دمشق،‭ ‬استعاض‭ ‬صاحب‭ ‬متجر‭ ‬لبيع‭ ‬مساحيق‭ ‬التجميل‭ ‬عن‭ ‬البيع‭ ‬مقابل‭ ‬ليرة‭ ‬واحدة‭ ‬بالإعلان‭ ‬عن‭ ‬تخفيضات‭ ‬كبيرة‭. ‬ويقول‭ ‬‮«‬لا‭ ‬أجد‭ ‬أن‭ ‬البيع‭ ‬بالليرة‭ ‬منطقياً،‭ ‬إنها‭ ‬غير‭ ‬متوفرة‮»‬‭ ‬ببساطة‭.‬

وتوافقه‭ ‬الرأي‭ ‬زبونة‭ ‬تنتقي‭ ‬مشترياتها‭ ‬بعناية،‭ ‬موضحة‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تأثير‭ ‬الحملة‭ ‬اجتماعي‭ ‬وليس‭ ‬اقتصادياً‮»‬‭. ‬وعلّق‭ ‬أحد‭ ‬متاجر‭ ‬الألبسة‭ ‬النسائية‭ ‬على‭ ‬واجهته‭ ‬لافتة‭ ‬كتب‭ ‬عليها‭ ‬‮«‬اشتري‭ ‬قطعة‭ ‬واحدة‭ ‬واحصلي‭ ‬على‭ ‬الثانية‭ ‬بليرة‭ ‬سورية‮»‬‭. ‬ويعزو‭ ‬محللون‭ ‬تسارع‭ ‬‮«‬انهيار‮»‬‭ ‬الليرة‭ ‬مؤخراً‭ ‬إلى‭ ‬الأزمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬المجاور،‭ ‬حيث‭ ‬يودع‭ ‬التجار‭ ‬السوريون‭ ‬ملايين‭ ‬الدولارات‭ ‬في‭ ‬المصارف‭ ‬التي‭ ‬فرضت‭ ‬قيوداً‭ ‬مشددة‭ ‬على‭ ‬عمليات‭ ‬السحب‭ ‬والتحويلات‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬أزمة‭ ‬سيولة‭ ‬حادة‭. ‬وتترافق‭ ‬المبادرات‭ ‬الرمزية‭ ‬هذه‭ ‬مع‭ ‬تكثيف‭ ‬السلطات‭ ‬للاجراءات‭ ‬القانونية‭ ‬التي‭ ‬تتخذها‭ ‬في‭ ‬ملاحقة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يتداول‭ ‬بغير‭ ‬الليرة‭ ‬السورية‭. ‬وأفادت‭ ‬وكالة‭ ‬الأنباء‭ ‬الرسمية‭ ‬‮«‬سانا‮»‬‭ ‬عن‭ ‬توقيف‭ ‬مالكي‭ ‬ثلاث‭ ‬مؤسسات‭ ‬منذ‭ ‬الخميس‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬بعد‭ ‬ضبط‭ ‬تعاملهم‭ ‬بغير‭ ‬الليرة،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬سلسلة‭ ‬توقيفات‭ ‬بدأت‭ ‬منذ‭ ‬أسبوعين‭ ‬في‭ ‬محافظات‭ ‬عدّة‭. ‬وأعقبت‭ ‬إصدار‭ ‬الرئيس‭ ‬بشار‭ ‬الأسد‭ ‬مرسوماً‭ ‬تشريعياً‭ ‬نصّ‭ ‬على‭ ‬تشديد‭ ‬العقوبات‭ ‬بحق‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يتعامل‭ ‬بغير‭ ‬الليرة‭ ‬السورية‭ ‬‮«‬كوسيلة‭ ‬للمدفوعات‭ ‬أو‭ ‬لأي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬التداول‭ ‬التجاري‭ ‬أو‭ ‬التسديدات‭ ‬النقدية،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬بالقطع‭ ‬الأجنبي‭ ‬أم‭ ‬المعادن‭ ‬الثمينة‮»‬‭. ‬

ورفع‭ ‬المرسوم‭ ‬العقوبة‭ ‬بالأشغال‭ ‬الشاقة‭ ‬المؤقتة‭ ‬لمدة‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬سبع‭ ‬سنوات‭ ‬بعدما‭ ‬كانت‭ ‬تنصّ‭ ‬على‭ ‬الحبس‭ ‬من‭ ‬ستة‭ ‬أشهر‭ ‬الى‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات،‭ ‬مع‭ ‬غرامة‭ ‬مالية‭. ‬وأغلق‭ ‬مصرف‭ ‬سوريا‭ ‬المركزي،‭ ‬وفق‭ ‬تقارير‭ ‬إعلامية‭ ‬محلية،‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬مؤسسات‭ ‬الصيرفة‭ ‬لعدم‭ ‬التزامها‭ ‬بالقرارات‭. ‬وتزامن‭ ‬انخفاض‭ ‬قيمة‭ ‬الليرة‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬قياسي‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬معظم‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬والتموينية،‭ ‬بينها‭ ‬السكر‭ ‬والأرز،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬اللحوم‭ ‬وحليب‭ ‬الأطفال‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭.‬

ويكرر‭ ‬مسؤولون‭ ‬سوريون‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بلادهم‭ ‬تواجه‭ ‬حرباً‭ ‬جديدة‭ ‬تتمثل‭ ‬بالحصار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والعقوبات،‭ ‬بينما‭ ‬يقترب‭ ‬النزاع‭ ‬الدامي‭ ‬والمدمّر‭ ‬من‭ ‬اتمام‭ ‬عامه‭ ‬التاسع‭.‬