إيناس البدران .. التقنيات الفنية حافات الحلم تبدع رؤية وصوتاً

إيناس البدران .. التقنيات الفنية حافات الحلم تبدع رؤية وصوتاً

سمير الخليل

( حافات الحلم) مجموعة قصص قصيرة للقاصة العراقية ايناس البدران لجأت فيها الى  اسلوب المراوغة المبطنة بالمفارقة لاستدراج المتلقي صوب اللحظة الدالة على مفاتيح النص من اجل استنطاقه والوقوف على ما وراء الفاظه.. فضلا عن توظيفها لغة الحكم والرؤى الفلسفية  في مواجهة الواقع المأزوم..ابتداء من العنوان المستل من احد عنواناتها الفرعية لما يحمل من افاق تاويلية  وهو من مكونات التجربة السردية .  اهتمت القاصة في رسم العلاقات الاجتماعية  لقصصها الغريبة عبر لغة حوارية بوصفها نمطا من التواصل القائم على اساس التبادل والتعاقب  الداخلي(الذاتي) للكشف عن دخيلة الشخصية ومدى تفاعلها  مع الخارج .. والحوار الموضوعي(الواقعي ، القليل جدا في النصوص ) الذي يسهم في رسم  الشخصية ، فضلا عن الوصف الذي يُقحم في السرد تارة وبالحوار تارة اخرى  ولكن ليس وصف الشخصيات او الحدث وانما وصف الحال .او العادة الجارية في تداولية الواقع. وبالعودة الى اغلب النظريات التي وضعت انظمة للحوار في القصص نرى ان غالبها يتفق على ان الحوار ”  رصد دقيق من أجل تفسير ظواهرها المرتبطة بالتصرف السلوكي، و الانفعالات الوجدانية الخاصة بالإنسان.. ففي أحاديث الناس تتجلى سماتهم، و طبائعهم ، وأفكارهم و يكشفون أحياناً عن جزء من نواياهم. والناس حين يتحدثون فيما بينهم لا يضعون مخططا محدداً يضبط كلماتهم ، وعباراتهم و مواضيعهم فقد يدخلون موضوعهم الرئيسى في طيات موضوعات عدة يفتحون صفحاتهم و هم يرومون أمراً آخر، ومن هنا ينشأ وعى خاص لدى الكاتب في اختيار أسلوب الحوار الأدبى الذى يجريه على ألسنة شخصياته ”  (1)

 اتخذ الحوار في  ( حافات الحلم ) السمة الابرز في تقنيات السرد  القصصي كصوت اساسي  ولكن على المستوى العام لها يكتشف  القارئ تدريجيا وبعد الاستمرار في قراءتها ان هذه الاصوات على وفرتها وتزاحمها وظهورها المفاجئ او التدريجي او البطيء  يعود الى صوت واحد فقط؛  هو صوت الراوي  المهيمن صاحب وجهة النظر الواحدة  كما يقول اوزبنسكي في كتابه شعرية التاليف (2) فالدخول القسري للراوي  في حوار الشخصيات والذي خالف ما ورد سابقا في ان” أحاديث الناس تتجلى سماتهم، و طبائعهم ، وأفكارهم و يكشفون أحياناً عن جزء من نواياهم…. ”  نجد ان ملامح الناس في القصص  بوجود هذا الصوت الذي يئن ويصرخ ويتعذب ويفكر بفلسفة الحياة  بالنيابة عنهم مخبأة وتسكن تحت اللغة الماثلة مما ادى الى اجهاد القارئ في البحث عنها  متسائلا اين الشخصية ؟  ، او ماذا تريد ، او من هي ، او الى اين ذاهبة ، او حتى من اين اتت !؟ وبرصد بعض جوانب  الحوار -ي الصوت الواحد المهيمن في السيطرة على فهم عالم القصة من  خلال حوارها  : –

1 – انتقال صوت الحوار العالي الى مونولوج داخلي

 ترحل الكاتبة الى محطات بعيدة غالبا هي محطات الحلم او ( حافات حلم ) ترتشف من خلال كلماتها الاهات والاحزان بمفارقات الحياة واحزانها بعبارات تكشف عن  حكمة وعن نواميس الحياة  الجارحة ففي قصة ( عش الغراب ص 7   ) تتحدث عن احدى الزوجات التي يبدو انها تعاني من ثقل كاهل الحياة الزوجية  تقول ” تتنهد وتسترسل في افكارها فيما يداها منهمكتان في غسل تل اطباق وقدور ملوثة …” لعلنا نضيع جزءا منا مع كل مرةٍ نعيد استنساخ يومنا مكتفين بانه مرّ باقل الخسارات ليقفز سؤال يحمل طعم الصدأ .وفي قصة ( ازمنة راكدة ص 37  )التي تحكي عن امراة عاشت على هامش الحياة خارج اهتمام رجل كان يشعرها بالتقصير دوما مهما فعلت وانها الخاسرة دائما … ” فهي ركزت على المونولوج الداخلي وعالجت كل انفعالاتها بصوت داخلي وهي تتامل حركة سمكة زينة داخل الماء وتقارنها بحياتها الواقعية فتنتقل كل حين من رؤية السمكة والتيار الى صورة حياتها التي يتحكم غيرها بها فتخاطب نفسها قائلة ” ما اصعب ان يتحكم سواك بمصيرك وان كان مدفوعا بالنوايا الحسنة حيث يتقوض المدى وتضيق الارض بما رحبت  وتصبح السباحة ضد التيار محاولة انتحار يغدو الوقت فائضا عن العالم ويستحيل العالم جدرانا … والجدران لا بد فارضة قوانينها على حبيستها “

2 – الحوار المباشر العالي :

امتلات قصص حافات الحلم بالحوار على امتداد النص المتسم بالقلق مع تعدد الاصوات بتعدد الضمائر(المتكلم/المخاطب/الغائب) وتمحورها حول الهم الاجتماعي كمحرك فاعل ومؤثر في الواقع الاجتماعي داخل بنية السرد الذي يحدد الوعي الاجتماعي والانساني الذي يظهر وحدة اساسية منبثقة من واقع مفكك ومأزوم وفي كثير من القصص تبدأ مباشرة بالصوت العالي بعد استهلال برؤية فلسفية لموضوع القصة يحدده العنوان الذي تختاره لكل قصة ففي ( مشوار 127ص) تبدأ مباشرة بالحوار بين اثنين في سيارة من دون ان تحدد سبب ذلك او الى اين يذهبان ؟ قائلة: وبشكل سريع التفتت اليه لتقول بحنق :

     انزع هذا الشيء من اذنيك فانا احدثك

  • تفضلي انا اسمعك
  • خفف السرعة اولا
  • وكيف ترينني ؟ كل شيء يجري وانا اراوح مكاني
  • ظننت ان عملك الجديد يروقك

ويستمر لحوار بينهما بشكل غامض يظهر منه انه يعمل في مهنة جديدة وتبين بانها امه من دون ان تعلن ذلك والدليل طبيعة الحوار وانتقاله الى موضوع زماننا وزمانكم ، حين تساله لمن الاغنية؟

  • لعبد الحليم
  • وهل يعرفه من في سنك

  . هو الذي علم الناس الحب الصادق

 .  الحب هو الحب في أي زمان ومكان

  • ايامكم غير ايامنا

يتصاعد بينهما الحوار الى ان يصل الى نقطة التوتر كل يدافع عن زمنه وكيف تتأقلم الامور بسبب الازمان . تبدأ الكاتبة هنا باقحام صوتها على اصوات الشخصيات وتعود بايضاح الم الحياة ومعاناة البشر فيوجه صوتها علي المتحاورين الذي يبدو انه  صوت يعود الى برودة عندما يتصاعد الحوار في الحديث عن طبيعة ايقاع الحياة السريع وكيف ان الناس ترضى به فتقول  : –

ربما لانهم صامتون

فيرد عليها ويقول : او اننا نخشى ان يصحو من رقدتهم وينطقوا فتنهار امبراطورية الكذب التي شيدناها بالدم والدموع والابتسامات الزائفة .. من يدري لعل الموتى يتبادلون الاحاديث مثلنا على غفلة منا

3 – اختفاء الاسماء والألقاب :

احتلت اسماء والقاب الشخصيات عبر تاريخ التاليف الروائي والسينمائي مكانة مهمة جدا  مثل( سي السيد  والست امينة) في ثلاثية نجيب محفوظ او ( مصطفى سعيد في موسم الهجرة الى الشمال ) او (هيثكلف في مرتفعات وذرنج ) و(دون كيشوت لسرفانتس  ) ….   ولكن الاسم  واللقب المرتبط بالشخصية ، والذي يختاره المؤلف في بعض الاحيان  بشكل يتناسب مع بيئة وطبيعة الرواية على  نحو رمزي او معاكس لها, اختفى تماما من شخصيات ( ايناس البدران ) , فهي تبدا القصة بحوار مباشر بين شخصيتين تتبين العلاقة بينهما تدريجيا من خلال ذلك الحوار او الاشارات البعيدة التي تختارها لقصصها . فبدت الشخوص في اغلب حالاتها عرضاً لمشهد مسرحي يقوم على الاشارة ( البانتوميم ) او الحوار المكتظ بالالفاظ والعلامات التي تجر القارئ على فك شفراتها المتعبة احيانا او التي يسهل فهمها احيان اخرى . لذلك كثرت عندها عبارة (التفت اليه / فسألته / سألها / اجابت/ قالت / قال ) .

4 – جميعهم حكماء :

احتلت المقولة الشهيرة المتواترة  (لكل مقام مقال ) في المؤلفات النقدية والبلاغية اساسا مهما في رسم اسس اعمدة النقد الادبي  والغربي لتحقيق عملية الخطاب في اوجهه كافة (اللغوية والصوتية والاشارية )  فالجاحظ وابن وهب وصولا الى السكاكي والقرطاجني  ومعهم الفلاسفة العرب  ( الفارابي وابن سينا وابن رشد ) ويضاف لهم كل منظري الخطاب واللغة  ( وليام دي سوسير وجومسكي وواضعي اسس البلاغة الجديدة , حاييم بيرلمان واولبرشت تيتكا ….. اكدوا ان المقال عندما يكون مناسبا للمقام  يتحقق النجاح في الخطاب ، والمسالة في حقيقتها وواقعها العملي لا تحتاج الى منظرين ودارسين . فالحوار بين الناس ياخذ الشكل المنطقي والصحيح ان كانوا من المدن او القرى او المتعلمين او الحرفيين فيؤدي الاختلاف الزمكاني الى جر المتكلمين لاختيار الكلمات المناسبة لواقع الحال  باستثناء بعض التيارات الغربية التي اوجدت حوار اللامعقول في المسرح والرواية غير ان هذا يعد بعيدا عن طبيعة قصص( حافات الحلم ) .

      الغريب في  قصص المجموعة انها كانت اشبه بالحلم  فالكل فيها يتكلم عن نفسه وغيره وعن الحياة  بلغة الحكماء والفلاسفة العارفين لمعناها ومغاليقها ومفاتيحها الضائعة التي تكسر الانسان ، وتجرحه وتجره الى محطات الغربة بارادته او رغما عنه  ، ويلاقي من الاهمال والاقصاء من المحبين ما يلاقي ، وضياع الايام دون حب ، وقهر اجمل ايام الشباب في التقاط لقمة العيش او ضياع الاماني  في الحصول على فسحة للعمر يعيش معها ولو للحظات  قصيرة .  فيعتصر الالم ويشربه في كؤوس يتجرعها كل من دخل على حلم (ايناس البدران )فتنعكس باصوات افلاطونية  تعبر بآهات رمزية عن (الحق ، الخير والجمال ) ، او تبريرات اسبينوزا في حديثه عن الحرية والسعادة  ، او دقة ديدور في تفسير علم الجمال … فجاء صباغ الاحذية ، والمارون في الشارع ، والامهات ، والمرضعات ، والشخصيات المبهمة ناطقة بحوار اشبه بالمسرحي تعلوه الالم والحسرة صارخا بكلمات قصيرة وسريعة تشير بها وتتكئ على رشفات الالم الصارخة ؛  فبدا جميعهم حكيما وفيلسوفا له رؤية في الحياة على غرار رؤى فلاسفة الاغريق والرومان . والسبب في ذلك بان الكاتبة لم تنح صوتها وتترك الحوار يدور بينهم بما يتناسب مع ظروفهم واحوالهم او ثقافاتهم بل كانت تضع صوتها الحكيم محلهم فضاعت ملامح الشخصيات بسبب قوة صوت القاصة .

 في قصة ( شهقات67)  تنظر امراة والظاهر انها كبيرة في السن او صغير – لم تحدد الكاتبة – الى العروسين الشابين قائلة :

انظري اليهما انهما عاشقان ..

مثلما للنوم سلطان على كل البشر كذلك للحب الذي يولد غضا ما يلبث ان يستحيل ماردا عذبا عابرا الحواجز كمزيج من ســـــحر او جنون “

فتجيبها اخرى  “هو خدعة الطبيعة الازلية لدوام النوع حتى تثبت ادانته

فترد عليها : قد نحتاج للكثير من الوقت لندرك ان حواسنا خادعة ومضللة

فتقول لها : لم لا تقولين ان معاشرة البعض يمكن ان تفقدنا بوصلتنا وتطفئ فينا بريق المشاعر

وفي قصة ( عبث الافعوانية ص (19    رجل يريد ان يمسح حذاءه يتامل في الوجوه المكدودة تتراءى تتقافز من بين البسيطات واكوام القمامة … بويا وبعد ان يضع الرجل قدمة على صندوق الصباغ ، فا-ا العقل في اثناء هذه الحركة الرمزية يتأمل الحياة وأساها وحبات العرق تتفصد من جبين الشاب فيقول له الرجل : ما هذا؟

صباغ الاحذية : تيزاب اذيب فيه احزاني

الرجل : هل لي ان اسالك عن تحصيلك العلمي ؟

صباغ الاحذية : ما قيمة العلم في عالم تحكمه الاطماع ، يعالج الصداع بحبة اسبرين دون ان يسال السبب

الرجل : لو قدر لك العودة الى الماضي ماذا كنت ستفعل ؟

صباغ الاحذية : لا شيء.. هل ساقدر على تغيير ضمائر البشر اطفئ سعير اطماعهم ؟ يا سيدي نحن ابناء قاتل اخيه حياتنا نهايات مفتوحة لبدايات لا معنى لها ، لا بد لنا فيها ، قل لي هل اخترت ما انت عليه ؟ وجميع الشخصيات تتحدث بهذه الجبرية الصارمة التي تتجاوز مستوياتهم العقلية .

5 –  النص الصامت :

      ورد في القصص بعض التقنيات الفنية والاسلوبية كالاستفهام والتكرار الدال على التوكيد والاهتمام.. والتنقيط (النص الصامت)أو المسكوت عنه ال-ي يمنح النص بعدا نفسيا وسوسيولوجيا ينقذه من التجريد لانه قيمة وجودية تكتسب معناها من الدافع والمتوقع..اذ تستدعي المتلقي لاشغال واملاء التشكيل باللفظ وجعله شريكا في بناء النص.. مع تمثيل عنصر الايحاء عبر لغة مكثفة موحية وفكرة مركزة..تتخذ من الرمز تقنية تشفيرية باسلوب حداثي ولغة رصينة خالية من التقعر ونسج سردي متماسك… (في الف ليلة مسهدة قرات الاسفار احزانا تتصابى بارض…المرايا فيها انكسار..والاماني احتضار.. والسبايا قرابين الاصنام بلا فم.. حين طال صمتها تناهى اليها صوته الرخيم متسائلا: ـ اين مسرور الليلة؟ من خلف الاستار انبثق صوت اجش التمع فحيحه في الارجاء..كنصل اعمى.. ـ انا هنا يامولاي.. اسكته باشارة من يده..ثم اتجه بكليته صوبها ليقول: ـ شهرزاد..ارو لي حكاية لم اسمع بمثلها من قبل..ثم كانما استذكر شيئا ـ ولكن قبل ان تخبريني بما آل اليه حال ذات الخال..) ص57.. فالقاصة تهتم بالوصف وتحديد العلاقات الاجتماعية لتحقيق المشهد عبر لغة حوارية تعتمد اسلوب الحوار كنمط من التواصل القائم على اساس التبادل والتعاقب

6 – القصص ( القصيرة جدا ) :

اما في نصوصها القصيرة جدا التي جاءت في نهاية المجموعة فكانت تلتقط اللحظة باستخدام اسلوب التصوير السريع للرسم  مشهدية درامية حركية  بالايحاء والتكثيف الجملي فتخرج في النهاية بحكمة ، ومقولة كانها من اقوال الحكماء ومآثر الفلاسفة .. (مع المساء تهبط الوحشة..جدران الغرفة بيضاء واللوحة ما زالت لامراة مالت بدلال لعاشق يهم ان يقطف من كفها قبلة..تتساءل هل احبها حقا؟..) ص153   ) لما استيقظ على قرع الدفوف تحسس راسه الذي اخترقته للتو رصاصة عيار9  ملم وكان كل ما عليه لاثبات ذلك اخراج الرصاصة من راسه..).. ص156..  فالقاصة كانت ملتزمة جدا بالحفاظ على صوتها المهيمن حتى في اقصر عباراتها التي جاءت ترمز ولا تصرح بها او تشير عليها من بعيد جدا ، باستخدام عنصر الدهشة  والتركيز على تلخيص الافكار مع غلبة الطابع الشعري  الخطابي بتجليات مشاعرها الشخصية المركزية وصراعاتها الذاتية ازاء الواقع..بطرح خطاب اجتماعي ونفسي بمشهدية مفتوحة على التاويلات والاسئلة التي كان غالبها محيرا . لذلك كانت قصصها القصيرة جدا في نهاية الكتاب حاملة لطابع ( حكم واقوال ) او ( مواعظ الزمن )  على غرار اقوال الحكماء واهل الخطب في العصر الكلاسيكي ، في احد المسارح التي تعرض مسرحية ثقيلة الوزن فكرا وتضع على كاهلها لغة خطابية صارخة بالحكمة .

(1) ينظر : المغامرة الشعرية في القصة القصيرة الحديثة    284   الكا تب وعالمه  14 -15 – 16

(2) شعرية التاليف ، 22 –  .23