إنطباعات و تأملات ثقافية .. إصدار جديد لموفق الطائي

مروان ياسين الدليمي

مضت أكثر من خمسة عقود على دخول موفق الطائي ساحة العمل الفني والثقافي، ممثلا ومخرجا وكاتبا مسرحيا وصحفيا ومصمما وفنانا تشكيليا ، وخلال هذه المسيرة الطويلة والحافلة كان حضوره في مقدمة العاملين الفاعلين والمؤثرين من بين زملائه ، ولعل دوره البارز في مديرية النشاط المدرسي منذ منتصف سبعينات القرن الماضي قد ترك أثرا كبيرا على جميع الشباب من الطلبة الذين أشرف على تدريبهم وإدارتهم في عديد العروض المسرحية التي تولى مسؤولية كتابتها وإخراجها ، ونال عنها الجوائز الأولى في مهرجانات وزارة التربية التي تقام سنويا.

تلامذته أصبحوا أساتذة

يمكن ملاحظة ثمرة جهده عندما نرى أن معظم الأسماء التي عملت في ما بعد في المشهد المسرحي وأصبح لها حضور واضح ، سبق لها أن تتلمذت على يديه وعملت تحت إدارته ، كماوامتد حضوره طيلة خمسة عقود إلى التفاعل مع الفرق المسرحية الأخرى التي نشطت في مدينة الموصل منذ مطلع سبعينات القرن الماضي ،فكان دوره فيها ممثلا ومخرجا وإداريا للمسرح .

تواجد دائم

والطائي كان ضمن نخبة إدارة “فرقة مسرح الرواد” التي تأسست في 9 أيلول (سبتمبر) 1969 ، و”فرقة نينوى للتمثيل” التي تأسست عام 1979 وكانت تابعة لدائرة السينما والمسرح في بغداد ، وفي نفس السياق لم يبخل بجهده الفني على بقية الفرق العاملة في الموصل مثل فرقة “مسرح الفن ” التي تأسست عام 1968 وكانت تابعة لنادي الفنون ، وفرقة “المسرح العمالي ” 1970 ، وفرقة “مسرح جامعة الموصل” التي تأسست في 27 آذار (مارس ) 1975 ، إضافة إلة فرق مراكز الشباب .

مواهب وانشغالات متعددة

ولأن الطائي فنانا مثقفا، واسع الاطلاع على بقية الإختصاصات الفنية غير المسرح مثل الرسم والخط والتصميم ،ويمتلك فيها حرفية وخبرة تراكمت عبر السنين التجارب التي قطعها ، لذا نجده إلى جانب إنشغاله بالإخراج المسرحي ، قدعمل لسنوات طويلة في الصحافة، محررا وكاتبا للتقارير والمقالات والحوارات التي تتناول الأنشطة الفنية والثقافية،إضافة إلى أنه يعد من أهم المصممين المعتمدين في الصحف الصادرة في الموصل خلال العقود الماضية.
ولأن منذ وقت مبكر من شبابه كان مهتما بالفنون التشكيلية، فقد أدرك أهمية أن يعمل على تطوير هذا الإهتمام من الناحية التقنية، فطور من معرفته العلمية المتعلقة بأنظمة الرسم عبر الحاسوب ، فأصبح مصمما للعديد من أغلف الكتب التي صدرت في الموصل ،إضافة إلى تصميم البوسترات والمشاركة بها في المعارض التي تقام في العراق ،كما أقام معارض رسم مشتركة مع فنانين آخرين ساهم فيها بالعديد من اللوحات الرقمية .

حتى لاتندثر الذاكرة

وفي خضم هذه الانشغالات المتعددة والمتنوعة لم يكن يغيب عن اهتمامه تدوين وتوثيق الأنشطة الثقافية والفنية،إنطلاقا من حرصه العالي على أن لاتندثر هذه الذاكرة الخصبة من النتاجات والفعاليات التي كان حاضرا فيها وشاهدا عليها طيلة مسيرته الطويلة ،لأنها تمثل روح مدينة الموصل ،وعنوان قوتها وتفردها المديني عن بقية المدن العراقية الأخرى ، خاصة وأن الموصل قد تعرضت خلال العقدين الماضيين إلى فوضى أمنيّة وحروب ومحن قاسية ، كان من نتيجتها ضياع الكثير من الكنوز الأثرية والمخطوطات والمدونات التوثيقية التي تتعلق بتاريخ الموصل بأوجهه المختلفة .

إن الطائي بحرصه العالي ومسؤوليته كفنان ومثقف يشعر بانتمائه الأصيل لهذه المدينة ، دفعه لإصدار عديد الكتب عنها وعن نخبها الفاعلة والمساهمة في تشكيل وترصين هويتها الحضارية والإنسانية ، ومن خلال ما أصدره تحمل شخصيا نفقات طباعتها،دون أن يتلقى دعما من جهة مها ، باستثناء مؤسسة بيتنا التي تحملت كلفة طباعة أحد كتبه التي تعنى بتراث المدينة الموسيقي .
يعود الفضل للطائي ، وآسماء أخرى أيضا ، في توثيق مسيرة حقول ثقافية وفنية مختلفة ، ويأتي جهده ، من باب الإنصاف والعرفان والتكريم لكل الأسماء التي عملت بكل تفان وإخلاص خلال الخمسين عاما الماضية ، وما قبلها من سنين، من عمر العطاء الفني والثقافي لمدينة الموصل .

إصداره الأخير

كتابه الأخير “إنطباعات وتأملات ثقافية ” الذي صدر في منتصف العام 2024 عن مطبعة نركال في الموصل، يأتي في إطار هذه المسؤولية النبيلة التي عكف على إنجازها بكل دأب وإخلاص دون تكليف من أية جهة ما ، حيث تناول في هذا الكتاب مجمل الفعاليات التي شهدتها مدينة الموصل خلال خلال خمسة عقود ; مسرح وفنون تشكيلية وتجارب فردية مميزة . كما ورد في الكتاب حوارات مع الفاعلين والمؤثرين في الحركة الفنية ، ومقالات نقدية ،وتقاير عن الأنشطة التي أقيمت في المدينة ،هذا إضافة إلى توثيق وأرشفة لفنون لأنشطة التشكيل والخط ،مستعرضا فيها الرواد ومساهماتهم ، كذلك تناول الصحافة وتاريخها ، والفرق المسرحية الأهلية التي تأسست في الموصل ،منذ أن برزت الظاهرة المسرحية في ساحة كنيسة اللاتين (الساعة) عام 1881 ومنها انتقلت وتوسعت إلى مدن العراق.

الشغف أولا

إن أجمل وأنبل الأعمال التي نصادفها في حياتنا، تلك التي تولد من رحم المحبة الخالصة والانتماء الذاتي،من غير أن ينتظر أصحابها مكافأة أو تكريما أو كلمة شكر من مسؤول ،بقدر ما يكون دافعها،الشغف،والوله،والتوق إلى خطوة أنضج ومساحة أرحب، تتسع لتطلعات الإنسان وأحلامه في صنع يوم قادم أفضل مما هو كائن .وهكذا كان معظم الرعيل المؤسس للحركة الفنية والثقافية في مدينة الموصل،من مسرحيين وفنانين تشكيليين وصحفيين، وخطاطين ، ويصح أن يُطلق عليهم كل الصفات الجميلة من قبيل; المعلمين والرواد والمربين والآباء ، لأنهم عملوا بكل محبة ومثابرة ، من غير أن تكون في حساباتهم أن ينالوا ثمنا ماديا لعملهم ، أو يربت على أكتافهم مسؤولا حكوميا. ولولا جهودهم العظيمة في بيئة اجتماعية تتسم بالمحافظة ، لما تأسس في ما بعد، معهد الفنون الجميلة عام 1979 ، وكلية الفنون الجميلة عام 1994 ، وما كان لنا أن نشاهد اليوم أجيالا من الفنانين تتخرج من هاتين المؤسستين،ولا أن تتشكل نقابة للفنانين ولامنظمات ولاجمعيات ولا روابط فنية يلتقي فيها الفنانون للتشاور والعمل وتنظيم كل ما يتعلق بأنشطتهم .

الفضل للرواد ومن زاملهم

فالفضل كل الفضل في كل ما نراه اليوم من مؤسسات فنية أكاديمية، وما فيها من أساتذة جامعيين يحملون شهادات عليها، وطلبة فنانون يتخرجون منها،يعود أولا وأخيرا إلى جهود كل الأسماء من الرواد ،ومن رافقهم وزاملهم وتتلمذ على أيديهم، وسيكون من الواجب الإشادة بجهود الأستاذ موفق الطائي، لأنه وضع النقاط على الحروف، وأزال الغبار عن صفحات ثرية ، كادت أن تطوى ، وتصبح طي النسيان والإهمال ، خاصة وأن هناك ندرة وعزوفا في الدراسات الاكاديمية (ماجستير ودكتوراه ) عن هذا الحيز من القراءات والمراجعات النقدية والتوثيقية ، التي تولي عناية بهذه المسيرة ; أسماء ومحطات وتجارب وتواريخ . وعسى في المستقبل أن يتم الإلتفات إليها ومنحها ما تستحق من إهتمام ،لأنها من حيث الأهمية تأتي قبل أية دراسة أخرى تتعلق بتجارب أجنبية لم يشاهدها الباحث، أو يتعايش معها ميدانيا،ولم يكن له صلة مباشرة مع فاعليها ومؤسسيها .

إن جهد موفق الطائي وآخرين مثله في هذا المضمار، لابد من أن يحظى بدعم مؤسساتي من قبل هيئات علمية معنية بهذا الشأن ،حتى يأخذ مساحته المنهجية التي يستحقها في إطار البحث والتدوين والتوثيق، طالما هو مرتبط بذاكرة مدينة الموصل .