
إلى متى أظل غريباً – عبد المحسن عباس الوائلي
حديثي اليوم اكثر مما تتوقع فهو كبير اكبر من مساحات كل الورق وها أنا أنظر يميناً وشمالا شرقا وغرباً ولا اشعر بوجود احد قربي عجيب هذه عائلتي هؤلاء اقاربي فماذا اصابني؟ وتأملت ثم تذكرت انني في غربة وهذه الغربة قديمة عرفها الانسان القديم ولكنها كانت غربة حسية مرتبطة بما يحيط بها من بشر وعلاقات واماكن وان الحياة المعاصرة افرزت انواع اخرى من الغربة تتمثل في (الغربة النفسية و الفكرية) التي جسدها المفكرون في الشرق والغرب من خلال اعمالهم الادبية فالارتحال عن الاهل والوطن لم يعد يشكل ذلك الهم الكبير في الشعور في الغربة او الاغتراب هذا اذا لم يكن هذا الارتحال وسيلة هرب للبحث عن وطن وناس يهيئان مناخا من الشعور بالاستقرار والسكينة وهذا ما تعكسه هجرات الافراد والاسر من بلد الى آخر للأقامة بعيداً عن اوطانهم وبعضهم يتخلى عن جنسية موطنه الاصلي في سبيل الحصول على جنسية بلد آخر وحين تسأل بعضهم عن دوافع هجرته عن وطنه يردد ما قاله ابو حيان التوحيدي (اغرب الغرباء من صار غريباً في وطنه) واذا اخذنا قضية البحث عن لقمة العيش صورة من صور اغتراب الانسان اننا نجد في المقابل عدداً من القضايا تمثل صوراً اخرى لاغتراب الانسان عموما والمفكر خصوصاً تجمعها قضية كبرى هي (قضية الحرية) التي تتفرع عنها قضايا عديدة تشكل النسيج العام لقضية اغتراب الانسان وغربته في الحياة فالانسان المفكر لا يستطيع ان يعمل بمعزل عما حوله كما انه لا يستطيع ان يعيش على هامش الحياة ومجرياتها وهو يسعى الى صنع المتغيرات تطلعاً الى تطوير الحياة والتخلص من حالة السكون والجمود التي كانت تحكم المجتمعات القديمة في الوقت الذي تقف في وجهه مجموعة من العوائق العتيقة والاحباطات المتخلفة بكل ما نملك من وسائل القوة والثبات فيحدث التصادم الذي يقود المفكر الى الشعور بالغربة وكأنه المعنى بقول احد الحكماء (الانسان الفضل الذي يعيش في مدينة غير فاضلة) وبالرغم من ان الدارسين والادباء قد تناولوا قضية الاغتراب من خلال عدد من الصور والاشكال الا ان المدقق بتمعن يجد ان هذه الصور والاشكال مجرد قطعات للوحة الاغتراب الانساني المتمثلة في قضية (الحرية). المسلوبة والمطاردة في كل زمان ومكان والحرية رغم انها حق كفلته كل الاديان السماوية والقوانين الوضعية الا ان مفهومها يختلف باختلاف الظروف المحيطة وباختلاف القضايا المرتبطة بمفهوم الحرية وباختلاف النظم والسياسات والايديولوجيات والمصالح ونتيجة لهذه الاختلافات تحولت الحرية الى سلاح رهيب يقتل ويشرد ويجوع يملأ السجون بالابرياء فقد قامت الانقلابات العسكرية في بلاد العالم عامة والعالم الثالث خاصة من اجل الحرية فكان حصادها مئات بل آلاف الضحايا موتا او تعذيبا ونشأت السجون والمعتقلات الكبيرة واخترعت وسائل تعذيب اهدرت كرامة الانسان فصارت مقولة (كم من الجرائم ترتكب باسمك ايتها الحرية) تعبيرا عن مــــدى التشويه الذي لحق بهذا الحق في زمن اصبح الانسان يبحث فيه عن حريات اخرى بدلاً عن حرية القول نسأل الله الستر اللهم بك استترت يا الله.


















