إضاءات في حوار الحضارات

بعيداً عن المطابقة قريباً من الإختلاف

إضاءات  في حوار الحضارات

عبد الحسن علي الغرابي

صدر آخر منجز للكاتب والمفكر عكاب سالم الطاهر الموسوم بـ ” حوار الحضارات ” من منشورات مكتبة الدارالعربية للعلوم / بغـداد 2017 طبعة أنيقة بغلاف جميل احتوى على 159 صفحة تضمنت ثمانية فصول اتسع آفاقها في البحث والدراسة ، على أكثر من ستين مصدرا ساندا ومهم امتص رحيقها في مسيرته البحثية العسيرة وتمخض كنحلة أثمرت بعطاء معرفي يطيب للباحث والدارس ما يروي عطش المعرفة ، لهذا المنجز الذي يعد متميز، وليس غريباً ايضاح الدكتور عبد الحسين شعبان في مقدمته للكتاب أن يصف المؤلف الطاهر أنه سليل الحضارة السومرية وحضارة بلاد الرافدين ، حضارة اور ، وبابل وأشور ، والحضارة العربية ـ الاسلامية ، كيف لا وهو من نشأ قريباً من الزقورة السومرية ، ودار ابو الانبياء ابراهيم الخليل ، في بلد عريق بحضارة عمقها يمتد الى سبعة آلاف سنة قبل الميلاد ، ولمقدمة المفكر الاستاذ شعبان بالغ الاهمية في تسليط الضوء على جهد المؤلف الكاتب والمفكر وتجربته الطويلة في الكتابة والعمل الصحفي المتواصل ، حيث يختتم مقدمته القيمة بالقول : ( كتاب عكاب سالم الطاهر احتوى على اضاءات مهمة لفكرة حوار الحضارات وصدامها ، وبقدر محاولته الاجابة على عدد من الاطروحات والاشكاليات ، فانه اثار أسئلة أخرى تحتاج الى المزيد من التبصر والتفكر والتدبر، خارج اليقينيات والانحيازات المسبقة الجاهزة ، إنه كتاب يمنحك قدرة على التأمل بهدوء ولكن بمسؤولية . ) في مدخل الكتاب مقدمة للمؤلف الطاهر ، يتلمس المتلقي اشارات وحذر يوحي الى التردد والمخاطرة ، في غاية الصعوبة ، تتطلب استعدادا فيه من التعقيد والحساسية ، كأنه يدخل حقل الغام ، الولوج في مغامرة وربما يكن أحد هذه الالغام ـ جدلية الدين والسياسة .. لذا ترى الكاتب يقول : نعم .. كان مخاطرة لكنها محسوبة ؟؛ وتجدر الاشارة الى الفقرة الثالثة في الصفحة 22 ( هناك فارق كبير بين تجميع المعلومات وتكديسها في مستودع ، وبين تحليلها والاستفادة منها ” نحن اقرب الى النمل ، وابعد من النحل فنحن نكدس المعلومات ولا نمتص رحيقها)

وقت بعيد

وبإحساس كمتابع له لما يكتب وينشر من وقت بعيد ، ارى أن التشويق يرافق قلمه الرشيق ليشد المتلقي وينقي طقس المتابعة الفكرية التي قد تكن متعبة احيانا ، فيتدارك ذلك بإشارات تتضمن قولا مأثورا او حكمة ، وهذا ما اعتاد عليه ، وهنا يتضح ذلك بإشارة الى الكاتب الداغستاني رسول حمزاتوف حين انتهى من كتابه قال :” لقد استلقيت ، وبدأ الناس يمرون بي ، وينظرون اليّ ويقولون : فلاح عمل ما عليه ، ثم غفا ” ؟؛ بهذا يختتم الكاتب المقدمة ليحلم بغفوة كما فعل حمزاتوف .. ولا أظن أن الكاتب المجتهد المثابر سيحلم بغفوة فهو كنحلة يدور في بساتين الكتب وأمهاتها ، يتواصل بشكل دؤوب على الدراسة والبحث ، كما يقول المثل ” من شب على شيء شاب عليه ” ـ يأتي الفصل الاول ـ لنرى المؤلف يقف على ساحل بحر متلاطم الامواج ليس من السهل خوض غماره ، ما لم يتدارك مخاطره ، وترتيب العدة اللازمة والاستعداد لوضع الخطوات الاولى ليبحر في اعماق الفكر فجاء وبشكل متقن عنوان الفصل الاول ـ الخلاف والاختلاف ـ فكانت بداية واعية ومحسوبة بدقة ، احتاط لها بمشاركة آراء ابرز المفكرين من الشرق والغرب ، فكان من بينهم د. احمد الوائلي ، والإمام النعمان بن ثابت ( ابو حنيفة ) واستخلص ما تناول البحث أهمية المدارس الفكرية والفلسفية ( الدينية ) كمدخل مهم للانطلاق الى اوسع آفاق الفكر الغربي وبإشارة الى الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر ، والدكتور باول كويلهو ، والمفكر هنتنغتون ، من خلال ذلك تتسع الرؤية بتلاقح الافكار ليثمر الجهد المنسجم مع الوقائع ، بعد أن مد الجسور بين مختلف الاطراف ، ليؤكد على المستلزمات التي تجعل (الاختلاف ) ظاهرة مفيدة ، ومن خلال ذلك يصل الى نتيجة تعد معلم من معالم النشاط الانساني بإلغاء الهويات الفرعية وذلك بعقلنة الانسان ، وأنسنة العقل متوافق لما أضاف المفكر  (هنتنغتون ) بالإشارة الى الهوية الكونية ، كرغبة افرزتها متغيرات العصر في الصفحة ـ 33 ـ ( يلاحظ هنتنغتون ، شهدت مرحلة التسعينات انفجار ازمة هوية كونية ، فاينما تنظر تجد الناس يتساءلون ” من نحن ” ؟ ، ” لمن ننتمي ” ؟ ، ” من هو الآخر ” ؟ ، ) بهذه الاشارات  والدلالات تتوالى في فصول الكتاب لتشمل قضايا مهمة تشغل الفكر الانساني ، وبشكل مكثف وبإيجاز يستخلص فيه عصارة الفكر لينتهي الى تعريف الحوار ، ورسم حدوده ، وأنواعه ووظيفته ، وامتداداته ، ورسم دائرة للحوار ، ليكون الحوار حواراً واضحاً مقنعاً في تحليله ، كما حدد ضرورة دراسة التاريخ ، وكتابته على نحو تركيبي وتحليلي ، وإعادة كتابته بشكل موضوعي  منصف للخروج بنتائج ، كما عمد الى تعريف المهام الساندة لمحاور البحث ، واستعرض مابين الثقافة والحضارة ، لتنتهي سلسلة متوالية من معارف عديدة ، ويمكن القول أن هناك عددا كبيرا من العلماء والمفكرين ، دافعوا عن الفكرة التي مفادها أن كل المفاهيم الميثيولوجية الدينية والحضارية للكائن البشري انطلقت من وادي الرافدين ،  الى ص46 رأي ( ول ديورانت : تتألف الحضارة من عناصر اربعة : الموارد الاقتصادية ، والنظم السياسية ، والتقاليد الخلقية ومتابعة العلوم والفنون ) وتستمر خطوات البحث الى جوانب مهمة وعديدة أتقن جدولتها وفق السياق التاريخي من عهد البابليون والفراعنة بما خلفوا من صروح شاخصة ، شاهدة على العمق الحضاري ،

اثر كبير

الى ما وصلت اليه الدول الغربية في التنقيب والبحث للتاريخ لسان وعيون تتحدث بما وثقت من مدونات لازال لها أثر كبير في اغناء البحوث والدراسات لتكن المنهج التاريخي ، استعان بها الباحث في بحثه الرصين ، لتكن سلماً لترتيب افكاره وممارسة التحليل الهادف للوصول الى نتائج تتمكن من المساهمة في خروج العالم الى التمسك بمبدأ الدعوة للمحبة والتسامح ونشر ثقافة السلام ، من هنا وجب وضع وسيلة اسرع لاجتياز نهر الحضارة فكان الفصل الثالث من الكتاب جسرا للعبور الى صدام الحضارات ـ ” الاسباب والمخاطر ـ كيف تتجنب البشرية هذا الصدام ؟ ” تأتي اهمية هذا الفصل بما يحمله العنوان من تهديد خطير على الامن والسلم العالمي ، والخوف من الكوارث التي تؤدي الى دمار كل ما بناه الانسان على سطح الارض ، وفي ختام هذا الفصل ، هناك عنوان وقائي بارز وعلى شكل سؤال : ” كيف نتجنب صدام الحضارات ؟ ” هنا وبشكل موجز وبدلالة واضحة تحسم ما يجب ضمان أهمية الحوار ، بترجيح التلاقي والتفاعل بين الحضارات ، وليس هناك من يقين للخلاص من تجنب الصدام ـ ففي اشارة واضحة في ص57 ” أن الدعاة المناهضين لصدام الحضارات لا بد أن يركزوا على المخاطر التي تنجم عن صدام الحضارات ، لذلك يؤدي ابراز وتجسيم هذه المخاطر الى شيوع ثقافة ( مناهضة صدام الحضارات )، وهي الخطوة الأولى والمهمة في تجنب هذا الصدام ، …

فصول قادمة

لا أريد أن ابحر في ثنايا هذا الكتاب وبما اتسع بمضامين فصوله القادمة ، على أهمية احترام الآخر والتعايش والتعاون وضمان المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة ، ولا شك أن هذا العمل ، وما تناول من دراسات ونظريات كثيرة ، أكدت أن هناك جملة من العوامل أدت الى هذه الطفرة المتميزة ، التي انطلق منها الكاتب ، لتثمر جهوده الطيبة بهذا العطاء ، كما تكلل اصراره على العبور الى الضفة الأخرى ، مدركا أن الحضارة منجز انساني ، ووعاء ثقافيا للشرق والغرب على السواء ليوحد الهدف في البحث عن المشتركات الإنسانية للتعايـــــــــــــــش والتواؤم ، ونبذ الصراعات والتناحر ، المهنـــــــــــدس الطاهر حبّاه الله بمواهب عديدة في مجال المعرفة وفي البحث والدراسة وهو من بين ابرز المثقفين الرواد في الوسط الثقافي العراقي ، ولا يغيب عن ذهن القراء أن ” حوار الحضارات ” يذكرنا بالعديد من الاعمال الابداعية والبحثية وكان لمنجزه     الاخير صدى واسع على مواقع التواصل الاجتــــــــــماعي .